كان جادا كل الجدية ساعة الجد. عنيفا كل العنف ساعة العنف..لكنه كان من أظرف ما يكون ساعة الظرف. وفي هذه الصفحات المنتزعة من ذكريات عباس محمود العقاد، وكانت أصلا على شكل نص كتبه في العام 1956 لمجلة «صوت الشرق» يتجلى ظرف صاحب «سارة» و«العبقريات» حتى من دون أن يخلو هذا الظرف من تلميحات ودلالات تضع الجد والهزل في سلة واحدة، والموقف العقلاني والمواقف المضحكة في السياق نفسه.

يقول العقاد في هذه الصفحات الطريفة من مذكراته إن ما دفعه إلى كتابتها أن العام 1956، كان عام حديث الطربوش، وحديث اللهجات العامية وحديث الحرية في الأمم العربية كلها ولكنني أود أن أرجع بالذاكرة، إلى زيارتي للبنان قبل ثلاثين سنة، الى العام 1926». فلماذا هذا العام؟ بكل بساطة لأنه العام الذي خلع فيه عباس محمود العقاد الطربوش للمرة الأولى مستبدلا إياه بالقبعة.

وكان ذلك بالتحديد خلال زيارته لبيروت في ذلك العام، غير انه لم يفعل ذلك. خروجا على بعض التقاليد أو إيثارا لتقاليد أخرى، حيث «بل فعلته ولا اختيار لي فيه ولا اختيار لأحد غير البحر وقوالب الطرابيش البيروتية في ذلك الحين» فما الذي حدث؟ لندع العقاد يروي لنا: «كنت في ذلك الحين ألبس البيريه في المنزل، أو لا ألبس شيئا على الرأس أيام الحر الشديد.

وقد صورني الأستاذ احمد صبري نابغة الرسوم المصرية قبل ست وعشرين سنة، وعلى رأسي البيريه وأنا في الملابس المنزلية. ولم تكن هذه تفارق رأسي أيام الشتاء لأنني عرضة للزكام والنزلات الحنجرية. ولهذا ألف عنقي بالكوفية في فصل الشتاء، حذراً من البرد لا ولعاً بالزي كما قد يخطر في بال من لا يعرف هذا السبب. وحين سافرت إلى لبنان على متن السفينة شامبليون أخذت معي طرابيشي في علبتها. وقضيت رحلة السفينة عاري الرأس أو لابسا البيريه الخفيفة أثناء المساء».

ولكن حدث أن سقطت علبة الطرابيش الخاصة بمكتبنا الكبير في ميناء بيروت من يد الحمال الذي كان يحاول أن ينقل في كل مرة من متاع المسافرين فوق ما يحتمل. ولما كانت العلبة تدحرجت حتى وصلت إلى الماء قضى العقاد وصحبه أكثر من نصف ساعة يطاردونها حتى تمكنوا من التقاطها بعد عناء. ولاحقا أرسل العقاد الطرابيش إلى الكواء «فعادت إليّ في قالب يناسب كل وجه إلا وجهي، المستطيل بطبيعته، لأنه كان قالبا مخروطيا كقمع السكر القديم.

وبلغ من مجافاته للقالب الأول ان علبة الطرابيش نفسها رفضت أن تشمل عليه فوجبت القبعة عندئذ بغير اختيار». ولقد تعرض العقاد من جراّء ذلك التبديل إلى انتقاد وجهه إليه، كما يقول متحذلق من خريجي المدارس الفرنسية «أراد أن يبدي لي ملاحظته في سهرة من سهرات المصطافين في بهو الفندق فقال لي متظارفا: انك بحمد الله غزير الشعر فلماذا تجلس حتى على المائدة بقبعة على رأسك؟ قلت:إنها ليست بقبعة.

فقال وهو ينظر إلى الجالسين في البهو: كيف، أليست هذه قبعة كأمثالها من القبعات؟ قلت:كلا..إنها قبعة بالشكل فقط.. أما في الموضوع فإنها طربوش يجري عليها حكم الطربوش في المجتمعات. وكان مدير الفندق يعرف القصة فحكاها لنزلائه، وهو يعتذر للبحر والميناء والحمّال، ثم للفتى خريج المدرسة الفرنسية. ولقد سرني بعد يومين أن كنت أهلا لانتقاد هذا الفتى بالذات. لأنني رأيته يقفز من الشرفة ليلوح بمنديله لفرقة فرنسية عابرة. لعلها كانت توقع ألحانها ابتهاجا بقتل إخوانه الثائرين».

وحول مفارقات اللغات المحكية يروي لنا العقاد في هذا النص الظريف كيف انه حين مر ببلدة بحمدون في الجبل اللبناني، لفت نظره مبنى لا يشبه المنازل ولا الفنادق ولا الثكنات، ولما سأل عابر طريق عنه قال له بكل بساطة «إنها الكرخانة» وحين دهش العقاد -إذ إن هذه الكلمة في مصر كانت تعني بيوت الدعارة- استطرد سائلا العابر «أيسمحون ببناء الكرخانات هكذا في وسط أحياء الاصطياف» فإذا بالآخر يقول له بلهجة عادية: «ان البنات يشتغلن فيها» ثم أضاف «وحريرها من أجود الحرير في هذه البلاد».

