منذ منتصف القرن العشرين ونجاح دبي الاقتصادي وتميزها التجاري يثير الكثير من التساؤلات: ما هو سر ذلك النجاح الفريد والمتميز الذي حظيت به هذه الإمارة؟
هل نجاح دبي عائد إلى مركزها التجاري المتميز وإطلالتها البحرية على ساحل الخليج العربي أم هو بسبب ثرائها الاقتصادي ووفرة المصادر فيها أم أن دبي هي نتاج ذلك الشريان الحيوي المعروف بالخور والذي وفر لدبي ميناء طبيعياً أهلها لأن تقوم بدور ميناء الترانزيت لمنطقة الخليج بأسرها أم ذلك النجاح يكمن في تلك العقلية المتفتحة للطبقة الحاكمة والتي جعلت من دبي منطقة جذب تجاري واقتصادي ومنطقة حرة خالية من الضرائب، أم أن دبي هي نتاج لتلك العقلية التجارية المتميزة التي ميزت أهلها منذ القدم وجعلتهم يتقبلون كافة المتغيرات ويطوعونها لمصلحتهم.
نجاح دبي ليس نتاج لوصفة سحرية جعلتها وفي فترة زمنية قصيرة ملتقى رجال المال والأعمال فنجاح دبي يكمن في العوامل السابقة الذكر مجتمعة. فقد سأل أحد الصحافيين الشيخ راشد عن سر نجاح دبي فأجابه راشد « أنزل إلى الأسواق ...اختلط بالناس وأسأل أي واحد منهم ولا تخف من السؤال فأنت في بلد حر...اننا قد نخطئ لأننا نعمل والذي لا يخطئ هو الذي لا يعمل». إذا كان العمل الدءوب وعدم الاستسلام للعجز والرغبة في الابتكار وقهر المستحيل هو ما ميز دبي حكومة وشعباً عن غيرها من الموانئ التجارية.
كانت دبي تعمل ليلاً ونهاراً، تبتكر المشاريع العملاقة، تخطط لمستقبل كبير يفوق مساحتها الجغرافية الصغيرة، ولذلك حازت دبي طوال تاريخها على عدة مسميات منها «هونج كونج الخليج» و«فينيسيا الخليج» و«دبي: مدينة الذهب » ومدينة الأحلام، هذه المسميات لا تعكس تطور دبي وإنما أحلامها الكبيرة والتي استطاعت دبي أن تحولها إلى واقع تعيشه ويشعر به القادم إليها.
* المشاريع الجديدة
سئل الشيخ راشد مرة إذا ما كان النفط سوف يغير دبي . فقال راشد إن النفط سوف يكون عاملاً ايجابياً ولكنه ليس المسؤول الأول عن نهضة دبي. فقد عرفت دبي نهضة حضارية منذ الثلاثينات، نهضة قائمة على استشراف آفاق المستقبل والتخطيط الجيد للنهضة الحديثة على أسس مدروسة وموضوعة بعناية. فالكثير من المشاريع التي قامت في دبي قامت على أساس عدم تأثيرها سلبا على حياة الناس وعلى مصادر رزقهم.
فلم يكن ينظر للبترول على أنه المصدر الأساسي للدخل بل كان ينظر له على أساس أنه مكمل لاقتصاد دبي . لذا فكافة المشاريع العملاقة التي قامت في دبي درست بعناية حتى لا تؤثر سلبا على مظاهر الحياة التقليدية. هذا النمط من التفكير جعل دبي لا تفكر في أي مشروع جديد ألا بعد دراسته دراسة تامة حتى لا يؤثر على مصادر الرزق الأخرى سواء للأهالي أو الجاليات التجارية المقيمة في دبي. ومثال على ذلك كان انشاء جسر المكتوم.
فقد درس الشيخ راشد بعناية مسألة انشاء جسر حديدي يربط بين ضفتي دبي والتي كانت تربط في الماضي بواسطة الزوارق الصغيرة أو «العبرات». وفرت العبرات رزقاً وعملاً لعدد كبير من الأهالي الذين عملوا في مهنة «العبار» الذي يجدف بالعابرين بين ديرة ودبي نظير مبلغ زهيد هو «آنة أو آنتين».
وعلى الرغم من كون المبلغ ضئيلاً الا أنه وفر للعديد من الناس مصدر رزق كاد تشييد الجسر أن يطيح به. ولذا رفض الشيخ راشد إقامة جسر حديدي وسط الخور، حتى لا يقضي على العبارات ومصدر رزق العبارين . وهكذا تم اختيار مكان قرب نهاية الخور لإقامة الجسر الذي عرف بعد ذلك بجسر المكتوم.
