من حكمة الله سبحانه وتعالى في إنزال القرآن منجماً عدة أمور منها: تثبيت فؤاده صلى الله عليه وسلم أي تقويته وهذه التقوية لازمة لتجدد الوحي المستلزم لكثرة نزول الملك عليه وفي هذا سرور عظيم لما فيه من عناية إلهية ومعجزة تتجدد وتأييد له ضد الباطل أو خصومه المعاندين حيث ينصره الله عليهم ويقوي عزمه وإرادته فضلاً عن أن في ذلك التجدد تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وسروراً يملأ به قلبه خاصة في أوقات الشدة.
تيسير حفظه عليه صلى الله عليه وسلم فهو لا يقرأ ولا يكتب ومقتضى ذلك إنزاله عليه بالأسلوب الميسر ليسهل عليه حفظه ولو أنزل جملة واحدة لشق عليه صلى الله عليه وسلم تبعاً لعوائد الخلق في طباعها. وقد لاقى العناية المطلوبة في حفظه للذكر عند إسراعه لذلك وظهور التحرك في لسانه وشفتيه المقتضى للشدة عليه قال سبحانه: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه). وفي ذلك ما فيه من التدرج في التربية والتعليم وهي خاصة عظيمة للقرآن الكريم.
وكان صلى الله عليه وسلم يسرع في قراءته حتى لا يذهب منه شيء فأخذ العهد الرباني بإبعاد ذلك عنه قال تعالى: (سنقرئك فلا تنسى) ومقتضى ذلك إنزاله على الطريقة التنجيمية عنها التيسير والتسهيل.
التحدي والإعجاز للكفار والمشركين بأن يأتوا بمثله بل إنهم عاجزون عن إتيان المثل في السورة والآية والتنزيل بصورة التنجيم أبلغ في الإعجاز وأشد على الذين يحادون الله ورسوله قال تعالى: (ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيراً).
تيسير حفظه على المسلمين وسن طريقة يسهل بها حفظه وفهمه أخرج ابن عساكر عن طريق ابن نظرة قال: كان أبوسعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشي ويخبر أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس آيات. «وأخرج البيهقي عن أبي خلدة عن عمر قال: تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي صلى الله عليه وسلم خمساً خمساً».
التدرج في التشريع: فمن معالم التشريع الإسلامي التدرج في أحكامه التي يتوقف عليها استئصال الأمراض الدفينة في الأنفس البشرية وما كانت الأحكام التكليفية فوق طاقة البشر. وظهرت صورة هذا المبدأ التدرجي في قضية تحريم الخمر وقد تجنّب لدى المسلمين البيان الشرعي في هذه العادة الكريهة وعولجت هذه العادة تدرجاً ولا تدرج كائن إلا بالنزول منجماً قال سبحانه «ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً إن في ذلك لآية لقوم يعقلون».
وتأتي المرحلة الثانية، في قوله تعالى: «يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما». والعقل يقضي في ما يغلب ضرره على نفعه بالابتعاد عنه.
وفي المرحلة الثالثة يقضي التنزيل بالابتعاد فترة عن هذه العادة قال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون»، وفي المرحلة الرابعة يأتي الحسم في هذه العادة السيئة فيقول تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر واليسر ويصدّكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون».
وشمولية القرآن للناسخ والمنسوخ ولا نسخ إلا بالتنزيل متتابعاً المقتضي للتقديم والتأخير.