على ضوء هذا الاستطراد إذاً فهم العقاد أن كلمة كرخانة هنا تعني «المشغل» وإذ اطمأن إلى ذلك «دخلت إلى ذلك المشغل ووجدت البنات يشتغلن بانتقاء اللوزات وفرز الصالح منها وغير الصالح. فسألت رئيستهن «ما الفرق بين ما يحتجزنه للشغل وبين ما يقذفنه في سلال المهملات؟ ان اللوزات جميعا متشابهات!

ويظهر ان عادة الخطاب بالأمثال قديمة في لبنان وما جاوره، اذ لا يجيبك احد على سؤال تطرحه إلا ويحاول أن يكون جوابه أمثولة أو تشبيها. وهكذا قالت لي الرئيسة «هكذا البنات بنظرك كلهن بنات.. ولكن ألا تراك تعرف بنظرة واحدة أجمل الفتيات؟ قلت: كلا فرمقتني بنظرة ماكرة دون أن تحير جوابا ثم راحت تشرح لي خصائص العمل وتستخدم الأمثلة في ذلك».

وذات يوم جلس العقاد وصحبه في الطريق على قهوة منعزلة وسأل صاحبها: ما عندك غير القهوة والشاي؟ فقال صاحب القهوة «بوظة وارجيلة». «وجعلنا نتبادل النظرات وقد خيل إلينا أننا جلسنا في مكان غير مرغوب فيه. ثم أردنا أن نمتحن المكان قبل ان نحكم عليه وطلبنا البوظة فإذا هي الجيلاتي البريئة كأحسن ما يكون».

وفي مرة أخرى، يقول العقاد «وقفنا تحت سلم الفندق نزن أنفسنا فسمعنا صبيا يقول «قبنت حالي لقيتني نقصت مقدار اقتين» وكان ذلك بالقافات المفخمة التي لم نتعود في القاهرة أن نسمعها بهذه الكثرة إلا من فم الدكتور محجوب ثابت رحمه الله. ولكن جملة من هذه الجمل في لبنان، تضرب قافات الدكتور محجوب على عينها كما يقال».

ويستطرد العقاد راوياً حكاية ذات دلالة: وكان مما حسبناه إحدى المصادفات أن ضابطا ارمنيا يعرف العربية والفرنسية والتركية والانكليزية، نزل إلى جوار حجرتنا بعد وصولنا إلى الفندق وانكشفت «المصادفة» جدا حين أبدينا رغبتنا بالسفر إلى دمشق فإذا بالضابط الارمني تساوره هذه الرغبة نفسها على الأثر ويرحب بالفرصة التي تتيح له مرافقتنا على الطريق!

ثم انكشفت المصادفة مرة أخرى حين نزل في دمشق في الفندق نفسه الذي نزلنا فيه. ولكننا لن نتبرم بهذه المصادفات المكشوفة لحسن الحظ لأن صحبته سمحت لنا بالتجول في أحياء المدينة بعد الموعد المضروب للسماح بالتجوال. وجعلنا نمازحه قائلين «من المصادفة الغريبة انك ستخرج غدا الى سوق الحميدية قبل الضحى! فيجيب ضاحكا «بالتأكيد!».

ويضيف العقاد «وعلى ذكر سوق الحميدية والحرية العربية نقول إننا كنا نسمع باسم سعد زغلول في كل مكان كأنه زعيم الحركات الوطنية في بلاد العرب جميعها لا في وادي النيل وحده. ولقد رأينا في مدخل السوق أنسجة حريرية عليها صورة سعد على نحو الصور الصغيرة التي ترسم على طوابع البريد فقال صاحبي الطالب في كلية الطب «نعم هذه الطوابع للمواصلات حيث تفترق الحدود وتختلف الحكومات».

وكانت بيروت ودمشق يومئذ في يد فرنسا وكانت القدس ويافا في يد الانتداب البريطاني. وكانت الخرطوم والقاهرة في يد احتلال كذلك الانتداب. وكل من كان ينظر الى المغيب يومئذ فيلمح من ورائه مصير الحرية العربية في جميع هذه الشعوب».

ويختم العقاد هذه الذكريات قائلا «وبعد..إننا لا نودع هذه الذكريات وهذه الأحاديث عن الطربوش واللهجات العامية واشتراك العرب في الشعور الوطني قبل ان نسأل أنصار العامية وأعداء الفصحى كيف يكتبون بلغة الكلام لمصر ولبنان والشام؟ وكيف يشترك في الشعور أناس لا يشتركون في تراث الألسنة والعقول؟ وكيف تبقى الرؤوس بما فيها بعد أن زال عن الرؤوس ما عليها؟