* الطابع المعماري
تميزت دبي منذ القدم بطابع معماري متميز ظهر واضحا في البيوت التاريخية التي ميزت منطقة البستكية ومناطق دبي التاريخية الأخرى. فقد تميزت مباني دبي بالبساط المنسجمة مع البيئة الطبيعية والمناخ الحار الذي يميز منطقة الخليج بأسرها. فالمتجول بين أحياء دبي في فترة الستينات يحلو له أن يلقبها بمدينة البراجيل إذ لا يخلو أي منزل في المدينة: غنيا كان أم فقيرا من البارجيل مع الفرق في طريقة ونوعية المادة المستخدمة في التشييد.
فقد شيد الأغنياء براجيلهم من الطوب والحجارة بينما شيده الفقراء من القماش وسعف النخيل. وكان البارجيل أساسا في كل منزل كونه كان يلعب دور مكيف الهواء في تلك الفترة. وكلمة بارجيل كلمة فارسية تعني «ماسك الهواء» . فهو برج مرتفع عن سطح المنزل، مفتوح من جهاته الأربع، يلتقط كتل الهواء التي تصطدم به فينزلها إلى داخل المنزل باردة لتلطف الحرارة. انه أول مكيف اخترعه إنسان هذه المنطقة للتغلب على حرارة الطبيعة.
كان في فترة الستينات وعندما بدأت دبي تنحو نحو الحداثة بخطى ثابتة انعكس ذلك على طريقة تشييد الناس لمنازلهم. فبدأت تظهر البيوت الكبيرة المشيدة على الطرز المعمارية الحديثة. وأصبحت تلك المنازل تحتوي على الغرف الواسعة والمطابخ المستقلة . بل أن بعض المنازل أصبحت تهتم باللمسات الجمالية التي تميز المنازل العصرية. وأخذت دبي تتهيأ لتخطيط حضري جديد خاصة في ظل الحاجة المتزايدة إلى شوارع فسيحة وخدمات عامة متطورة. وقد انعكس كل ذلك على طريقة تخطيط دبي الحديثة.
* التخطيط العصري
في مطلع الستينات برزت الحاجة لتحديد الملامح العامة والجمالية لدبي. فمع التخطيط الحضري للشوارع والميادين العامة ظهرت الحاجة لتسمية تلك الأماكن وتجميلها. ومن أهم المعالم التي كان الزائر لدبي يراها في مطلع الستينات هي الساعة التي كانت تجمل ميدان الساعة بر ديرة.
فقد تم انشاؤها في عام 1962 حيث أوصت بلدية دبي بصنعها لوضعها فوق مبناها الجديد. ويبلغ قطر هذه الساعة ثلاثة أقدام، تضيء في الليل بأنوار زاهية وتعد معلماً رئيساً في المدينة. كانت الساعة تدق تمام كل ساعة دقات يسمع صداها على بعد ربع ميل وبلغ ثمن صنعها حوالي 5000 جنيه استرليني.
وعندما وصلت الساعة إلى دبي عقد المجلس البلدي اجتماعاً له. وعوضاً عن أن تزين الساعة مبناه قرر بناء برج كبير عند مدخل ديرة، مقابل جسر المكتوم، لتوضع عليه الساعة. وقد بلغت تكاليف هذا البرج حوالي 25 ألف جنيه إسترليني . وقد زين البناء بنافورة كبيرة وحديقة جميلة جلبت لها التربة من رأس الخيمة لعدم صلاحية تربة دبي آنذاك للزراعة. وهكذا أصبح هذا الميدان والذي عرف بميدان الساعة من أجمل ميادين دبي ومعلما رئيساً من معالم الحداثة في دبي.
كان ميدان الساعة فاتحة عصر مرحلة جديدة من مراحل التطور الحضري لهذه المدينة العصرية. فقد بدأ في دبي بعد ذلك اهتمام بتجميل ميادين المدينة لإضفاء تلك اللمسة الجمالية العصرية عليها. وسرعان ما بدأ الاهتمام بالميادين الأخرى الرئيسة في ديرة مثل ميدان جمال الناصر.
كما بدأت دبي في تسمية الشوارع والدوارات كخطوة أساسية بعد التوسع العمراني الكبير الذي شهدته المدينة. بالإضافة إلى ذلك فقد بدأت سياسة تشجير الميادين والطرقات في الأحياء الحديثة من البلد. هذه المهام ما كانت لتتحقق لولا ذلك البرنامج الطموح الذي قامت به بلدية دبي من الاشراف على تجميل المدينة وإضفاء اللمسات الجمالية عليها على الرغم من العقبات التي كانت البلدية آنذاك تصادفها. لقد كانت دبي في طريقها لأن تصبح واحدة من أجمل مدن الخليج وتضيف إلى ألقابها الأخرى لقباً جديداً هو «دبي لؤلؤة الخليج».
ترصدها: د. فاطمة الصايغ
