من ألطف الرحلات التي قام به عربي إلى ديار عربية أخرى في القرن التاسع عشر، الرحلة التي قام بها الشيخ الأزهري المصري محمد بن عبد الجواد القاياتي إلى بلاد الشام أواسط ذلك القرن وعاد منها بكتاب أصدره بعنوان «نفحة البشام في رحلة الشام»، عاد وحققه في ثمانينات القرن العشرين الباحث أحمد طربين.

وفي نصوص هذا الكتاب تبدو عينا الشيخ راصدتين متنبهتين، متساهلتين أحيانا، مبهورتين في أحيان أخرى، ولا سيما حين يتحدث عن العمارة أو عن الحياة الاجتماعية في المدينتين المشرقيتين اللتين توقف بينهما وعندهما أكثر من توقف: بيروت ودمشق.

بينما يتحدث الشيخ القاياتي عن عودته من دمشق الشام إلى بيروت بواسطة عربة (ديليجانس) التي تجرها الخيول، ويصف معالم الطريق، يتطرق مباشرة إلى أحداث سنة الستين في إمارة جبل لبنان، ويكمل حديثه عن جبال لبنان ورأس البيدر (ضهر البيدر) المرتفع جدا إلى أن يصل إلى محطة الحازمية، فينوه بعادة أهل بيروت في الخروج إليها لملاقاة اهلهم وأصحابهم القادمين من دمشق، ثم يمتدح عادة محببة للدمشقيين، وهي حرصهم على استقبال معارفهم الآتين من بيروت، في محلة الهامة.. ناعيا على أهل مصر إهمالهم هذا الواجب.

ولمناسبة وصوله إلى بيروت، يتحدث الشيخ القاياتي عن دار جديدة استأجرها ويعدد أجزاءها العليا والسفلى، ويذكر أن الشتاء كان في معظمه باردا. ثم يتحدث الشيخ عمن اجتمع بهم من أهل بيروت من علماء، وخاصة أولئك الذين حضروا دروسه أثناء إقامته في المدينة، وانشغاله بمطالعة بعض الكتب والتآليف.

ويمكن القول هنا إن بيروت كانت هي مقر إقامة الشيخ القاياتي، أما دمشق فقد مكث فيها بعض الوقت وخالط أهلها وعلماءها مشاركا دروسهم ومتنزهاتهم. وزار جوامعها وأضرحتها. وبالنسبة إليه، كانت دمشق كبرى مدن بلاد الشام، مدينة عظيمة عريقة، ولذا تركت في نفسه انطباعات خاصة لا تمحى.

والحال أن القاياتي كان في وصفه لعوائد أهل الشام وخاصة بيروت، أشبه ما يكون بمرآة تعكس أحوال هذه البلاد في تلك الفترة، ولقد تجلى ذلك خاصة في موقفه مما سماه تقليد الغرب ومحاكاة الأوروبيين، فهو لاحظ في بيروت مظاهر الغنى والثراء الذي جلبته حديثا المبادلات التجارية مع أوروبا.

وذلك من خلال تعرفه على عدد من العلماء والوجهاء والتجار ومن بينهم الشيخ عبد القادر القباني مدير جريدة «ثمرات الفنون» ومحيي الدين حمادة رئيس بلدية بيروت، كما تعرف على بيت «السادات بيهم» وقال إن لهم تجارات عظيمة وثروة جسيمة وبيوتا عديدة وعقارات وخانات.

أما العائلات النصرانية فهم كثر، وأكثرهم في الغنى والثروة شهير، ومنهم السراسقة والتويني وبسترس. ولاحظ القاياتي انعكاس أرباب التجارة بأعمالهم على حياتهم الاجتماعية فهم لا يكثرون من السهر والمجالسة والزيارة للأصدقاء والأقربين.

فلانشغال ابن بيروت بالتجارة من الصباح إلى المساء، إما بين كونه في دكان يبيع أو يشتري، أو في الميناء يستخلص بضاعته المجاوبة إليه من أوروبا أو بلاد أخرى، أو ينزلها إلى جهة ثانية لشركائه وعملائه، أو في أحد الدواوين والمجالس مستخدما بمأمورية أو كتابة، فليس لديه وقت فراغ «فلا تراهم يكثرون من السهرات والشهوات النفسية».

ثم يعقد القاياتي مقارنة بين بيروت ودمشق، فيرى أن أهالي دمشق لا تضغط عليهم الأعمال بينما أهل بيروت في نشاط دائم لا يكل ولا يتوقف بشؤون التجارة والترانزيت، وذلك بفضل الميناء الذي ينمو باستمرار وتدخله البواخر والسفن المتنوعة في كل يوم ويضج بالحركة والنشاط، بينما أهل الشام وكبارهم أصحاب عقارات وأملاك يتعيشون منها بسهولة. ولأجل ذلك تراهم متفرغين لملاقاة الغرباء ومؤانسة الأصدقاء بصدور رحبة.

