تفاصيل الحياة العربية الإسلامية، والكثافة الشعورية الإنسانية وزخمها النابض، لم يدخل إلا النزر اليسير منها في كتابات الرحالة، وما دخل منها في كتاباتهم تلك كان على الأغلب الأعم لحاجة في نفس يعقوب.
يشير ثيسجر في كتابه الرمال العربية إلى تلك الاستشهادات غير البريئة، ومنها مقولة: «....وبينما كنا نمر تحت قبة صخرية هائلة فاتحة اللون تشكل دعامة لجبل كور، التقينا بثلاثة رجال على نياقهم، أحدهم كان «الرقيشي» المخيف محافظ (عبري) وهو رجل ساخط،صغير الحجم غارق تحت عمامته الكبيرة البيضاء.
ثم ألقى (بن الكمام) التحية على (الرقيشي) عندما مرّ إلى جانبه وسأله بكل تهذيب عما إذا كان بإمكانه أن يخدمه بشيء. فوجّه (الرقيشي) ضَرْبَة قوية إلى ناقته وقال غاضباً: «لو كنت ترغب في إرضائي لما كنت أتيت بالمسيحي إلى هنا» وفي نفس الصفحة يكمل» «من (عبري) سافرنا شمالاً بمحاذاة سفوح الجبال نحو (جبل حفيت)، ومررنا بأراضي (بني كتب) و(آل بو شامس). كانت كل من هاتين القبيلتين ستمنعني من العبور إذا استطاعت». (يقصد بالطبع لمسيحيته).
وقال (بن خرس) بوضوح إن قتل المسيحي يستحق التقدير مثل أداء فريضة الحج، ولكنه يتطلب بهذا جهداً أقل. وجاء (بن خرس) إلى مخيمنا في المساء وقال: «يجب على المسيحي أن يغادر صباح غد، لقد اتفقنا على أنه لا يمكنه البقاء هنا أكثر من ذلك».
إن الإمبراطوريات لا توجد بلا شك بين عشية وضحاها، ولا هي تنظم وتدار، ارتجالياً، بل هي تتطلب إعادة مراجعة، وتعريف وتحديد وتشكيل العديد من ميادين الخبرة الإنسانية على أيدي علماء ـ أو أدوات ـ يحتلون موقعاً مُشْرفاً يعلو على المادة التي ينتجون ويدرسون، وليس من قبيل الجموح عن الموضوع أن نرى التطور نفسه مطيعاً لهؤلاء «الأدوات» متيحاً لهم فرصاً لتحديد مجال سلطتهم بحيث تشتمل على مناطق أخرى» أدنى من العالم حيث يمكن اكتشاف مصالح «وطنية» ـ تعتبر فيما بعد في حاجة إلى إشراف.
فالشرق بفضل أولئك «الأدوات» يمكن أن يُرى، ويمكن أن يُدْرَس، ويمكن أن يُدار. فلا حاجة لأن يبقى مكاناً قصياً وعجيباً وغامضاً- غموض وانعزال منطقة كمنطقة الربع الخالي، حتى هذه البقعة المنعزلة وصلها الأدوات ـ بل إن في الإمكان استحضاره، واستجلاء كنهه والارتياح إليه، أو ببساطة أشد، بإمكان أوروبا أن تشعر بالارتياح فيه كأنها في الوطن، وهو ما قامت به بالفعل فيما بعد.
أما تفاصيل الحياة العربية ـ الإسلامية والكثافة الشعورية الإنسانية وزخمها النابض لدى هذه المجتمعات، فلم يدخل إلا النزر اليسير منها حتى (الفلكلوري، الغرائبي، وكل ما يخدم المهمة التي جاء من أجلها فقط) في وعي أولئك «الأدوات» الذين امتهنوا التقرير عن هذه المجتمعات، وبسلسلة محدودة من الكتابة الكاريكاتورية الفجة المختزلة ـ تلاحظ أكثر عند توماس ـ حول هذه المجتمعات، ومعروضة بطريقة من شأنها أن تجعل هذا العالم معرضاً للعدوان العسكري أو الحماية الغربية أو أي سبب آخر من أسباب الهيمنة الاستعمارية أو التدخل»، حسب إدوارد سعيد.
