كلما تقدم علم، وعظمت نتيجته، كانت حاجته أكثر لدافع قيمي يقوم بتعديل مسار المنحرفين من ممارسيه، ودعم توجه الملتزمين العاملين على تقدمه أكثر مما هو عليه. هذا فيما يخص العلم بوجه عام، فما بالنا إذا كان هذا العلم في عصر الحضارة العربية الإسلامية، حضارة قيمية مرجعيتها كتاب الله وسنة رسوله؟
فسرعان ما يلاحظ المطالع للنتاج العلمي لتلك الحضارة كثرة المؤلفات التي خصصت للأخلاق العلمية، في كل علم على حدة من تلك العلوم العملية، سواء كان طباً أو فلكاً أو كيمياء، أو طبيعة وغير ذلك. فإذا أخذنا علم الطب على سبيل المثال نجد فيه كتباً مثل كتاب العلة التي من أجلها صار ينجح جهال الأطباء والعوام أكثر من العلماء لأبي بكر الرازي المتوفى 313هـ.
وأيضاً أدب الطبيب له، وكتاب التشويق الطبي لصاعد بن الحسن في القرن الخامس الهجري، والنافع في كيفية تعلم صناعة الطب لعلي بن رضوان المتوفى 444هـ، ودعوة الأطباء لابن بطلان المتوفى 458هـ، وبيان الحاجة إلى الطب وآداب الأطباء لمحمود بن مسعود الشيرازي المتوفى 710هـ، والمقالة الصلاحية لهبة الله بن يوسف من أهل القرن السادس الهجري.. وغير ذلك الكثير.
وقد ترجم عدد كبير من هذه المؤلفات إلى اللغات الأخرى نظراً لأهميتها في هذا الجانب. ولعل من أهم هذه المؤلفات التي ركزت على مسألة الأخلاق العلمية كتاب أدب الطبيب للرهاوي. وقبل أن نتناول محتويات هذا الكتاب نذكر نبذة موجزة عن مؤلفه، ومنهجه في تأليفه.
هو إسحاق بن علي الرهاوي، من أطباء القرن الرابع الهجري، عاش في المدة بين عامي 240هـ و319هـ. كان يهودي الملة، ووردت بعض الأخبار أنه أسلم بعد ذلك، وإن كنا لم نتأكد من ذلك.
والرهاوي بمنزلته في عصره، وبهذا الكتاب تحديداً، يثبت المكانة التي أنزلتها الحضارة الإسلامية لأهل الذمة، والحرية الأدبية والفكرية التي تمتعوا بها سواء كانوا يهوداً أو نصارى، بل أنزلوا في تلك الحضارة منزلة عالية، وليس أدل على ذلك من المكانة التي حظي بها ابن جزلة، وابن ملكا، وابن التلميذ، وابن المطران، وموسى بن ميمون، وموسى بن العازار الإسرائيلي، وابن البيان.. وغيرهم، كل في عصره.
ينصب تناول الكتاب على أخلاقيات مهنة الطب، وما ينبغي أن يتأدب به الطبيب، سواء في سماته الأخلاقية، أو في سلوكه المهني، ومدى التزامه بشرف مهنته، ومدى الشفافية والمصداقية في امتحان الأطباء الجدد حتى يمكن الفصل بين الأطباء الحقيقيين والجهلة المحتالين ـ على حد قوله ـ لأن ثمن الخطأ في هذه المهنة باهظ، وعائد الاحتيال فيها مهلك.
وبخاصة أن الرهاوي نفسه قد عانى من هؤلاء الجهلة وأصحاب الحيل، الذين تحدث عنهم في بداية كتابه هذا والتي ذكرناها هنا، بل خصص باباً كاملاً للتحذير من هؤلاء أسماه باب في التحذير من خدع المحتالين.
«بسم الله الرحمن الرحيم.. قال جامع هذا الكتاب ومؤلفه: إن أناساً من الأطباء ـ أيها الحبيب، أسعدك ببلوغ مطلوبك، وأعانك على درك الحق ـ حين جهلوا أصول صناعة الطب، وفاتهم درك فروعها، وقصروا عن تأمل الصواب في طرقها، خرجوا إلى الحيل والتلبيس حتى أفسدوا محاسنها، وأساؤوا سمعة أهلها، وربما رأى الواحد منهم الإصلاح لشيء يجهل سببه، فيسرع إلى فساده وهدم أساسه.
