أكثر ما يميز قرية «ريامة» إحدى قرى الطويين في إمارة الفجيرة بساطة أهلها ولطفهم واستقبالهم لزائريهم بمودة، فهؤلاء الناس ابتعدوا عن أناقة المدينة الزائفة وتآلفوا مع الطبيعة وعاشوا في بيوتهم المتواضعة والتي ظهر فيها حكم الزمن ولم ينقطعوا عن التواصل فيما بينهم والاجتماع في جلساتهم عند عتبات البيوت أو تحت ظلال الشجر.

وصلنا المنطقة التي تشعر أن سكانها يعيشون في بيت واحد فدخلنا مسجد الوالد عبيد علي حمود وحوله رجال القرية، وقد تحدث بعفوية صادقة عن حياة الماضي قائلاً: كانت البيوت عسبج وحطب وسمر، و«أول» كنا نسكن في الجبال ولا يأتينا السيل، أما بيوتنا الآن فينزل الماء في سقوفها ونخاف ان تسقط علينا وقد أمر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ببنائها منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً ولا أحد جاء بعده ليصلحها، وقد كانت حياتنا في الماضي على صعوبتها مريحة ولا نفكر بالديون أو صعوبات الحياة.

وقد كنا نسير الى رأس الخيمة نبيع الحطب والغنم والسخام والعسل ونشتري سح وقهوة وطحين، ونأخذ يومين في رحلة الذهاب، الحين نأخذ بالسيارة نصف ساعة، وفي الماضي كل حد يعرف أرضه واسماء بقاعها واليوم لا أحد يعرف شيئاً، والماضي كان أحسن لأن فيه قوة، ولم يكن هناك «دخاتر» فإذا مرض أحد جابوا مطوع وقرأ عليه، وكنا نشتري كارة «الخينزي» بريال، أما اليوم فتجد الأسعار مرتفعة وكل شيء غالي الثمن.

ويتحدث عن رمضان في ماضي القرية قائلاً: «كنا نعرف رمضان عند رؤية الهلال، ولا يوجد مسجد في المنطقة فكنا نصلي الجمعة في أذن أو حجب، وفي رمضان نقيم سبلة، وكل مجموعة بيوت يفطرون رباعة، وكانت بيوت الناس بعيدة عن بعضها في الجبال لكنهم يتعارفون ويسأل الرجل عن صاحبه.

واليوم البيوت متقاربة ولا يعرفون بعضهم بعضاً، وقد كانوا في الماضي يجمعون ما يتيسر من طعام في السلة ويفطرون على بركة الله،ويصلون التراويح ثم يذهبون الى بيوتهم وهم يعرفون الأوقات على حركة الظل وعلى النجوم وكانت حساباتهم صحيحة ولا يحتاجون إلى ساعة. ويؤكد سعيد بخيت كلام عبيد علي صمود قائلاً:

«كنت أراقب المؤذن في المسجد أو الإذاعة واقارنه بحسابات أهلنا فأجد أن الأوقات صحيحة تماماً، وقد كانت فطرتهم السليمة وفطنتهم تهديهم إلى تلك الحسابات، وفي الماضي كان الناس فقراء يزكون بالتمر أو العيش ويزكون بينهم في القرية، فالفقير كان يفرح بهذا الرزق، بينما اليوم لا يقبلون به ويقولون ابعثه إلى الجمعية الخيرية».

ويتحدث محمد علي حمود عن سبب تسمية المنطقة فيقول «كان في القرية بئر محفورة وعندما يأتي السيل يهدمها، لذا سميت «ريامه» وكان أهل الوادي كلهم يشربون منها، وعندما جاء المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بنى البئر ووفر الماء لأهل القرية، وفي الماضي كان المسافرون باتجاه دبا يستريحون عند البئر ويشربون منها.

ولم يكن هناك طريق إلا عن طريق الوادي، ولا يسافر الرجل إلا ومعه سلاحه، ويحفظ «فلوسه» في طرف غترته، حيث يلفها بطرف الغترة ويشدها لتكون قريبة منه دائماً، وكان كل رجل يتملك بندقية لحماية نفسه وبيته، وهي أنواع مختلفة منها الميزر والصمعة والفلاسي وأم عشر والمستحية، ولكننا لم نعد نحتفظ بها، فقد تكسر معظمها، وأصبحنا في أمان اليوم بفضل حكومتنا، فلم نعد نهتم بالسلاح أو نفكر بشرائه.

ونعود إلى حديث الوالد بن حمود عن رمضان والعيد ليقول: كان غداء العيد كل يوم في بيت، والعيد عند الناس «طربة» وفرح يأتون من الشرق والغرب يتباشرون به وتكثر المآدب وتذبح الذبائح، وفي الماضي لم تكن هناك خضرة أو تلك الأنواع المختلفة من التمور، فكان الناس يقدمون مما يزرعون ويحتفلون بالرزيق، أما الأولاد «فيحوطون» في الجبال، ومن يلبس منهم كندورة جديدة يكون متميزاً وسعيداً، وكان الرجل يلبس كندورة من قماش الكورة، وفي الغالب لا تكون عنده أكثر من واحدة أو اثنين.

