تميزت الحياة الاجتماعية في دبي قبل ظهور النفط بنمط معيشي حافل بكل المتناقضات. فقد بدأ التعليم النظامي الذي دخل الإمارة في نهاية عقد الخمسينات من القرن العشرين يوفر مستوى تفكير ونمط معيشي مختلف. بالإضافة إلي ذلك فقد أدى ارتفاع المعيشة في إمارة دبي، نتيجة الزيادة السكانية المطردة وتوافد أعداد كبيرة من المهاجرين العرب والأجانب، إلى أن يصطدم الزائر لدبي بالكثير من المتناقضات الحياتية.

فقد ظهرت أنماط معيشية جديدة بينما ظلت بعض الأنماط المعيشية القديمة تعيش جنبا إلى جنب مع الحديثة. فمثلا، أصبح بعض الناس يستخدمون الغاز في المطابخ بينما بيوت أخرى لا تزال تستخدم الحطب في الطبخ، وبينما ظهرت المكيفات الكهربائية الحديثة ظلت «البراجيل» تنافس التقنيات الحديثة في التكيف، وبينما انتقلت مجالس الرجال «الديوانية» إلى غرف مكيفة داخل المنزل، مع وجود الأرائك الحريرية ظل المجلس أمام الباب الخارجي مشهدا مألوفا يدل على الترابط الاجتماعي لدبي الحديثة.

وبينما بدأ مطار دبي يستقبل الطائرات العملاقة « البوينج» ظلت طائرات «الداكوتا» القديمة تحط في المطار الذي تحول وفي فترة زمنية وجيزة إلى رمز من رموز الحداثة في دبي. كان الوضع الاجتماعي في دبي ينبئ بالكثير من التغير مع الإبقاء على الروابط التي كانت تشد مجتمع دبي للماضي. فعلي الرغم من المتغيرات الاقتصادية المتلاحقة إلا أنه كان من الواضح أن المتغيرات الاجتماعية كانت أبطأ بكثير.

* مظاهر الطبقية

لم يكن مجتمع دبي يوما مجتمعا قائما على الطبقية الضيقة. بل على العكس، فمجتمع دبي التجاري وذلك الانفتاح الاقتصادي الذي عايشته الإمارة طوال تاريخها لم يجعل للطبقية مكاناً في مجتمع دبي. فقد عاش الناس كوحدة اجتماعية واحدة. علاوة على ذلك لم يعرف مجتمع دبي التفرقة بين الوافد إليها والمقيم. فجميع الناس سواسية أمام القانون وأمام العرف الاجتماعي.

لم يكن الأغنياء يتمتعون بمكانة خاصة بل لم تكن هناك حتى ظهور النفط علامات فارقة كبرى تميزهم عن غيرهم من طبقات الشعب. فالجميع كانوا لا يملكون إلا ابسط وسائل العيش، كما كان الأغنياء يميلون إلي البساطة في المعيشة والمسكن. وكانت الطبقة الحاكمة مثالا على تلك البساطة.

فما يرويه أحد الصحافيين عن المغفور له بأذن الله تعالي الشيخ راشد بن سعيد، بأنه زاره في مكتبه المتواضع في الجمرك المطل على الخور في نهاية الخمسينيات ثم زاره للمرة الثانية في العام 1966 في مكتب فخم نسبيا فقال له راشد: « أنا اكره هذا المكان ولا أحب الجلوس فيه، وهو مغلق ولا افتحه إلا إذا جاء زوار للبلد....أن أمنيتي هي أن أظل على اتصال وثيق مع أبناء الشعب...وسأستمر بأذن الله تعالي في أتباع هذا الأسلوب».

وهكذا ظل مجلس راشد مفتوحا للشعب سواء في قصره في زعبيل أو في مجلسه اليومي بمبنى الجمارك بدبي. لقد كانت مظاهر البذخ ، في فكر الشيخ راشد، مظهرا من مظاهر قطع حلقة الوصل بين الحاكم والمحكوم، بين الذي يملك والذي لا يملك ، وبالتالي أبتعد راشد طوال حياته عن مظاهر الأبهة والثراء والبذخ وظل قريبا من شعبه، مجلسه مفتوح على الدوام للالتقاء مع أبناء الشعب والزائرين.

لم يكن الشيخ والطبقة الحاكمة وحيدة في هذا النمط الفكري . فقد كان الأغنياء من التجار والأعيان معروفين بالتواضع والابتعاد عن البذخ. ولم يكن هناك ما يميزهم عن بقية طبقات الشعب سوى بيوتهم الواسعة المبنية بالطوب ذات الجدران العالية والبراجيل الكبيرة. اما بقية طبقات الشعب فقد عاشت في نفس الأحياء السكنية في بيوت أما مبنية من الحجارة والطوب وإما من سعف النخيل.

وكانت البساطة والقناعة معلما اجتماعيا من معالم مجتمع دبي قبل النفط. وكان المجتمع قائما على التكافل و«الفزعة» وهي نوع من أنواع التكافل الاجتماعي المعروف في المجتمعات البدوية. فإذا ما تعرض أحد أفراده لأي ضرر هب الجميع لنجدته بما يملكون من أنواع العون والمساعدة حتى لا يشعر المحتاج بأي ضيق. فقد كان النظام الاجتماعي قائما على الترابط والتكافل والتراحم وهي قيم إسلامية وقبلية توارثتها جميع المجتمعات الخليجية أبا عن جد.

