حكايات وارفة تقدمت إلينا لترسم صورة المكان وتاريخه قبل أن نتوجه إلى قرية «النحوة» إحدى قرى إمارة الشارقة بالغة الجمال. فقد بادرتنا أثناء البحث أسماء مثل كهف «الدابة» و«صخرة الزواج» التي ميزت المكان عن سواه من قرى الجبال الساحرة.

خرجنا من منطقة الذيد في الشارقة نحو إمارة الفجيرة عبر طريق سوق الجمعة السياحي الذي تلون بإشراقة خيوط السجاد المحلي والمستورد وانتشار أنواع الفواكه والخضر ليتوسع هذا السوق من دكاكين صغيرة لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة إلى محلات ومشاتل كبيرة تمتد على جانبي الطريق المؤدي إلى دبا والفجيرة.

تركنا السوق وراءنا عابرين إمارة الفجيرة نحو طريق خورفكان مروراً بقرى عديدة استقرت بين الجبال. حتى وصلنا قرب قرية مربع في إمارة الفجيرة على الطريق العام ليستقبلنا والي النحوة خلفان عبدالله خلفان النقبي وأحد أبنائه لنترك سيارتنا المتعبة وننطلق معهم إلى النحوة مروراً بقرية «مدحة» العمانية وقد كانت الطرق الجبلية تتعرج بنا حسب امتدادها، بينما يشير الوالي إلى أن الطريق الحديث لم يكن موجوداً في الماضي ولولا اهتمام صاحب السمو الشيخ سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة بالقرى النائية والحرص على إيصال الخدمات إليها لكان الوصول إلى النحوة صعباً جد��ً.

* مساكن حديثة

وصلنا القرية ليدهشنا منظر المساكن الحديثة التي أعطت المكان شكلاً جديداً مزج بين العمران الحديث والطبيعة الجبلية التي تكاد تكون بكراً، وقد توفرت فيها وسائل الحياة الحديثة، فدخلنا مجلس الوالي لنجد الضيافة العربية قد أعدت في وقت مبكر، وهكذا بدأ الحديث عن حياة الناس في الماضي، حيث قال الوالي خلفان عبدالله خلفان النقبي..

في الماضي كانت الحياة محدودة جداً ولم نكن نعرف سوى الزراعة والتنقل على الجمال والحمير بين الجبال نحو الشارقة ودبي، وكان طعامنا يقتصر على التمر والخبز والقهوة وقليل من العيش، ولا نعرف أي شيء عن الحياة الحديثة التي نجدها اليوم، وكنا نزرع الذرة والفندال والحب والشعير، وكان النخل موجوداً منذ عهود آبائنا وأجدادنا، وفي مواسم الثمر كنا «نطرش» إلى أسواق الشارقة ودبي لنبيع الفندال والبصل ونحصل على ريالين أو أكثر فنشتري القهوة والملح والحب والسح والبزار.

* طلب العلم

وحول القرية واسمها يقول النقبي سميت المنطقة النحوة لأن أهلها كانوا يطلبون العلم ويعرفون القراءة والكتابة، وكانوا يكتبون الرسائل للمسافرين إلى قطر أو البحرين للعمل، وكانت بيوت المنطقة في الشتاء، خيام مبنية من الدعون والحصا والعسبج، وفي القيظ عرشان من سعف النخيل، وقد بنيت المساكن الشعبية للناس الذين يبلغ عددهم مئتين وخمسين شخصاً، وكانت المنطقة تشكل مقيظاً حيث يأتيها الناس من دبي والشارقة وأبوظبي يقيضون فيها، ونبني لهم خيام العريش ويسكنون معنا.

