الحمد لله حمد من عرف نعمته وشكره والصلاة والسلام على من عرف حق وطنه وأهله وعلى صحبه وسلم وبعد:
لقد جبلت النفوس البشرية على حب المكان الذي نشأت فيه وترعرعت في جنباته وحفظت في ذاكرتها معالمه وطرقاته ومن فيه من بشر وعمران وغيره مما يرتبط بالذهن ويحفظ في الذاكرة لذلك نجد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى الوطن الحق، فالوطن له حق علينا كبير وواجب المحافظة عليه كما قال الشاعر.
إن للأوطان حق
دونها الأرواح تفدى
نعم أخي المسلم، الوطن ليس كلمة عابرة تُقال، بل الوطن رمز عظيم لأنه دار المقامة في الدنيا ودار التعبُّد والتنمية والأجر والحياة الكريمة ولذلك انظر إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول لما خرج من مكة: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».
هذا التعبير الصادق من رسول الله صلى الله عليه وسلم له دلالة كبيرة على أهمية الوطن وحقه في المحافظة عليه، فرسول الله صلى الله عليه وسلم عبّر عمّا يجده تجاه وطنه الذي تربّى في جنباته وعاش بين شعابه وشرب ماءه وتنفّس هواءه فيقول صلى الله عليه وسلم واصفاً هذا الحب والولاء لهذا الوطن: «ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» انظر أخي المسلم في هذا المديح للوطن كيف كان من خير من يفهم حق الوطن ولزوم المحافظة عليه لأنه هو المال الحقيقي، لذلك يقول صلى الله عليه وسلم:
«من مات دون ماله فهو شهيد» وهل هنالك مال أهم من الوطن، فحق الوطن لا يُقدّر بمال ولا ولد ولا جاه ولا يعدل شيء لأن الإنسان بلا وطن كيف تكون حياته، وانظر إلى الإنسان الذي اغتصب وطنه وأخرج منه، كيف حاله وحال ماله وعياله كلهم في حالة يُرثى له مهما توافرت سبل العيش إلا أن العيش بالوطن مع قسوة العيش فيه يُعتبر نعمة عظيمة لا يعرفها إلا من فقدها لأن الوطن هو العزة والرفعة والمكانة العظيمة التي يحافظ على ثرواتها هذا المواطن الذي ينتمي إليه قلباً وقالباً كما يقول الشاعر:
بلادي وإن جارت عليّ عزيزة
وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرام
فالوطن هو ذلك الموطن الذي مهما ابتعد الإنسان عنه يشتاق إليه ويعشق ترابه مهما كان لذلك نقول إن للوطن حقاً كبيراً يتمثل هذا الحق في أمور عدة، منها الولاء لترابه والمحافظة عليه من خلال إجلال وتقدير عظيمين وإلى ولي أمره بالسمع والطاعة وخدمة الوطن في شتى المجالات عسكري أو مدني والمحافظة على ثرواته المختلفة وصيانة حدوده والسهر على راحة مواطنيه ومنع كل يد تمتد إليه بأذى والأخذ بزمام الأمور لمنع وقوع كل جريمة لهذا الوطن.
وأن الإنسان مهما تعرض لقساوة الظروف إلا أن الوطن يبقى فوق كل اعتبار فلا يجوز خيانة الوطن لأي سبب من الأسباب كما لا يجوز الخروج على ولي الأمر الحامي لهذا الوطن والساهر على ثرواته، أخي المسلم لقد ساد اليوم مفهوم خاطئ عن حقوق الأوطان، وقد ترى كثيراً من المخالفات في حق الوطن وأصله سواء كانت هذه المخالفة ظاهرة كالاستخدام السيئ لثرواته أو مستترة كالسعي للإفساد في الوطن بالطرق الملتوية التي تثير الرعب وتروِّع الآمنين.
لذلك يجب على المواطن أن يفهم أن حق الوطنية مصان بالنظام من خلال حكام الوطن وأن نظام الحياة لا بد له من مقومات وألا يترك الناس يفعلون ما يريدون، ولنا في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده الكثير في كيفية المحافظة على الأوطان والذود عنها وحمايتها من كل ما قد يؤذيها وأن الوطن ليس لك وحدك بل لكل مواطن ومقيم وللأجيال القادمة.
لذلك أن معرفة حق الوطن يوفر أرضية قوية للتعايش بين أفراد المجتمع على مختلف مشاربهم وتنوُّع أفكارهم وتعدُّد لهجاتهم، لذلك إن حسن الفهم والدرك لحق الوطن والمواطن يعطي الإنسان وضوحاً في كيفية التعامل والتعايش مع الآخرين وكيف يسهر على ذلك خدمة منه لأن الذي يسهر على حراسة الوطن يعوِّضه الله سبحانه وتعالى الكثير، لذلك نقول لكل مواطن إن مسؤوليتك كبيرة أمام الله وأمام ولي الأمر، فحافظ على وطنك وعش فيما له يدوم لك عزك.