ورغم أن ما كتبه توماس وثيسجر كان إبان فترة الاستعمار الغربي، إلا أن الصورة اليوم ليست أفضل مما كانت عليه، «بل أن هناك في وعي الجمهور الثقافي الأعلى ـ اليوم ـ في الغرب، ذلك الموقف القديم من الإسلام والعرب والشرق عموماً ـ والذي غُذّي على مدى عقود من قبل الأدوات ـ فصورة الإسلام هي واحدة ثابتة لا تتغير حيثما نظرت ومهما تكن المادة التي تعرضها:
يستوي في ذلك الروايات الحديثة التي أطراها النقاد، كمثل رواية ف.س. نيبول (انعطاف النهر) ورواية جون أبدايك (الانقلاب)، والكتب المدرسية المقررة في مادة التاريخ، والأشرطة الهزلية، والمسلسلات التلفزيونية، والأفلام الفكاهية القصيرة.
وكتابات بعض رحالة اليوم من الغربيين (على سبيل المثال يمكن الرجوع في هذا المجال إلى كتابات Stephen Taylor وكتابه Livingstons Tribeوما حواه من تحامل على وجود العرب والمسلمين في شرق أفريقيا، وزنجبار، تنزانيا، كينيا وأوغندا، مقارنة بالخدمات التي قدمتها بعثات السلام التبيشيرية المسيحية، والكتاب صادر حديثاً 1999 وطبعته الأحدث عام 2000 عن دار نشرFlamingo لندن).
تنبثق هذه الصورة الموحدة وتستمد مادتها من المفهوم القديم نفسه للإسلام. ونجد في مقابل ذلك، أن الحيز المتاح للتعاطف مع الإسلام هو حيز ضيق جداً، سواء في ذلك ما تتيحه الحضارة بشكل عام أو في نطاق البحث والنقاش حول غير الغربيين بشكل خاص.
أما الخبراء الأكاديميون المتخصصون في الإسلام، فقد تناولوا، في الغالب الأعم حتى لا نظلم المنصفين منهم، هذا الدين وثقافته المتنوعة ضمن إطار أيديولوجي اصطنعوه، أو هو إطار مقرر ومحدد ثقافياً، إطار مفعم بالانفعالات العاطفية والتحيز الدفاعي، بل بالاشمئزاز أحياناً. فكأن «الإسلام» يبتلع جميع مظاهر العالم المُسلم المتنوعة، فيحيلها كلها إلى جوهر خاص شرير عديم التفكير.
والأمثلة التي مرت بنا، سواء تلك التي أوردها توماس أو ثيسجر، ما هي في الحقيقة إلا شهادات على هذا «الابتلاع «المزعوم.
لقد عاش توماس وثيسجر بين البدو، والعرب، ولبسوا لباسهم، وتكلموا إلى حد ما لغتهم، حتى ثيسجر كان يردد بأنه «بين العرب كنت أتوق للتصرف مثلهم» وقد اصطنعا ذلك التواؤم مع مرافقيهم، لا ليحدوا من ذلك الابتلاع، أو ليخففوا منه قليلاً، بل ساهما بلا شك في «عملية اختزال هذه الشعوب أو المجتمعات الأخرى، إلى نواة بسيطة مُنمّطَة، لا يزال الاعلام الغربي «يلوكها» إلى اليوم، وفي غاية من السذاجة ومنتهى الادلجة وذروة العنصرية».
فهؤلاء البدو الأجلاف، بقوا رمزاً للتخلف (راجع محاورات توماس مع مرافقيه)، أو هم مجرد قطاع طرق خطرين مطلوبين للعدالة، لا يعرفون قيمة الوقت، جشعين، لا يفقهون شيئاً من دينهم الذي علمهم كره ونبذ غير المسلم إلا حركات لا معنى لها وترديد كلمات لا يفهمونها بطريقة ميكانيكية، هؤلاء هم العرب...
يصف ثيسجر طاقم المركب الذي حمله من دبي إلى البحرين يوم 10 مايو 1948: «وكان طاقم المركب شأنهم شأن بقية العرب، لديهم القدرة على النوم لا يحسدون عليها، عندما لا يكونون منشغلين. فبعد أن نصبوا خيمة لأنفسهم ناموا نوماً طويلاً، أما أنا فقد انتهيت من قراءة كتاب (تاريخ أوروبا) لفيشر H.A.L.Fisher، وهو الكتاب الوحيد الذي كان معي».