ويضيف «كانت القرية تعيش حياة الاستقرار ولها عاداتها وتقاليدها الثابتة، ومن تلك العادات وجود «صخرة الزواج» وهي صخرة ثقيلة يجب أن يحملها الرجل المقبل على الزواج ليثبت قوته وقدرته على التحمل، فإذا لم يستطع حملها لا يتزوج ولا تزال تلك الصخرة موجودة حملناها نحن ويحملها أبناؤنا حين يرغبون بالزواج، وكذلك توجد شجرة «الزام» وهي شجرة قديمة جداً عمرها أكثر من أربعمئة عام كانت بمثابة «الديوانية أو السبلة لهم يتجمع الأهالي عندها ويتسامرون ويتبادلون الأخبار والأحاديث ويشربون القهوة».

* كهف الدابة

ويتحدث عن الحكايات و«الخراريف» المرتبطة بالمكان قائلاً يوجب في القرية عند الطريق إلى شيعى كهف يدعى «كهف الدابة» وقد سمي كذلك نسبة إلى حكاية قديمة تداولها الناس تروى إن دابة سكنت هذا الكهف وقد وصفها بعضهم بأنها مثل طائر له سبعة رؤوس وكانت تأكل رؤوس الناس حين يمرون في الوادي قرب الكهف.

ففكرت إحدى النساء ويقال ان رجلاً قام بالعمل بإيجاد حل لهذه الدابة فحملت قدراً وصنعت فيه زيتاً ساخناً وماءً يغلي ومشت قرب الكهف فلما انقضت الدابة على رأسها احترقت بالماء والزيت وماتت وتخلص الناس منها، وهذه الحكاية يرويها الناس بأكثر من طريقة، كما يوجد في النحوة مكان يدعى شعبه «الخرس» وهو مجرى ماء وتحته صخرة تشبه الخرس.

وتوجد قلعة كان الناس يحتمون بها وهي قديمة جداً، أما أسماء جبال القرية ووديانها فهي «حار العلية» وهو جبل يحتمي به الناس في الحروب، ووادي المقاطيع ووادي شعيبة ووادي شعبة سحار، ووادي قلواني وشعبه الخيام، وشعبه سعدون وشعبة الورعة وشعبة المداخنة وشعبة الينز وجبل الدحرة وشعبة السح».

* الإفطار على الحساب

ويتحول الحديث نحو الشهر الفضيل فيقول النقبي «كنا نصوم على الهلال ونفطر على الحساب. وكان هناك مسجد طين وفيه مطوع يصلي بالناس وقد عرفت خلال عمري خمسة مطاوعة ترددوا على المسجد، وكنا ندعوا في ليلة القدر بالعمل الصالح والمغفرة ونقضي ليالي رمضان بالعبادة ونفطر رباعة في المسجد ونتسحر في بيوتنا على صيام الديك وإذا رأى الناس هلال العيد نقعوا «تفك» وتحنت النساء وتبخرت البيوت، وصلوا صلاة العيد ورزف الرجال وتبادلوا التهاني.

وكان السلاح في ذلك الوقت موجوداً، ففي الماضي كان عندنا الميازر ثم جاءت البندقية الأتوماتيكية وقد كان البارود يباع في أسواق دبي والشارقة والعين والبريمي والآن نسينا السلاح وتركناه فبلادنا أمان ولم نعد بحاجة إليه.

وحول المرأة وعملها في الماضي يقول «كانت المرأة تقوم بأعمال عديدة فهي تسرح بالحلال» وتحطب وتحلب وتجلب الحشيش وتروي الماء وتخبز على «طوباي» وتطبخ وتخيط ثيابها وتصنع التلي لها وكانت تلبس كندورة وصماد وبرقعاً وصباحتها لا تتجاوز الثلاثين روبية وكان الناس أهل وأقارب يسهلون أمور الزواج للشباب ولا يرفعون المهور وإذا تزوج أحدهم تتحاشد الرجال وتأتي العرضة من شيعي ومن حجر بن حميد والغونة ومدحه ينشدون ويرزفون ويستقبلهم أهل النحوة قائلين.

استطلاع: دلال جويد