في رحاب شهر «رمضان» الكريم يفيض علينا الله برحمته وينير لنا الطريق إلى التوبة والعودة إلى طاعته، فالعبد المؤمن إذا عصى ربه ضاقت عليه الدنيا بما رحبت.. وضاقت عليه نفسه، لكنه سرعان ما يجد شعاعا من فيض رحمة الله عليه بإشراقه «شمس رمضان» شهر التوبة والرحمة ويبرز كتاب «رمضان وأسباب المغفرة» لمؤلفه ثمرات الصيام.
ومن أوائل هذه الثمار أن الصيام كفارة للذنوب والخطايا قال صلى الله عليه وسلم «فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
كما أن الصيام أيضا شعار الأبرار وأقرب طريق إلى تقوى الله.. وهو وقاية من عذاب الله، ويقف الكتاب عند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشرة أمثالها، إلى سبعمئة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصوم، فإنه لي وأنا أجزي به، يدع شهوته وطعامه من أجلي وللصائم فرحتان، فرحة عند فطره وفرحة عن لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك.
ويتساءل المؤلف: إن كان الصوم لله فلمن الصلاة والزكاة والحج وسائر الأعمال، أليست لله جل وعلا إذن فما معنى قوله (فإنه لي) ـ جل وعلا ـ والجواب عن ذلك: أن الصيام في رمضان لا يتطرق الرياء إليه أبدا كما قال الإمام أحمد، لا رياء في الصوم.. فكل عبادة قد يدخلها الرياء.. إلا الصيام، أما قوله وأنا أجزي به، فإنه جل وعلا لم يحدد الجزاء على الصيام وذلك لأن الصيام من الصبر ولقد قال تعالى:
«إنما يوفى الصابرون أجورهم بغير حساب) (الزمر) والجزاء ينقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول: إن كان الجزاء من الأشياء التي تتشابه أسماؤها مع بعض أنواع النعيم في الجنة فإن الله يذكرها صراحة، فعلى سبيل المثال: الدنيا فيها فاكهة ونخل ورمان وكذلك الجنة «فيها فاكهة ونخل ورمان» (الرحمن) وشتان ما بين فاكهة الدنيا وفاكهة الجنة ولكن لما تشابهت الأسماء ذكرها الله باسمها، القسم الثاني:
إذا كان الجزاء لا يقع تحت سمع وبصر الناس لكنهم يستطيعون أن يطلقوا العنان لعقولهم لتتخيل هذا النعيم فإن الله جل وعلا يضرب المثل بهذا النوع، قال تعالى «مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى، ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في النار وسقوا ماءً حميماً فقطع أمعاءهم». (محمد:15).
فالناس لا يرون أنهار اللبن أو العسل أو الخمر أو الماء غير الآسن ولكن قد يتخيلون هذا المشهد المهيب - على قدر عقولهم وملكاتهم المحدودة - وإن كانوا لا يستطيعون أن يدركوا حقيقة هذا الشئ.
القسم الثالث: إذا كان الجزاء لا يقع تحت سمع وبصر الناس ولا يستطيعون أن يتخيلوا هذا الجزاء لأنه أعظم من أن تدركه عقولهم، فهذا النوع من الجزاء يسكت الشارع عن ذكره لأن العقول قاصرة عن إدراكه، فعلى سبيل المثال: عندما ذكر الله ـ عز وجل ـ شيئا من نعيم أهل الجنة قال: «متكئين على فرش بطائنها من استبرق وجنى الجنتين دان» (الرحمن: 54) أي مضطجعين في جنان الخلد على فرش وثيرة بطائنها من ديباج وهو الحرير السميك المزين بالذهب..