ولو كان هذا الانطباع لمسافر غريب عابر لهان الأمر، ولكنه لرحالة قضى بينهم ما يقارب الخمس سنوات على فترات متقطعة، لم يسرقوه أو يغشّوه أو يعتدوا عليه باعترافه هو وكان بإمكانهم أن يفعلوا ذلك معه بكل بساطة: «ولأنني كنت مسافراً مع هؤلاء البدو فقد كنت تحت رحمتهم تماماً، وكان بإمكانهم قتلي في أي وقت، وإلقاء جثتي تحت الرمال وسلب ما أحمل. ومع ذلك كانت ثقتي بهم مطلقة، بحيث لم يخطر ببالي أبداً أنهم قد يغدرون بي».
والغريب، أنه قال رأيه الأول في العرب الذين وصفهم بأنهم لديهم قدرة على النوم يحسدون عليها بعد أن أنجز تقريباً مهمته و أتم عبوره للربع الخالي بمرافقة هؤلاء العرب.
* الالتفات للسلبيات
تشير الدكتورة منى حسين مؤنس في كتابها (مصر في عيون الغرب وأدبه). إلى أنها شخصياً ـ على سبيل المثال ـ كم من مرة استضافت أصدقاء أجانب غربيين في مصر، ولاحظت أنهم من دون استثناء لا يلتفتون عموماً إلا لما هو سلبي، فتجدهم يصورون أكوام القمامة في الشوارع الرئيسية حتى يثبتوا لأنفسهم الفكرة الراسخة لديهم وهي أن الشعوب العربية شعوب غير نظيفة، وكسولة، لذلك تراهم يبتسمون عندما يرون كنّاسي الشوارع وقد ركنوا عربات القمامة قرب الرصيف.
وغالباً ما تعطل هذه العربات المرور، وتتسبب في حوادث، بينما يجلس الكنّاسون على الرصيف ليدخنوا وهم يستريحون ـ كما يقولون ـ من كثرة العمل،ـ هذا ولا ينظر هؤلاء الزائرون الغربيون إلى المحلات التجارية الكثيرة المليئة بالملابس المصنوعة في مصر والتي يتحسن نوعها وذوقها عما لديهم. إنهم لا يرون ذلك أو ربما لا يريدون أن يروه وهذا هو الأرجح.
تماماً نفس نظرة ثيسجر لطاقم المركب الذي حمله من دبي إلى البحرين، وربما يكون هؤلاء البشر قد قضوا أياماً وليالي في سهر على راحة مسافريهم وتصادف أن جاءهم هو في ظرف هم في أمس الحاجة لأخذ قسط من النوم، ومع كل المعروف الذي قدمه له العرب البدو، إلا أنه لم يغفر لهؤلاء أخذهم قسطاً من الراحة على متن مركبهم.
في رواية Moontiger للروائية بينلوبي ليفلي Lively,Penelope المولودة في مصر في عام 1933حيث أمضت طفولتها في مصر، ولم تغادرها مع أهلها إلا بعد الحرب العالمية الثانية بفترة قصيرة، تذكر في روايتها انطباعها العام عن القاهرة، إنها كلما تذكرت رائحة القاهرة، فهي تتذكر مزيجاً من رائحة فضلات المواشي والجاز، ثم حرارة الجو الشديدة، وضجيج «الترام» وعربات «الكارو» وازدحام الناس في الشوارع وعربات النقل البدائية التي تجرها الخيل أو الحمير، وطيور الحدأة التي تحلق في السماء.
هذا ما تتذكره كلما ذكرت أيامها في القاهرة وتقول: «إنها لم تستطع أن تهرب من هذا العالم الذي يملؤه الضجيج إلا عندما تدخل ـ على سبيل المثال ـ مكاناً مثل كنيسة حيث تجد الراحة والسكون والطقس المعتدل المحتمل، وتقابل بداخلها قوماً مثلها من الإنجليز وكلهم متحضرون ومهذبون ومنظمون في سلوكهم وصلواتهم.
وتشير الكاتبة بذلك وبطريقة غير مباشرة إلى التناقض الذي يفرق بين حضارة الشرق والرجعية وحضارة الغرب الجديرة بالاحترام، (تماماً مثلما قدّم ثيسجر قبل قليل منظراً لعرب كسالى يعشقون النوم فقط، وهو الغربي المتحضر الوحيد بينهم على سطح المركب الذي يقضي وقته بمطالعة كتاب في التاريخ، وتفهمنا الروائية في روايتها، إن الحضارتين متعايشتان في نفس المكان (القاهرة لديها والمركب في مثال ثيسجر)، وأن الفارق بينهما هو حاملو كل منهما أي أن المصريين يمثلون كل ما هو مرتبط بالجهل والرجعية بينما توجد الحضارة حيث يوجد الإنجليز لأنها مرتبطة بأشخاصهم.
