هل من الممكن أن تلتقي الحضارتان الإسلامية والغربية في العصر الحاضر ويكون بينهما تعاون بدلا من الصراع وتسامح بدلا من العداء ؟ وإذا كان بعض المفكرين الغربيين يطرحون فكرة الصدام بين الحضارات ويرون أن الحضارة الغربية يجب أن تسود العالم وتقضي على الحضارات الأخرى فإن هناك من يرون انه من الممكن أن تتعاون الحضارات ويعيش اتباعها في تسامح وتستفيد كل حضارة من الحضارات الأخرى.
وعلى الرغم من عقد مؤتمرات للحوار بين الأديان والثقافات والحضارات ورغم التقارب الظاهري والدعوات المستمرة للتسامح ونبذ العداء وتجاوز سلبيات الماضي إلا أن العداء لا يزال يحكم نظرة الغرب للإسلام ويهيمن على تعاملاته مع المسلمين فالولايات المتحدة وأوروبا أعلنت أن الإسلام هو عدوها الأول وأخذت تحذر شعوبها من الزحف الأخضر والخطر الإسلامي القادم ومنذ انهيار الاتحاد السوفييتي والإعلام الغربي يصور المسلمين على أنهم إرهابيون ومتطرفون والجيوش الأميركية والأوروبية تهاجم العديد من الدول الإسلامية وتقتل أبناءها ونساءها وشيوخها وتحاصر شعوبها من أجل تجويعها وإبادتها.
تخلص الدكتورة نعمات إلى القول إن الغرب هو الذي اختار طريق العداء ورفض كل محاولات التقارب والتفاهم ولا يزال يمارس عدوانه على الدول الإسلامية ويتوعد الدول العربية والإسلامية دون مبرر مؤكدة أن المسلمين لا يريدون صراعا أو حربا وإنما يريدون تفاهما يقوم على الاحترام والتقدير المتبادلين وتطوير العلاقات للوصول إلى لحظة تتضح فيها الحقائق وينتفي فيها العداء والصراع.
* مستعدون للتفاهم
ويرى الدكتور أبو اليزيد العجمي أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية دار العلوم جامعة القاهرة أن عداء الغرب وكراهيته للإسلام قديم جدا فالغربيون لا ينسون أبدا أن المسلمين فتحوا بلادهم وفتحوا القسطنطينية ولا ينسون أن الحضارة الأوروبية قامت على أكتاف الحضارة الإسلامية مشيرا إلى أنه منذ بدء الدراسات الاستشراقية وهناك خوف على الأوروبي من الإسلام فالغربيون يخافون من ضياع هيبة الكنيسة ومكانتها لذلك يلجأون إلى تشويه صورة الإسلام.
ويضيف أن الغرب يعرف تمام المعرفة أن المقاومة الإسلامية في الحروب الصليبية وفي الهند إنما كان منبعها الأساسي الإسلام لأن هذا الدين يجعل المسلمين يلتفون حول راية واحدة وحتى لا يحدث هذا التوحد وتلك المقاومة في العصر الحاضر يعمل الغربيون على إشعال الفتن بين المسلمين خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي ويشير إلى أن الغرب يعمل على تتبع التوجهات والحركات والتيارات الإسلامية والقضاء عليها لأنها هي التي تتزعم الكفاح ضد الصهاينة وضد الاحتلال وتقف سدا منيعا ضد تيارات الغزو الفكري والتغريب.
ويؤكد الدكتور العجمي ان العداء الغربي للإسلام يتطلب ان يدرك المسلمون أنه لا علاج لمشكلاتهم إلا في الإسلام وأن مواجهة هذا العداء يحتم عليهم أن يتوحدوا ويلتفوا حول مشروع إسلامي يرفض التدخل الأميركي والصهيوني وتتبناه جميع الدول الإسلامية وأن يبدأ الإصلاح من الفرد ثم الأسرة ثم المجتمع فالأمة، ويمكن أن تكون البداية في إقامة سوق اقتصادية مشتركة أو صناعات مشتركة أو تعليم إسلامي مشترك وهذا يحتاج إلى خطة متكاملة وعمل على مستوى العالم الإسلامي يستمر زمنا طويلا.
ويخلص إلى القول إن المسلمين على استعداد للتفاهم والتعاون مع الغرب ونبذ الصراع وتجاوز الماضي وكل ما ارتكبه الغرب في حقهم من جرائم لكن المشكلة أن الغرب لا تزال تتحكم فيه عقد الماضي بل يلجأ إلى رفع شعارات تاريخية عند الضرورة مثل مقولة : ها نحن قد عدنا يا صلاح الدين ومقولة بوش انه يخوض حربا صليبية جديدة وغير ذلك من الشعارات والمقولات التي تؤكد عمق العداء الغربي للإسلام والمسلمين.
* مخططات
ويؤكد الدكتور مصطفى الشكعة عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ان الغرب هو الذي أعلن العداء للإسلام والمسلمين منذ سنوات طويلة على لسان رؤساء وسياسيين كبار مثل نيكسون وكلينتون وبوش الأب والابن وجون ميجور ومارجريت تاتشر وكيسنجر وبرلسكوني وغيرهم مشيرا إلى أن الولايات المتحدة الأميركية أعلنت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي أن الإسلام هو العدو الأول لها في حين لم يقل احد من المسلمين ان الغرب هو العدو الأول لنا.
ويضيف قائلا ولا تختلف أوروبا في ذلك عن الولايات المتحدة فالعداء الأوروبي للإسلام والمسلمين مستمر منذ زمن الحروب الصليبية وحتى الآن لذلك لم يكن غريبا أن يهاجم بيرلسكوني، رئيس وزراء إيطاليا، الإسلام أو أن يتهم الحضارة الإسلامية والدول الإسلامية بما ليس فيها وكذلك وزير الداخلية الألماني والعديد من المسؤولين الأميركان.
ويرى الدكتور الشكعة أن العالم الإسلامي مستهدف وهناك مخططات وضعها الغرب والصهيونية العالمية لتدمير الإسلام والمسلمين وهذا أمر نلاحظه في محاولة فرض نظام اجتماعي على العالم الإسلامي يتناقض مع فكره وعقيدته من خلال العولمة ومن خلال المؤتمرات الدولية مثل مؤتمر السكان ومؤتمر المرأة كما يعمل على نشر الإباحية والشذوذ وتكوين الأسرة بدون زواج ووضع قوانين تحمي الفتاة إذا حملت سفاحا وإجهاض الحرائر اللاتي يحملن بطريقة شرعية.
ويشير إلى أن الغربيين يعرفون أن نظامنا الاجتماعي يحافظ على العفة وهم يريدون للعالم أن يعيش بدون عفة بحيث تتحرر المرأة من القيم الدينية وتقاليد المجتمعات الإسلامية مؤكدا أنه في ظل الأوضاع الحالية لا مجال للتسامح والتعاون بين الإسلام والغرب أو بين الحضارتين الإسلامية والغربية لأن العداء هو المتحكم والمهيمن مشيرا إلى أن المسلمين على استعداد لفتح صفحة جديدة مع الغرب لكن الغرب لا يرغب في التخلي عن عدائه ورغبته في التوسع والهيمنة والسيطرة.
القاهرة ـ ضياء الدين أحمد