منذ مطلع القرن العشرين ومع نزوح جاليات متعددة الأعراق إلي دبي بدأت دبي تبدو اجتماعيا مختلفة كل الاختلاف عن بقية مدن الساحل المتصالح. فوضعها كميناء تجاري أهلها أن تضم كافة الأعراق . ولكن جاليتين كبيرتين ظهرتا في دبي لتضيف لمجتمع دبي لونا مختلفا عن باقي مدن الساحل. فقد ظهرت في دبي جالية فارسية وهندية كبيرة.

وقد جلبت هذه الجاليات معها ليس فقط عاداتها وتقاليدها ولكن أيضا ثقافاتها وأنماط معيشتها. ومما يجدر ذكره أن تلك العناصر قد جاءت من مجتمعات سبقت مجتمع دبي في التمدن والانفتاح. فكانت بعض النساء اللواتي وفدن إلي مجتمع دبي من السواحل الفارسية، مثلا، على درجة من التعليم حيث كان المجتمع الفارسي أكثر انفتاحا من مجتمع دبي كما كن على درجة عالية من الثراء أيضا. وبما أنهن كن من عائلات مسلمة فقد كان اندماجهن في مجتمع دبي سريعا وتأثيرهن على المجتمع أسرع. وسرعان ما اندمجن في الحياة الاقتصادية وشاركن الرجال في التجارة.

كما شهد مجتمع دبي نزوح هجرات هندية واستقرارها في دبي. وقد أشتهر الهنود بأنهم ممولو أساطيل الغوص. وبمرور الوقت اندمج الهنود اقتصاديا في مجتمع دبي بينما ظلوا اجتماعيا، ونتيجة لكون معظمهم من غير المسلمين، الهندوس والبانيان، خارج نطاق الدائرة الاجتماعية. فلم يحدث مثلا تزاوج بينهم وبين أهالي دبي. كما كان تأثير الجالية الهندية أقل وقعا على مجتمع دبي من تأثير الجالية الفارسية. فقد ظلت العلاقات بينهم سطحية قائمة على المصالح المشتركة لكلا المجموعتين.

جلبت النساء الهنديات معهن مظاهر حياتهن اليومية كالملبس والمأكل وطريقة الطهي وأدوات الزينة والحلي ودخلت هذه الأدوات مجتمع دبي وبدأت تستخدم من قبل نساء العرب والفرس. بل أن هناك من يقول أن الحجاب السائد في يومنا هذا بين النساء العربيات قد جلب أساسا من الهند حيث كان شائعا بين نساء الطبقات العليا كرمز للوجاهة الاجتماعية. على الرغم من هذا الخليط العرقي الذي شهدته دبي منذ بدايات القرن العشرين ألا أنه لم يؤثر على الهوية الاجتماعية لدبي. فقد ظلت الأعراف القبلية البدوية هي السائدة وهي وحدة البناء الاجتماعي.

اقتصاديا ، تمتعت المرأة بمكانة مميزة وكانت مساهماتها الاقتصادية معروفة ومقبولة اجتماعيا. وقد ورد ذكر الكثير من نساء الطبقة الحاكمة كنموذج للمرأة النشطة سياسيا واقتصاديا. فالشيخة حصة بنت المر، زوجة الشيخ سعيد بن مكتوم ووالدة الشيخ راشد، والتي جاء ذكرها على لسان المقيم السياسي البريطاني في الخليج بوصفها امرأة نشطة ولها نفوذ كبير على صنع القرار السياسي في دبي.

كما وصفها أحد الضباط البريطانيين في كتابه عن منطقة الإمارات بأنها «مزيج من الإمبراطورة الروسية كاترين العظيمة والملكة الإنجليزية بوديسا». كما أوردت الوثائق البريطانية أسماء لبعض نساء الطبقة التجارية كنساء لعبن دورا في التجارة والثقافة في دبي.

* بداية التغييرات

مع ظهور النفط بدأت دبي تشهد بعض المتغيرات الاجتماعية وخاصة المتعلقة بأنماط المعيشة وأنماط التفكير. فقد بدأت وسائل الحياة العصرية التي دخلت دبي بالتدريج تحدث تغييرا جذريا في الحياة الاجتماعية لدبي. فدخول الكهرباء والماء النقي مثلا، أحدث تغيرا جذريا في طريقة تشيد المنازل وفي النمط المعيشي للسكان.

كما أن دخول الطب الحديث والمستشفيات أحدث تحولا جذريا في نسبة وفيات الأطفال ومستوى العمر المتوقع للإنسان. فلم تنتظر دبي اكتشاف البترول لتحقيق المعجزات فقد بدأت تبحث لها عن مكان تحت الشمس قبل عقود طويلة من اكتشاف النفط. وكما قال الشيخ راشد لأحد الصحافيين الذي سأله عن سر نهضة دبي وإذا ما كان ذلك سببه النفط...

فقال راشد «أنتم معشر الصحافيين مصابون بعقدة بترول الخليج ...كل تقدم وكل تطور تنسبونه للبترول سواء ظهر أو لم يظهر..فنحن لا نعتمد عليه...وكل هذا التقدم الذي نعيشه هو من التجارة وليس من النفط....فأهل دبي تجار يعرفون حق المعرفة فنون التجارة وأساليبها».

ترصدها: د. فاطمة الصايغ