اوسكار وايلد الفتى الوسيم المولود سنة 1854 هو الابن الثاني للسير وليام وايلد الجراح البريطاني الذي وجد نفسه يوما أمام فضيحة عاطفية تناولتها الصحافة آنذاك سنة 1864 عندما ادعت إحدى مريضاته «ماري ترافرز» انها خدرت واغتصبت. أما أمه جين وايلد فكانت شاعرة تبلغ ستة أقدام طولا وكانت تحب الإغواء. ويبدو ان سلوك الأبوين اثرّ في سلوكيات الابن!
وفي سنة 1878 سافر اوسكار الى لندن حاملا شهادته الجامعية من اكسفورد ورغبة حارقة للنجومية، فهو نرجسي الهوى، كيف لا وقد تعلم من والدته ان ينظر الى الحياة كإنجاز فجعل من كل شيء مشهدا حتى كتب مرة: «انأ أوقظ التخيّل في قريني لكي يبدع الأساطير والخرافات من حولي». وكصورة تكميلية لنرجسيته فان ملابسه لم تكن يوما من صنع الخياطين وانما من خلال مصممي أزياء المسرح حيث كان يشعر اوسكار أنهم الأكثر فهما للمؤثرات المأساوية، حتى انه كان يضع وردة عباد الشمس على ثقوب أزراره.
ومقابل هذه الحياة العبثية كان هناك إبداع انتهى مع آخر عمل له وهو مسرحية »أهمية ان تكون ارنست« سنة 1895 التي اعتبرت من قبل الكثيرين أفضل وأجمل عمل كوميدي معاصر في اللغة الانجليزية. ولكنه تزامن مع أفول نجم اوسكار وسجنه حتى أنه انتهى الى محاولة طمس ماضيه بتخفيه تحت اسم مستعار وهو «سابستيان ملموث» الى يوم وفاته في فندق بباريس. ومن أشهر أعمال اوسكار «مروحة الليدي وندمير 1892»، «سالومي 1893»، »امرأة بلا أهمية 1893«، «زوج مثالي 1895».
وتحولت روايته «شبح كانترفيل» الى فيلم سينمائي. أما روايته «صورة دوريان جراي» فقد وضع روحه فيها إلى جانب نرجسيته العالية. والرواية التي مثلت فيلماً في الأربعينيات وترجمت الى اللغة العربية، ترجمها لويس عوض مدرس الأدب الانجليزي بجامعة فؤاد الأول.
وفيها تحدث اوسكار عن رسام «بازيل هولورد» أعجب بجمال ونضارة شباب «دوريان جراي» فرسم ذلك الفتى الوسيم ذا العينين الزرقاوين الصافيتين والشفتين الحمراوين، صاحب الشعر الذهبي المتموج. وبعدما انتهى من رسمه رفض عرض الصورة في أي مكان وهو الأمر الذي اعتبره صديقه اللورد هنري تون ضربا من الغباء نظرا لروعة الصورة.
والرسام «بازيل» الذي اختفى منذ بضع سنوات وأثار فضول الخاص والعام، وظنّ الناس في تأويل احتجاجه أعجب الظنون، علل رفضه عرض الصورة أنه وضع فيها من نفسه أكثر مما ينبغي لرسام ان يضع في صورة قائلا: عرضها يعني ان تقف روحي عارية أمام أنظار المتطفلين الأغبياء!
ارتبط دوريان جراي بعلاقة قوية مع اللورد هنري وراح يزوره في بيته وتعرف على زوجته وأخته التي لوث سمعتها فيما بعد، حينها صارحه دوريان بحبه للممثلة سيبيل فين التي تعرف عليها وهي تمثل على المسرح كأحسن ما يكون، ولكنها بعد الخطوبة تنكرت لفنها واكتفت بحب دوريان وهو الأمر الذي لاحظه الجميع وفي مقدمتهم دوريان. وذلك ما دفعه في النهاية الى تركها بعد ليلة مجهدة، فهو كان يحب الفنانة الموهوبة لا الفتاة صاحبة الوجه المليح، وهو الأمر الذي لم تحتمله سيبيل فانتحرت.
عاد دوريان وتأمل صورته فوجدها تنطق بمعاني الوجه بجلاء تام أثار الرعب في قلبه. لقد أخذه الغرور مرة وأعماه حب الدنيا فصلى إلى الآلهة ان تجعل الصورة تحمل أوزار حياته وان تُبقي على شبابه النضر الى يوم يموت، وقد كان! حدث ذلك رغم إيمانه ان الآلهة تسترد ما تمنح.
