«المنمنمة» اصطلاح أطلق على الرسوم التوضيحية التي رافقت بعض الكتب العربية والإسلامية، خاصة (مقامات الحريري) و(كليلة ودمنة) وغيرهما، ثم أصبح هذا اللون من الرسم والتصوير فناً قائماً بذاته، يمكن اعتباره نوعاً من (التصوير الإسلامي) الذي تابعه باجتهاد فنانون رواد في مراحل تاريخية مختلفة، وفي العديد من الدول العربية والإسلامية، خاصة بغداد العباسية، وإيران وآسيا الصغرى.

يرى «جورج عيسى» أنه على الرغم من كل ما قيل حول كراهية التصوير في الإسلام، أو تحريمه فقد اشتغل العرب في هذا الفن، فنما على أيديهم، بعد أن كانوا مقلدين فيه، إلى أن أصبح شاهداً حياً على مظهر من مظاهر الحضارة العربية، ومعبراً عن تفتح الشعور العربي، ومتميزاً بطابع خاص، منذ بداية القرن الثالث عشر، بما يمثله من مدرسة عربية خالصة.

مشيراً إلى أنه على الرغم من النكبات التي لحقت بالأمة العربية، وجرفت معها كثيراً من آثار عبقريتها في مجال الفنون، إلى جانب ما ضاع في مجال العلوم والآداب والمعارف الأخرى، فإنه ما زال لدينا الكثير من هذه الآثار التي رأى بعضها النور في مكتبات ومتاحف الشرق والغرب، وبعضها ما زال كنوزاً مخبوءة لم تصل إليها أيدي الباحثين العرب حتى الآن.

من هذه الكنوز (كما يرى جورج عيسى) والتي برع فيها العرب وأجادوا، فن التصوير والنقش والتزويق والترقين، وذلك بما خلقوه على الجدران والخشب والمعدن والزجاج والخزف والعاج والثياب، وخاصة ما زينت به المخطوطات من منمنمات بلغت حد الروعة فيما ينسب إلى مدرسة التصوير العربية في بلاد الشام والعراق.

وعلى وجه الخصوص رسوم الواسطي الذي هو أحد أهم الفنانين المصورين الذين عرفتهم الحضارة العربية، بل من أفضل فناني العرب قدرة على التعبير كمصور وملون ورسام منمنمات، ومصور لأحداث، اذ عرف كيف يقدم لنا بعض أحداث (مقامات الحريري) بأسلوب فني معبر، يمثل معجزة من معجزات الفن التشكيلي العربي، والذي تعد رسومه أكمل مثال لهذه المدرسة فقد أجاد، بل نجح في أن يرسم شخصية أبي زيد (بطل مقامات الحريري) بحيث تميزها العين من أول نظرة في كل لوحة.

ويطول الحديث هنا لو تحدثنا في خصائص هذه المدرسة العربية التي ولدت ككل الفنون الإسلامية والشرقية بشكل عام، الهدف أو وظيفة محددة، ثم تطورت وتصعدت قيمها التعبيرية والتشكيلية لتتماهى فيها القيمة الفنية الجمالية التعبيرية بالقيمة الاستعمالية.

فالمنمنمة العربية والإسلامية، ولدت كفن من فنون الكتاب، وبهدف تزيينه وتزويقه وتوضيح جوانب مما يحمل من مواضيع وأفكار، ثم تطورت لتتحول إلى فن رفيع قائم بذاته، اشتغل عليه عدد كبير من الفنانين الرواد منهم (يحيى بن محمود بن يحيى الواسطي) الذي اشتهر وعرف كواحد من مصوري «مقامات الحريري» التي تم انجازها عام 1237 ميلادي، ورسوم الواسطي هذه، عكست بالرسم واللون والخط والإشارة، ملامح عصر بكامله.

ثم جاء «بهزاد» الذي ولد حوالي عام 1440 ميلادي وتوفي بعد عام 1514، وكان أسلوبه الفني أكثر حدة ودرامية من أسلوب الكثيرين من رسامي عصره كما كان أكثر اهتماماً بالأفراد وشخصياتهم وبمشاكل الحياة اليومية بعد (بهزاد) جاء (محمد خان شيباني) و(ميراك)، و(ميرزا علي) و(مير سيد علي) و(مظفر علي) وغيرهم.

استمر فن المنمنمات الإسلامية بالتطور والانتشار حتى يومنا هذا، حيث لا يزال يشتغل عليه مجموعة كبيرة من الرسامين في الدول العربية والإسلامية ومنهم (محمد راسم الجزائري) الذي حافظ على خصائص ومقومات المنمنمة الإسلامية، بعد أن منحها روحاً معاصرة وفي ايران عدد كبير من الفنانين المعاصرين يشتغلون اليوم على هذا الفن الذي تأثر به عدد كبير من مشاهير الفنانين العالميين ومنهم الفنان الفرنسي «أوجين ديلاكروا» الذي عمد إلى نسخ بعض المنمنمات الإسلامية من شدة إعجابه بها.

والملاحظ وجود قواسم مشتركة كثيرة بين هذا الفن والفن الشعبي، وكذلك بينه وبين (الأيقونة) وهي اللوحة المكرسة لموضوعات دينية مسيحية مستوحاة أو مأخوذة في غالبيتها من الكتاب المقدس، ثم تكرست فيما بعد للسيدة العذراء، والسيد المسيح، والقديسين.

لقد وصل الفنان العربي والمسلم في فن (المنمنمات) إلى تحقيق لوحة فنية متفردة موضوعاً وشكلاً ومعالجة، وصلت حد الإعجاز والدهشة، لكثرة ما فيها من حشود وعناصر، مرسومة بدقة شديدة، وبألوان زاهية، وحركات مختلفة، عميقة التعبير عن موضوعاتها المأخوذة من الواقع تارة، ومن الحكايا والأساطير الشعبية تارة أخرى.

محمود شاهين