تتردد دائماً كلمة الهوية الاسلامية وسط أحاديثنا وكتابتنا دون ان نتوقف كثيراً لتفحص مفهومها ومعناها ومقوماتها وخصائصها وعلاقتها بالوطنية، كما لم نتوقف كثيراً حيال التساؤلات التي يمكن ان تثيرها، ومنها هل يوجد صراع بين الهوية الاسلامية والعولمة؟، وهل هناك اعداء للهوية؟ وهل نعاني بالفعل أزمة هوية؟

هذه التساؤلات وغيرها يتضمنها كتاب: الهوية الاسلامية للمؤلف محمد بن احمد اسماعيل المقدم الذي يؤكد بداية ان الهوية هي حقيقة الشيء او الشخصية التي تميزه عن غيره، فهي ماهيته، وما يوصف به من صفات عقلية وجسمية وخلقية ونفسية، فالهوية هي المفهوم الذي يكونه الفرد عن فكره وسلوكه اللذين يصدران عنه من حيث مرجعهما الاعتقادي والاجتماعي، وبهذه الهوية يتميز الفرد ويكون له طابعه الخاص، وكما ان للفرد هوية وكذلك للمجتمع والأمة هوية مستقلة يتميز بها عن غيرها وإلا تشابهت الامم كالأسماك في الماء.

ويؤكد الكتاب على ان من أهم أركان الهوية: العقيدة ثم التاريخ واللغة اذا تكلمنا عن الهوية الاسلامية نجد انها مستوفية لكل مقومات الهوية الذاتية المستقلة بحيث تستغني تماماً عن اي لقاح أجنبي عنها فهي هوية خصبة تنبثق عن عقيدة صحيحة والهوية الاسلامية في المقام الأول انتماء للعقيدة فهي انتماء الى أكمل دين وأشرف كتاب نزل على أشرف رسول إلى اشرف امة بأشرف لغة بسفارة أشرف الملائكة في أشرف بقاع الارض، في أشرف شهور السنة، في اشرف لياليه وهي ليلة القدر، أشرف شريعة وأقوم هدى.

وحول خصائص الهوية الاسلامية يذكر الكتاب ان الانضواء تحت الهوية الاسلامية والاندماج فيها ليس أمراً إختيارياً ولا مستحباً ولكنه فرض متعين على كل بني آدم المكلفين، الى ان يرث الله الأرض ومن عليها، قال عز وجل «قل يا أيها الناس اني رسول الله إليكم جميعاً» ووظيفة هذه الأمة دعوة جميع البشر الى الهوية الاسلامية.

ويضيف الكتاب انها هوية تستوعب كل مظاهر الشخصية وتحدد لصاحبها بكل دقة ووضوح هدفه ووظيفته وغايته في الحياه، وهي مصدر العزة والكرامة، قال تعالى «لقد انزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم افلا تعقلون» ومن خصائص الهوية الاسلامية أيضا انها هوية متميزة عما عداها «لكم دينكم ولي دين» ولكي يبقى هذا التميز ثابتاً في كل حين، أوجب الله علينا ان ندعوه في كل يوم وليلة سبع عشر مرة ان يهدينا إلى الصراط المستقيم المغاير بالضرورة لمنهج الآخرين.

أما عن علاقة الهوية الاسلامية بالوطنية فيذكر الكتاب ان الهوية الاسلامية لا تعارض الشعور الفطري بحب الوطن الذي ينتمي اليه المسلم ولا الحرص على خير هذا الوطن، بل المسلمون الصادقون هم اصدق الناس وطنية لأنهم يريدون لوطنهم سعادتي الدنيا والآخرة بتطبيق الاسلام وتبني عقيدته وانقاذ مواطنيهم من النار، وحمايتهم من التبعية لأعدائهم الذين لا يألونهم خيالاً.

وقد تجلى هذا المفهوم واضحاً في قصة مؤمن آل فرعون في سورة غافر وتتجلي في عصرنا في مواقف وجهاد وصمود ورموز الدعوة الاسلامية في كافة البلاد الاسلامية، لكن الوطنية الحقيقية في مفهوم الهوية الاسلامية هو الجنة حيث كان أبونا آدم في الابتداء ونحن في الدنيا منفيون عن هذا الوطن ساعون الى العودة إليه، والمنهج الاسلامي هو الخريطة التي ترسم لنا طريق العودة إلى الوطن الام. أعرب عن ذلك الامام المحقق ابن القيم بقوله

فحي على جنات عدن فإنها

منازلنا الأولى وفيها المخيم

ولكننا سبى العدو فهل ترى

تعود إلى أوطانا ونسلم

كما ان العقيدة ـ حسبما يؤكد الكتاب ـ هي ركن الهوية الأعظم فتربط المسلم بأخيه المسلم حتى يصيرا كالجسد الواحد، وإذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر والحمى فربط الاسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك ورجلك بساقك ولذلك يكثر في القرآن العظيم اطلاق النفس وإرادة الأخ تنبيهاً على ان رابطة الاسلام تجعل أخ المسلم كنفسه، والرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة ( لا إله إلا الله).

وحول مظاهر أزمة الهوية يقول المؤلف ان هذه المظاهر يمكن رؤيتها في الشباب الذي يتهافت على تقليد الغربيين في مظهرهم ومخبرهم وفي الجاسوس والعميل الذي يخون أمته ويبيع وطنه ودينه. ومن هنا يؤكد المؤلف ان قضية الهوية قضية محورية ازعجت كل الناس إلا أصحابها والمشكلة تكمن في أن أكثر المسلمين لم يقتنعوا ان الأعداء من حولهم على اختلاف مذاهبهم وعقائدهم لا هدف له إلا استئصال شأن الاسلام وطمس الهوية الاسلامية.

ومن هنا ايضا يأتي الصراع بين الهوية الاسلامية والعولمة ، فيرى الكتاب ان ما يسمى بالعالمية الاممية تريد طمس الهوية أمام القوى الراغبة في إحتواء العالم الاسلامي والسيطرة عليه سيطرة فعلية ودائمة.

ويضيف ان اي جماعة تعوزها الهوية المتميزة سوف تجد - في عالم تحكمه شريعة الغاب ـ من يحاول استقطابها والهيمنة عليها وتذويب شخصيتها عن طريق تدمير البنية التحية لهويتها العقائدية والثقافية التي تحفظ عليها سياج شخصيتها فتحول الانسان إلى كائن تافه فارغ عاقل تابع مقلد ويؤكد الكتاب ان اضعاف الهوية الاسلامية أخطر وأشد فتكاً بالأمة من نزع سلاحها.

ويستطرد المؤلف قائلاً إن الترويج لدعوة العولمة أحد أساليب طمس الهوية اسلامية اي توحيد الثقافة العالمية وهو قناع تختفي تحته فكرة تسويد الثقافة الغربية التي كان يعبر عنها في عهد الاستعمار برسالة الرجل الابيض إلى العالم الملون، وتهدف العالمية ـ حسبما يرى المؤلف- إلى تذويب هوية الأمم.

ولاسترداد هويتنا يطالب الكتاب بتدعيم الاعلام الرسمي بكافة أشكاله ليؤدي دوره في إحياء حركة تجديد الدين ونعود إلى منابع الاسلام الصافية متمثلة في منهاج النبوة، تحرير الهوية الإسلامية من كل مظاهر الخور والتبعية والتقليد، التصدي لمحاولات تذويب الهوية الاسلامية وقطع صلة الامة بدينها فالعالم الاسلامي رغم ضعفه السيادي إلا انه القوى الكبرى الكامنة التي يحسب لها الغرب ألف حساب.