والفن الذي حققه أهل بيروت قد انعكس على عمران المدينة، فظهرت عمائرها الجديدة المبنية على الأساليب الحديثة، بجانب مبانيها القديمة داخل السور. أما البناء الجديد في خارجه فهو على طراز جديد وإتقان وتشييد موضوع في أعلاه القرميد وفي أطواقه الشبابيك في الحديد. وبناء بيروت كله من الحجر الجاف الصلب والمكلس المسمى في مصر بالجير، ويخلطونه بالرمل الأحمر بعد تصفيته بمصفاة من خشب معدة لذلك وتخمره أياما طوالا حتى يصير كالعجين.

وقد بني به الحجر حتى اختلطا وصارا قطعة واحدة ولا سيما بعد نزول أمطار شديدة عليهما في فصل الشتاء. وهنا يعرض القاياتي اهتمام أهل بيروت بمنازلهم وحرصهم على تزيينها بأعمدة الرخام وبالحدائق التي تمدهم بالخضار والفاكهة. وربما لا يحتاج غالب أهل بيروت، في رأيه، إلى كثير من الخضرة النازلة إلى الأسواق من ضواحي المدينة أو من جبل لبنان، لوجودها عندهم في الحدائق والأشجار المحيطة غالبا بتلك الدور.

في المقابل، يخص الشيخ القاياتي دمشق بوصف وفير، تحدث فيه عن تربتها الطيبة ومياه أنهارها الوفيرة، حيث ينصب الماء من سبعة «أبحر» منها بردى ونهر يزيد. وهنا تدهش القاياتي كل تلك المياه الغزيرة التي تدخل الدور وتتسلط على المرافق بخرير له صوت عال يؤرق الغريب ويطرد النوم من عينيه.

وأما عمارة مبانيها، فإنها بالطين والأخشاب، لا بالأحجار كباقي بلاد الشام إلا قليلا منها في المساجد والمدارس القديمة ومباني السلاطين والملوك والأمراء القدماء وبعض بيوت جديدة في هذا العصر أنشئت على الطراز المعتاد الآن في مثل بيروت وغيرها من البلاد التي تقدمت في العمارة في هذا الزمان، إلا انها مع كونها في الظاهر مبنية بالطين والأحشاب، فإنها مزينة بالباطن بالرخام الملون والنقوش الذهبية.

ويضرب القاياتي مثلا على حسن الصنعة وروعة البناء في دمشق، دارا أصلها من عمارة الشيخ المرادي مفتي الشام قديما، ثم انتقلت إلى ملك أولاد القوتلي. فضمن هذه الدار مفرد من الرخام وفي وسطه البركة الكبيرة الممتلئة بمياه ذات انسجام، ومن حولها الأشجار الناضرة والأزهار الزاهية «تتساقط على الأرض حمرا وصفرا كأنها الدنانير الحمراء والدراري. وفيها قاعة دخلنا إليها فوجدنا حوائطها مفصلة قطعة قطعة، فلوح من رخام ازرق ولوح من المرمر مكتوب بالذهب الأحمر عليها شعر يتضمن تاريخ البناء وجميل المديح والثناء».

وينتقل القاياتي بعد تعداد تجواله في الأماكن والمدن والبلدات والمناطق الشامية إلى الحديث عن الإدارة فيطري عليها في ولايات الشام ويرى أنها أقرب إلى مصلحة الأهلين، وأكثر جدوى من مصر، ثم يروح يتحدث عن العادات والتقاليد الاجتماعية التي لفتت انتباهه وخاصة في بيروت والشام، ولا سيما عادات أهل البلدين في الأفراح والمآتم وفي المآكل وبالنسبة إلى وضع المرأة.

وفي هذا الإطار يورد القاياتي تفاصيل جيدة، حيث يقسم النساء في الملبس ودرجة التحرر إلى ثلاثة أقسام: النساء المسلمات ثم النساء المسيحيات اللواتي ينقسمن بدورهن إلى قسمين «بدرجة تقليدهن للنساء الأوروبيات».

ويرى أن المسيحيات «يلبسن الفساتين الواسعة والصوف الإفرنجي والحرير الملون وعلى رؤوسهن الطرح الرقيقة أو المناديل فقط، وهن مكشوفات الوجوه ولا يرين بأسا من المرور بالأسواق والشوارع والحارات، ومحادثة الرجال الأجانب، وهن من النصارى اللواتي يقلدن الأوروبيات حق التقليد».

لكن هناك أيضا قسما هن كنساء أوروبا تماما في «إرخاء الذيول ولبس البرانيط على الرؤوس.. فمنذ رأيتهن لا تشك في أنهن من نساء الإفرنج.. مع أن الأب قد يكون من أهل الفلاحة وسكان الجبل ينزل المدينة ويتعاطى أسباب التجارة فيصير غنياً ويلتحق في أقرب وقت بالأخلاق الإفرنجية ويبني له بيتا على طراز بلاد الإفرنج ويمشي هو وامرأته في الطريق يده في يدها يتحادثان في مرأى ومسمع الناس».