كالذي قدمت وجاهرت به الطائفة من الأطباء الذين رأيتك تذمهم وتوبخهم، وأشباههم من أهل الوقاحة والإقدام على ما لا يعلمونه، فحق على من أنعم الله عليه بمعرفة، ووفقه لتأمل هذه الصناعة أو جلبها.. ألا يقصر في إظهار ما بلغه علمه من ذلك، بل يجتهد في نشره وإذاعته، ليقوي به نفوس أهل الحق، وقد تكلفت جمع ما قدرت عليه من الآداب التي ينبغي للطبيب ان يؤدب بها نفسه، والأخلاق المحمودة التي ينبغي أن يقوم بها طبعه، وذكرت طرفاً من التدابير التي ينبغي ان يدبر لها جسمه.
والأفعال التي يجب أن يفعلها بذاته أولاً، ويختم: «فصن نفسك وجسمك بلزوم العدل واستعمال الاعتدال في تكسبك للمال، وفي نفقته، بل في سائر أفعالك، تنج بذلك من الآثام وتكون منزلتك منزلة الكرام، والله يبلغنا وإياك أفضل الرتب الشريفة عنده، هو حسبنا وحده.
ولهذا الكتاب نسخة وحيدة موجودة بالمكتبة السليمية بأدرنة ـ تركيا، محفوظة تحت رقم 1658، نسخت في 12 شعبان سنة 748هـ، ناسخها هو: عبدالله بن عبدالله بن عبدالسلام بن ربيع اللاوي، ولم يتبع هذا الناسخ في كتابته لهذا الكتاب بنظام التعقيبة المتعارف عليه إلا بين الملازم أي كل عشر ورقات، وعلى النسخة وقف باسم السلطان بايزيد، ودونت على ورقة العنوان مطالعتان، أولهما باسم محمد بن محمد بن محمد القوصوني سنة 959هـ، والثانية باسم حسن بن قاسم سنة 979هـ.
وتتكون هذه النسخة من 112 ورقة من القطع المتوسط.
وقد نشر الدكتور فؤاد سزكين نسخة مصورة منه ضمن إصدارات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية بفرانكفورت سنة 1985م، وهذا الكتاب ترجم إلى عدة لغات أوروبية، فترجمة كريستوف بورجل إلى الألمانية سنة 1966م، وترجمه مارتن ليفي الى الانجليزية سنة 1967م.
قسم المؤلف الكتاب على أبواب هي أصدق دليل على محتواه، فقد جاءت عناوين أبوابه العشرين كما عنونها مؤلفه كالآتي:
الباب الأول: في الأمانة والاعتقاد الذي ينبغي ان يكون الطبيب عليه، والآداب التي يصلح بها نفسه وأخلاقه.
الباب الثاني: في التدابير التي يصلح بها الطبيب جسمه وأعضاءه.
الباب الثالث: فيما ينبغي للطبيب ان يحذره ويتوقاه.
الباب الرابع: فيما يجب على الطبيب ان يوصي به خدم المريض.
الباب الخامس: في آداب عواد المريض ومتفقديه.
الباب السادس: فيما ينبغي للطبيب ان ينظر فيه من الأدوية المفردة والمركبة، وكيف ينبغي ان يحذر مما قد فسد منها بغير قصد أو بقصد، من الصيدلاني وغيره.
الباب السابع: فيما ينبغي للطبيب ان يسأل عنه المريض وغيره.
الباب الثامن: فيما ينبغي للأصحاء والمرضى جميعاً ان يعتقدوه ويضمروه للطبيب في وقت الصحة ووقت المرض.
الباب التاسع: فيما يجب على المريض إبرامه، من قبوله لأمر طبيبه ونهيه وما يؤول إليه حاله عند خلافه له.
الباب العاشر: فيما ينبغي أن يعمله المريض مع أهله وخدمه.
الباب الحادي عشر: فيما ينبغي ان يعمله المريض مع عواده.
الباب الثاني عشر: في شرف صناعة الطب.
الباب الثالث عشر: في ان الطبيب يجب له التشريف ـ بحسب مرتبته ـ من الناس كافة.
الباب الرابع عشر: في نوادر جرت لبعض الأطباء.
الباب الخامس عشر: في أن صناعة الطب لا يصلح أن يعملها كل من التمسها، لكن اللائقة بهم في أخلاقهم.
الباب السادس عشر: في محنة «امتحان» الأطباء.
الباب السابع عشر: في الوجه الذي به يقدر الملوك على إزالة الفساد الداخل على الأطباء من جهتهم.
الباب الثامن عشر: في التحذير من خدع المحتالين.
الباب التاسع عشر: في العادات المذمومة التي قد اعتادها كثير من الناس وهي تسوق إلى الإضرار بالأصحاء والمرضى وإلى ذم الأطباء.
د. محمد كامل جاد
مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث