مع الإعلان عن استنساخ «النعجة دوللي» قبل نحو سنوات سبع سارع علماء الدين في مصر وغيرها من الدول العربية والإسلامية إلى إدانة هذه التجارب وحذروا من استنساخ الإنسان لخطورة هذا العمل لأنه يهدد حياة المجتمعات، وقد يقلبها رأسا على عقب فضلا عن تعارض هذا الاستنساخ مع أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية.

وأكد العلماء أن استخدام تقنيات الاستنساخ في مجال الإنتاج الحيواني والنباتي لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء الذي يحتاجه الإنسان وكذلك استخدامها في توفير أعضاء بشرية ـ كقطع غيار للاستغناء عن النقل من إنسان إلى إنسان سواء ميتا أو حيا ـ مباح شرعا.

وكان مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر قد أصدر بياناً غداة إعلان الطائفة الرائيلية في كندا عن ولادة أول طفلة مستنسخة وإعلان العالمة الفرنسية والعضو في طائفة الرائيليين بريجيت بواسولييه ولادة طفلة سميت حواء بتقنية الاستنساخ، وذلك قبل نحو عامين أكد فيه أن استنساخ البشر محرم قطعيا ويجب التصدي له ومنعه بكل الوسائل وذلك قبل نحو عامين.

وأوضح البيان أن الاستنساخ يعرض الإنسان الذي كرمه الله لأن يكون مجالاً للعبث والتجربة وايجاد أشكال مشوهة وممسوخة، مشيراً إلى أن الإسلام لا يعارض العلم النافع بل يشجعه ويحث عليه ويكرم أهله، أما العلم الضار الذي لا نفع فيه أو الذي يغلب ضرره على نفعه فإن الإسلام يحرمه ليحمي البشر من أضراره.

من ناحية أخرى أكدت فتوى للشيخ يوسف القرضاوي أن تقنية الاستنساخ تتناقض مع اختلاف الكون لأن الله خلق الكون انطلاقا من اختلافه بينما يقوم الاستنساخ على إعادة نسخة من خصوصيات الجسد، مشيرة إلى أن الاستنساخ يناقض النموذج الكوني المرتكز على كافة مخلوقات الله التي تأتي من أزواج بينما يرتكز الاستنساخ على جنس واحد بالإضافة إلى أن الطفل المولود بتقنية الاستنساخ لا يكون ثمرة تزاوج جيني بين الأب والأم بل إعادة مطابقة للأصل لأحد والديه.

وقال الشيخ القرضاوي في فتواه إن استنساخ أجزاء معينة من جسد الإنسان مثل القلب والرئتين لمعالجة الأمراض مسموح به ومطلوب لأن الإسلام يشجع التقدم في كافة مجالات العلم طالما يتطابق مع المبادئ الدينية مؤكدا جواز استنساخ الحيوان إذا أتى بمنفعة كبيرة للبشر ولكن يجب ألا ينطوى على انتهاكات أو تعذيب للحيوان.

من جانبه أكد الدكتور صبري عبدالرؤوف أستاذ الفقه المقارن بكلية طب الأسنان جامعة الازهر أن الاستنساخ الذي يتعلق بأي شيء بعيدا عن الإنسان وأعضائه لا نتعارض معه، إما استنساخ الإنسان فهو لون من ألوان العبث والفوضى لأن هذا يتعارض مع أحكام الإسلام ولذلك يقول الله سبحانه وتعالي:

«وهو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء«، فكيف يتم استنساخ الإنسان بعيدا عن الرحم، كما أن القرآن الكريم تحدث في آيات كثيرة عن خلق الإنسان وتكوينه فمن هذه الآيات ما جاء في قول الله «أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين«، وقال تعالى: «أيحسب الإنسان أن يترك سدى ألم يكن نطفة من مني يمني ثم كان علقة فخلق فسوى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى»، ويقول تعالى أيضا: «فلينظر الإنسان مما خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب».

* الأعضاء البشرية

ويوضح أن كل هذه الآيات وما ماثلها من آيات القرآن الكريم تؤكد أن قضية الاستنساخ المزعومة قضية باطلة ولا أساس لها من الصحة، مشيراً إلى أنه كان من الأفضل لهؤلاء العلماء العاملين في هذا المجال أن يستنسخوا بعض الأعضاء البشرية التالفة عند بعض الناس كالكبد والكلي وبعض الأجزاء البشرية للإنسان لكنهم في الحقيقة يعجزون عن خلق ذبابة فكيف يستطيعون تخليق النطف البشرية التي ركبها الله من عناصر معينة تعجز البشرية أن تحققها وكما يقول الله: «فتبارك الله أحسن الخالقين.

* خمس صور

ويشير الدكتور محمد رأفت عثمان العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون جامعة الأزهر إلى أن الذي حدث في استنساخ النعجة دوللي هو أنه أخذت بويضة نعجة ونزعت منها النواة ثم وضعت في بويضة النعجة الأولى بدلا من النواة التي نزعت منها ثم سلط تيار كهربائي في المعمل على البويضة والنواة الجديدة فالتحما، ثم بدأت تنقسم إلى خليتين ثم أربع ثم ثماني.

وكانت المفاجأة أنه تبين أن هذه بداية تكوين جنين فأخذت هذه البويضة ـ النواة المنقسمة إلى عدة خلايا ـ ووضعت في رحم نعجة ثالثة واستمر الحمل وولدت النعجة دوللي، موضحا أن الاستنساخ ليس فيه حيوان منوي يخصب بويضة أنثى، وإنما يستعان فيه بنواة من خلية لتوضع في بويضة نزعت نواتها.

ويؤكد وجود خمس صور للاستنساخ، الأولى: أن تكون النواة مستجلبة من خلية أنثى أخرى أي يكون هذا العمل بين انثيين كما حدث في مجال الحيوان بالنسبة للنعجة دوللي.

الثانية: أن تكون النواة من الأنثى نفسها، أي أنه يمكن أن يحدث استنساخ من نواة من خلية من المرأة ذاتها.

الثالثة: أن تكون النواة مستجلبة من خلية ذكر حيوان ـ غير إنسان ـ وهذا العمل تجرى عليه التجارب في الغرب الآن.

الرابعة: أن تكون النواة من ذكر، أي من رجل ليس زوجا للمرأة.

الخامسة: أن تكون النواة مستجلبة من رجل هو زوج للمرأة.

ويوضح الدكتور عثمان أن الحكم الشرعي يختلف من حالة إلى أخرى، فحكم الصورة الأولى وهى ما إذا كانت النواة مستجلبة من أنثي لأنثى حرام شرعا لأن الشريعة الإسلامية تحرم الاستمتاع الجنسي بين أفراد النوع الواحد، وعلى هذا يكون الانجاب محرما لأنه إذا كان الإسلام يحرم مجرد استمتاع الأنثى بالأنثى جنسيا، وهو ما يسمى بالسحاق، فإنه يكون من باب أولى محرما للانجاب بين الأنثى والأنثى.

بالإضافة إلى أن الإسلام حرم الضرر سواء كان بالنفس أو بالغير وفي عملية الاستنساخ بين امرأة وامرأة سينتج مولودة أنثى لن يكون لها أب أو جد أو عم فتنشأ الطفلة باحساس أنها ليست كسائر بنات جنسها، وهذا يؤدي إلى الألم النفسي والألم النفسي نوع من الأضرار الممنوعة شرعا وهذا الحكم ينطبق على الصورة الثانية وهى الاستنساخ بخلية من المرأة نفسها.

ويضيف أما الصورة الثالثة وهى الاستنساخ بين الحيوان والإنسان فهذا عبث وقد نتج عنه مولود لا يكون على الفطرة السوية الإنسانية وهذا تشويه لخلق الله، وأما الصورة الرابعة وهى إذا تم الاستنساخ بين امرأة وخلية رجل ليس زوجها فهذا حرام لأنه في معنى الزنا ويؤدي إلى اختلاط الأنساب وأما الصورة الخامسة وهى ما إذا كان الاستنساخ من نواة أخذت من الزوج ووضعت في بويضة الزوجة فمن المحتمل أن يكون هذا مشروعا في حالة الضرورة.

ويخلص الدكتور عثمان إلى القول إنه إذا كان الاستنساخ تم بين زوجين و تثبت به للمولود كل الحقوق المشروعة للولد من الميراث وثبوت النسب وكافة الحقوق المشروعة للأولاد فهذا جائز أما إذاكان الاستنساخ قد تم بين أنثى وأنثى أو كانت النواة من الأنثى نفسها أو كان بين أنثى ورجل ليس زوجا لها فكل هذه الصور محرمة، مؤكدا أن التجارب التي تجرى الآن في الغرب لاستنساخ اعضاء بشرية تؤخذ من جنين إنساني إذا وصل إلى مرحلة معينة من النمو لتزرع في إنسان آخر حرام لأن استعمال الأجنة في أخذ أعضائها وزرعها للمرضى جناية على هذه الأجنة.

* تقليد ومحاكاة

ويشير الدكتور حسن الشافعي أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة أن وصول الاستنساخ إلى الدائرة البشرية أي محاولة استحداث نسخ من البشر يمثل خطرا حقيقيا على المجتمع الانساني ويهدد أمنه واستقراره.

وقال نحن لسنا ضد حرية البحث العلمي ولا يمكننا تقييده أو منعه لكننا نناشد العلماء أن يهتموا بالضمير العلمي وبالقيم الإنسانية أثناء ممارساتهم حرية البحث واضاف إذا كان الاستنساخ في نطاق الحيوانات والنبات فليس في ذلك خطورة إلا في ناحية واحدة عندما يتصور بعض الناس ـ وهم مخطئون بالطبع ـ أن في ذلك منازعة لله في الخلق، مشيراً إلى أن ذلك غير صحيح لأن الخلق الإلهي إبداع مطلق وإخراج من العدم إلى الوجود، أي لا يحتاج إلى مادة سابقة ولا يحتاج إلى وقت أو زمن.

يقول ـ سبحانه وتعالي:

«إنما أمرنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون»، والخلق الإلهي لا يحتاج إلى آلات أو أدوات فالإرادة الإلهية بالقدرة المطلقة توجب ما تشاء أما الذي يحدث في الاستنساخ فلا يعدو كون العالم يقوم ـ طبقا لطريقة فنية معينة لا نعلمها ولا نحيط بكل جوانبها ـ باقتراض بويضة من أثني حيوان من الحيوانات الثديية ثم خلية حية من مصدر آخر وتفرغ البويضة من نواتها ويضع فيها نواة الخلية الحية ويستودع الخلية المعبأة أحد الأرحام ـ أي حيوان ثالث ـ فتنمو هذه الخلية ويولد حيوان مطابق تماما للأصل الذي أخدت منه الخلية.

ويوضح الدكتور الشافعي أن الكائن الحي الذي نحصل عليه في تلك الحالة له أم وله أصل وإن لم يكن له أب فالعالم يقترض الخلية أو البويضة ويستغرق زمنا ويستأجر رحما وبالتالي فليس في الأمر منازعة للخلق الإلهي مؤكدا أن الاستنساخ نوع من التقليد للخلق الإلهي وهو مجرد محاكاة محدودة وأن الطريقة العادية في التوالد هى الغالبة.

وقد ضرب الله ـ تعالى ـ المثل في كتابه الكريم «إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه الله من تراب ثم قال له كن فيكون{، فإذا كان الخلق الإلهي في الطريقة الغالبة يتوقف على وجود مصدرين الأب والأم فإنه في هاتين الحالتين تم خلق آدم دون أب وأم وخلق عيسى دون أب.

وأشار إلى أن الاستنساخ من الناحية العقائدية لا يمثل مشكلة ولا خطر منه لكنه من ناحية أخرى يؤدي إلى اختلال النظام الكوني لأن الكون له نظام ويسير وفق خطة لا نعرفها. يقول تعالي «وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم{، موضحا أن هناك نظاما للموت أو الحياة والهدم والبناء لا نعرفه.

وخلص الدكتور الشافعي إلى القول «نحن نخشي إذا تركنا أمر الاستنساخ للعلماء يفعلون فيه ما يشاءون أن يتسبب ذلك في إحداث خلل في النظام الكوني هذا في حالة بقاء الاستنساخ في إطار الحيوانات والنباتات أما إذا انتقل الى الإنسان فسوف يتسبب ذلك في إحداث خلل واضطراب في النواحي الأخلاقية والاجتماعية، ودعا العلماء إلى الاستمرار في بحوثهم في مجال الاستنساخ لكن بعيدا عن البشر».

القاهرة ـ ضياء الدين أحمد