وعندما أيقن دوريان ان الصورة باتت تستجيب لكل ما يحدث في الحياة وقت حدوثه، خطر له ان الصورة ان هي الا مرآة روحه فهي تسجل كل تغير ينتاب روحه، وتساءل هل بين الأحياء الذين ذاقوا طعم الحياة من يرفض ان يشتري الشباب الدائم مهما غلا ثمنه؟ وعلى الرغم من اعتقاده ان صلاته أجيبت فإن خياله جمح في انه ربما يكون هناك تفسير علمي لما يحدث. وذهب إلى أكثر من مذهب لتعليل ما رأى، كان آخرها قانون الحب المخبوء في كل شيء!
بقي شبابه نضرا على الدوام فيما شمل التغيير كل من حوله وكذلك الصورة، الا وجهه بقي كما هو. وبعد مرور ثماني عشرة سنة على انتحار سيبيل جاء شقيقها جيمس لينتقم من دوريان معتقدا انه تسبب في انتحار شقيقته، ايقن دوريان الماكث في الظلمة انه مقتول لا محالة فطلب من شقيق سيبيل ان ينظر الى وجهه في الضياء، وبعدما نظر جيمس الى وجهه النضر المفعم بالشباب والبراءة أيقن انه من المستحيل ان يكون المتسبب في موتها، فصاحب هذا الوجه لابد وان يكون طفلا صغيرا وبريئا لحظة انتحار شقيقته.
ودوريان الذي باع روحه للشيطان وأصبح ممسوخ النفس، منحط الخلق، يعيش في العار ملوثا محيط دائرته التي يعيش فيها معتمدا على جماله ونضارة الشباب التي يتمتع بهما ممارسا فن الخداع، ولولا ذلك لعاش ابيض الصفحة لا يعرف الدنس.
لقد فسد دوريان جراي، وما أفسده الا شبابه.
كان دوريان يتابع التغيرات التي تجري على صورته المخبأة في غرفة منعزلة في بيته، والمغطاة على الدوام بحجة ان الضوء ربما يفسدها. ويذهب الى افتراضات منطقية وغير منطقية فيما يرى فيزعم تارة ان هناك صلة لا نعرفها بين روح الإنسان وبين دقائق الذرات التي تتألف منها الألوان والأشكال على اللوحة، وبذلك تسجل دقائق الذرات خوالج النفس وتحقق للنفس أحلامها، او ان هناك تغيراً في قماش الصورة وألوانها.
وأحيانا يعزو ذلك الى تغيرات في خياله وحده في الوقت الذي يشاهد ان خطاياه تفعل باللوحة ما تفعله الديدان بالجثث. ولكنه في الوقت نفسه موقن ان الصورة تنطق بشر دفين بعد ان كان يعتقد ان الصورة ستكون نبراسا يهتدي به في ظلام الحياة فقد كانت ضميره الحي ومقياس الخير والشر.
حدث كل هذا الشر بعد ان افتتن دوريان بكتاب استعاره من اللورد هنري أدى إلى الفتك بروحه حتى اعتقد ان يجد في الشر ما يحقق فكرته عن الجمال. ولما فاحت رائحة الشر جاء بازيل يعظ دوريان فرد عليه دوريان قائلا:
لقد فات الأوان يا بازيل، ثم اطلعه على السر بعد ان أخذه الى حيث اللوحة التي تغيرت كثيرا عن يوم اكتمل انجازها بيد بازيل، وهناك سرت في صدر دوريان كراهية لبازيل وكأنما استوحاها من مرأى صورته، وتحرك فيه إحساس كإحساس الحيوان المطارد وامتدت يده الى مدية منسية غرسها في عنق بازيل فقتله. حدث كل ذلك دون تخطيط بعد ان كان قد فكر من قبل بحياة جديدة ونقية حالما بالتوبة.
حاول ان يبرر عمله الأخير بأن بازيل رسم صورة قضت على حياته، وانه ما كان ليغفر له تلك الإساءة. كما انه تخلص من الجثة بإذابتها في الأحماض بمساعدة احد ضحاياه السابقين الذين أفسد حياتهم بما يمتلكه من شر. ولكي يطمس آخر آثار الأدلة التي يمكن ان تدينه، الصورة، فقد قرر تدميرها محدثا نفسه: ان المدية التي قتلت الرسام فلتقتل عمل الرسام!
سمعت صرخة، دخل الخدم على أثرها الى الغرفة فشاهدوا على الحائط صورة رائعة لسيدهم وقد سجلت جماله الفذ وشبابه النضر، وعلى الأرض شاهدوا رجلا ميتا في ثياب السهرة وقد غارت في قلبه مدية، وكان الرجل مغضن الوجه يابس البدن كريه الملامح ولم يتبينوا هويته إلا بعد ان فحصوا الخواتم التي يلبسها!!