ويتحدث محمد علي حمود عن الزواج في الماضي قائلاً: أول «صباحة» الحرمة بسيطة وغير مكلفة، وإذا ما أراد أحدنا الزواج خطبنا المرأة وقدمنا صباحتها وذبحنا ذبحتين أو ثلاث وطبخنا على حطب السمر، وأقمنا الرزيف وشارك فيه الرجال، وكان الرزيف ببلاش واليوم حتى مشاركة الفرح بفلوس وبعدها أقمنا الموائد فنصب العيش بسرود فلم تكن لدينا أوان كما هو الحال اليوم، وتعشى الناس وكانوا يقولون في الرزيف:

واسعيد من بات بحضها

ملء وزباد محملها

وقد كانت العروس تضع الزعفران وتعمل عقوص، وتدق الياس وتضعه مع العقيصة، وكذلك تضع الحناء، وكانت النساء تخيط ثياب العروس وتجهزها في يوم أو يومين.

* جلسة نسائية

كان الرجال يتبادلون الحديث بينهم، بينما يقوم صاحب البيت بتقديم الضيافة العربية، وعلى مقربة من مجلسهم اجتمعت نساء القرية لينعمن بالجلسة الصباحية مع القهوة وحبات الرطب، فانتقلنا إليهن ليكون حديث الماضي نسائياً هذه المرة، فتقول موزة أحمد محمد غريب «أول كنا ساكنين في الجبال، ونجلب الماء من طوي ريامة، وأعمال النساء في ذلك الوقت كثيرة، فنحن نرعى الغنم ونحلب ونخض.

ونضع حليب (الحوش) في قدر ونضع فوقه الروب وعندما يروب نخضه ونستخرج منه السمن، وكنان نخبز على طوباي، ونجهز الطعام، ونجمع ثمار «الأمبي» وهو ثمر لا يوجد إلا في اطويسي يشبه الفاكهة، وكذلك نبرد الماء في السعن أو القربة وأحياناً نضعه في خرس أو اليحلة.

وقد كان الناس في الماضي يمتلكون الصحة والقوة، فهم يعملون من الصباح إلى المساء من دون تعب، وكانت حياتهم بسيطة ومعيشتهم قليلة، فقد كان مهر العروس يُعد بالروبيات، وقد كان مهري ألف ريال، وكان جهاز العروس بسيطاً يتكون من كندورة ووقاية وبرقع وبعض الملابس الأخرى البسيطة، ويلبس الرجل كندورة حمراء أو صفراء يصبغونها بالورس والمسك».

وتتحدث موزة عن غناء النساء للعروس في زفافها فتقول «كانت النساء تنشد للعروس أغنيات شعبية تقول فيها:

«بنيات بنيات

هواكن طاح وشلنّه

طايح ما بين الزرايب والندى بلّه

بنيات بنيات

غايب عني خاتم ذهب بتلقنه

وكذلك يقلن:

خذوني معكم بسهل السلول العلية

خذوني معكم على مطرح وزولية

خذوني معكم قبل الليل بعشية

وكانت النساء تعد بعض المأكولات الشعبية مثل الخبيص والهريس والساكو، وكذلك نأتي بالقاشع من دبا وندقه ونضعه على العيش والسمن في طبخة اسمها «سمناه»، وكنا نجفف اللحم والسمك، ولم يكن سوى الدجاج العربي موجود، فلا نعرف الطعام المجمد في الأسواق.

تركنا مجلس النساء لنعود إلى حكايات الماضي عند رجال القرية، حيث يقول الحاج علي محمد علي: في الماضي كنا نصلي التراويح في حبحب أو أذن، وكانت بيوتنا في الجبال وفي القيظ نسكن السيح وعيشتنا «أول» أحسن وأرحم لبعضنا، فهذا الزمان زمان فلوس، بينما في الماضي إذا بنيت بيتاً يساعدك أصحابك.

ويذكر أسماء الأماكن المختلفة قائلاً: من بقاع المنطقة وعب المسلي والسليوة والأبرك والسوت والمصلى وكنا نجتمع عند طوي ريامة أو تحت سدرة البريزة التي يجتمع عندها الناس ويتبادلون الأحاديث والأخبار.

* مواسم العسل

ويتحدث سعيد محمد سالم عن العسل قائلاً: كان الناس يعرفون مواسم العسل، وقد كان متوفراً في الشتاء والقيظ، لكن الآن أصبح شحيحاً وأقل جودة، فعسل الماضي أفضل بسبب كثرة الماء والعشب والشجر، ولا يوجد غبار أو تلوث أو كسارات.

وكنا نبيع الكيلو بثلاث ريالات أو ريالين، أما اليوم فسعر الكيلو يصل إلى خمسمئة ردهم، وأحياناً لا تستطيع الحصول عليه، فنحن نصعد الجبل سيراً على الأقدام لنحصل على العسل ونضع إشارة عليه حتى تكتمل الخلية ونقصه، ولا أحد يتعدى على إشارة غيره.

لأهالي ريامة حكايات ذات شجون لكن الوقت قد أزف ولابد من العودة نحو حياة المدينة لتصل حكاية الجبل والطوي والجلسات الحميمة إلى أبناء المناطق الأخرى.

استطلاع: دلال جويد