وفي عمله في القضاء كان يلتزم العدل وروحه لا نصوص القوانين المعمول بها يومئذ، ولا يقضي إلا بما يراه يحقق هذا العدل ومراد المشرع، وكان يقول: «ان القانون وضع من أجل العدل، وليس العدل من أجل القانون» ومن طرائفه ان وقع عقوبة على شاهد الزور لم ينص عليها القانون، فتم تعديل القانون وأقرت العقوبة..!
ولما توفي الخديوي توفيق وجاء ابنه عباس حلمي الثاني، تقدم إليه محمد عبده بمذكرة لإصلاح الأزهر وافق عليها وشكل مجلساً لإدارة الأزهر، ومثل الحكومة الإمام محمد عبده والشيخ عبدالكريم سلمان، وعين مفتياً للديار المصرية..! مما مكنه من تحقيق مراده من إصلاح أمر الأزهر، فأصلح الأحوال قبل إصلاح المناهج، حيث كانت ظروف المدرسين والطلاب المعيشية غاية في السوء والانحطاط فعمل على الارتفاع والرقي بهما معاً، فرفع مرتبات المدرسين وضاعفها مرات.
كما حسن ظروف الدارسين، وأجرى عليهم وسائل الإعاشة النظيفة، ثم اتجه إلى المناهج لتصير على يديه أقرب إلى مراده، لكن المعارضين لخططه لم ييأسوا من الهجوم عليه، وألبوا عليه النفوس وأشعلوا الحرائق، لكنه لم يثنه عن بلوغ ما يريد..!
وكان في عمله في دار الفتوى، تتميز فتاواه كلها بروح التميز والاستقلال والتحرر من أغلال التقليد، وتزخر بالرغبة القوية في جعل الإسلام ملائماً لحاجات المدنية الحديثة، ولكن هذا الاستقلال في الرأي هيج عليه مرة من ظلوا يستمسكون بأهداب القديم.. ومن أشهر الفتاوى التي أثارت الزوابع، فتواه بتحليل ذبائح الكتابيين، وفتواه بتحليل إيداع الأموال في صندوق التوفير وأخذ الفائدة عليها، ثم فتواه في تحليل لبس ملابس الكتابيين، أي ملابس الأوروبيين، لأنهم مضطرون لمعاشرة الأوروبيين، فلابد ان تقوم الألفة فيما بينهم..!
وحينما عاد من بيروت جاء خلفه السيد رشيد رضا، ليعرض عليه إنشاء مجلة «المنار»، ويدون فيها دروسه في تفسير القرآن فأعانه على ذلك، وكتب في كل عدد من أعدادها تفسيراً، جمع فيما بعد ورتب فصار تفسير المنار نسبة إلى المجلة، ولكنه لم تمهله المنية حتى يتمه.
فكان عبارة عن سورة الفاتحة وجزء عمَّ الأجزاء ثم الأجزاء من الأول إلى العاشر أو الآية 91 من سورة التوبة، فلما نزل به قضاء الله عز وجل رأى رشيد رضا ان يواصل التفسير على منهج أقرب ما يكون إلى منهج أستاذه، وجعل يفسر حتى وصل إلى سورة يوسف، ويقول: (واني أعتقد مع هذا انه لو بقي حياً واطلع عليه لأقره)..!!
وكان من منهج الإمام في تفسيره عدم الاعتداد بالإسرائيليات عموماً، لاسيما ما كان مروياً عن مسلمة أهل الكتاب مع ان علماء أهل الجرح والتعديل اغتروا بهم، وخصوصاً فيما كان بين الرسل وأقوامهم أو ما يتعلق بكتبهم ومعجزاتهم، وقصص أهل الكهف وارم ذات العماد وغير ذلك..!
كما كان يرى ان الحديث المروي بطريق الآحاد لا يجوز أن يؤخذ به في العقائد الإسلامية إذ لا يصح ان تكون عقيدة المسلم قائمة على أسس متهافتة، أو معرضة للطعون، أو لا تشبع القناعة العقلية.. ومن هنا شنت عليه التيارات السلفية حروباً شعواء، بدعوى أنه يرفض حديث الآحاد، رغم انه لا يرفض حديث الآحاد في العمل، وانما يقول بإفادته الظن وليس اليقين، والعقائد لا تقوم على الظن، وليس أول من قال ذلك من علماء الأمة..!
وكان يرى ان القرآن هو الحاكم وليس المحكوم، فمن غير المعقول ان نخضع القرآن لشيء، ففي اللغة هو الحجة على اللغة وليست اللغة هي الحجة عليه، وكذلك لا يرى ان للعقل أحكاماً حاكمة على القرآن، فإن العقل البشري محدود، بينما القرآن نزله المطلق وهو الله عز وجل وهو غير المحدود، فمحال ان يحكم المحدود على المطلق..!
ثم كان لا يرى ان بالقرآن حرفاً زائداً دون فائدة، لأنه تنزيل من حكيم خبير، والحكمة تقتضي ان يكون لكل حرف حاجته، فجزاه الله عن الإسلام والقرآن خير الجزاء، والله نسأل ان يجعل جهوده في ميزانه.
علي عيد