وإذا كانت البطانة بهذا الوصف فما بالك بالظهارة، قال بن مسعود: هذه البطائن فكيف لو رأيتم الظواهر، فلما كانت بطانة الفرش التي يجلس عليها أهل الجنة من أرقى أنواع الحرير ولن يستطيع عقل بشر أن يتخيل الظهارة لم يذكرها الحق جل وعلا ولذلك كان أجر الصيام من هذا النوع فلم يذكر الله جل وعلا ثوابه لأن عقول البشر لن تستطيع أن تدركه فقال تعالى (وأنا أجزي به) وحسبك أن تعلم أن الذي يجزي به هو الله.
وحول شفاعة القرآن وأن شهر رمضان هو شهر القرآن فينبغي أن نكثر فيه من تلاوة القرآن يروي الكتاب: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على قراءة القرآن.. وقال الزهري: إذا دخل رمضان فإنما هو قراءة القرآن وإطعام الطعام وستجني الثمار في جنة الرحمن يوم أن يشفع لك القرآن يوم القيامة.
قال صلى الله عليه وسلم: يجيئ القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حلة، فيلبس تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده فيلبس حلة الكرامة ثم يقول: يا رب أرضي عني فيرضى الله عنه فيقول اقرأ وارق ويزداد بكل آية حسنا.
وعن رائحة أفواه الصائمين يشير الكتاب إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك»، قال مكحول: «يروح أهل الجنة برائحة فيقولون: ربنا ما وجدنا ريحا منذ دخلنا أطيب من هذه الريح، فيقال هذه رائحة أفواه الصائمين، بما فيهم النتن في الدنيا، لتغير نتن أفواههم فيطيب طيب الجنة من رائحة أفواههم، فكل شيء ناقص في عرف الناس في الدنيا، إذا انتسب إلى طاعة الله ورضاه فهو الكامل في الحقيقة.
فخلوف أفواه الصائمين لهو أطيب من ريح المسك، وعري المحرمين لزيارة بيته أجمل من لباس الحلل ونوح المذنبين على أنفسهم من خشيته أفضل من تسبيح المدللين، وانكسار المخبتين لعظمته هو الجبر وذل الخائفين من سطوته هو العز، تهتك المحبين في محبته أحسن من الستر بذل النفوس للقتل في سبيله هو الحياة، جوع الصائمين لأجله هو الشبع، عطشهم في طلب رضائه هو الري، نصب المجتهدين في خدمته هو الراحة.
ذل الفتى في الحب مكرمة
وخضوعه لحبيبه شرف
وقد تفوح رائحة الصيام في الدنيا، وتستنشق قبل الآخرة، وهما نوعان أحدهما ما يدرك بالحواس الظاهرة.. فهذا عبدالله بن غالب الحداني أبوقريشي العابد، وكان من العباد المجتهدين في الصيام والقيام، لما دفن كان يفوح من تراب قبره رائحة المسك.. فرئي في المنام، فسئل عن تلك الرائحة التي توجد من قبره فقال: تلك رائحة الظمأ والسهر.
والنوع الثاني: ما تستنشقه الأرواح والقلوب فيوجب ذلك للصائمين المخلصين المودة والمحبة في قلوب المؤمنين، لما كانت معاملة المخلصين بصيامهم لمولاهم سرا بينه وبينهم، أظهر الله سرهم لعباده فصار علانية فصار هذا التجلي، والإظهار جزاء ذلك الصوم والإسرار.. فما أسر أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية.
تذلل أرباب الهوى في الهوى عز
وفقرهم نحو الحبيب هو الكنز
وسترهم فيه السرائر شهرة
وغير تلاف النفس فيه هو العجز
ويدعو الكتاب لاستقبال هذا الضيف الكريم بالتوبة الصادقة ولا تجعل اليأس يتسرب إلى القلوب، كما يدعو إلى التحلل من مظالم العباد وننسى الخصومات ونبر الوالدين ونكثر من الأعمال الصالحة، ولأن أعمال السنة كلها ترفع إلى الله فعلينا أن نعقد النية الصادقة على الاجتهاد في طاعة الله في شهر رمضان، وبخاصة في العشر الأواخر التي فيها «ليلة القدر» التي هي خير من ألف شهر.