«إن قسماً كبيراً اليوم من العالم يتسم بالوعي سياسياً، ولذلك فهو أقل ميلاً لأن يقنع بمرتبة المستعمرة أو الحليف غير المفكر على السواء»، وكانت هذه هي القاعدة التي تحرك ضمن إطارها هؤلاء الرحالة، فرغم طيبة البدو، وشجاعتهم،وأمانتهم،ووفائهم، إلا أن كل تلك المحاسن لن تخرجهم ـ بنظر الرحالة الغربي ـ من دائرة الهيمنة التي تحدث عنها إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق.
ولو رجعنا إلى التاريخ سنرى أن منطقة الخليج كانت واقعة تحت الإدارة البريطانية الاستعمارية، وكانت المنطقة تدار بواسطة وكلاء سياسيين يساعدهم هؤلاء المستعربون من ضباط الاستخبارات، تُدار على أنها مستعمرات (رسمياً) أو هي (وسكانها) على أنها مجرد «حليف غير مفكر» أو هكذا يجب أن تكون.
أما قضية حُب الرحالة الغربي الذي عاش ردحاً من الزمن بين العرب لهؤلاء العرب وتعبيره عن هذا الحب بِجُمل غاية في الرومانسية (كما يظهر أكثر في أسلوب ثيسجر خاصة) المغلّفَة بطبقة من الأسى والحزن ـ خاصة عند لحظات فراق ووداع رِفاق الرحلة ـ فهو لا يعني عنده شيئاً ذا قيمة في أغلب الأحيان.
أو بالأحرى، عبارات التعاطف هذه ـ أو بالأحرى ما نراه نحن تعاطفاً ـ هو في الأساس أسلوب كتابي تسويقي لا أكثر، لا يزيد في قيمة ما قدمه هؤلاء الرفاق من الجنود المجهولين من تضحيات ولن يغير بالطبع من صورة «الشعوب المستعمرة» أو من صورة «الحليف الذي أرُيد ورُسم له أن يكون غير مفكر».
وهذه نقطة جديرة بأن نتوقف عندها قليلاً. كما ينبغي ألا يغيب عن تفكيرنا مطلقاً أن كتابات هؤلاء الرحالة هي في المقام الأول عبارة عن «مشورة لصانع السياسة» أما مسألة «الحس المنهجي» وما ينبغي أن يمتاز به من تدقيق وتقصٍ وأمانة علمية، فقد تكفلت بذلك السلطة الاستعمارية، ودعمتهم مادياً ومعنوياً.
أما حين يسعى هذا الرحالة «الخبير» إلى ابتداع أوهام جديدة، ويعمل من خلال كتاباته إلى نشر وتعميم ضروب مستحدثة من المعلومات المشوهة ـ كما مرّ معنا ما حدث مع قبيلة الصاعر، وما افتراه توماس بشأنها وتبعه ثيسجر مترسماً خطاه مردداً نفس الافتراء، و توماس في الحقيقة افترى كثيراً على قبائل الشحرة أيضاً ـ فكتابة الرحالة لا تخضع بالتأكيد ـ رغم الادعاء ـ إلى الفطرة النامية من الخبرة الإنسانية المشتركة، ولا لأي من أنواع التقويم الناقد.
* أروقة الاستشراق
توضح رأينا أكثر، مقالة أوردها إدوارد سعيد في كتابه (تغطية الإسلام ص 154 -153) وكانت بعنوان «وضع الدراسات الشرق أوسطية» نُشِرت في مجلة الاميركان سكولار Americaan Schoolar، في صيف 1979.
وقد كتبها عالم بريطاني من العلماء المشهورين بالدراسات حول الإسلام بل يعد مرجعاً فيها وهو برنارد لويس Bernard Lewis، والمقالة في مجملها كما يصفها سعيد بأنها «نتاج ذهن ينظر في أشياء روتينية بطريقة كسلى غير جذابة للاهتمام بشكل خاص. ولكن ما يستوقف انتباه غير المختص وعلاوة على لامبالاة الكاتب المذهلة بالقضايا الفكرية «حكاية الأروقة الثقافية الأصلية للاستشراق».
يرى لويس في مقالته أن «عصر النهضة قد دَشّن مرحلة جديدة كل الجدة في تطور الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية في العالم الغربي ولعل أهم عامل جديد هو نوع من حب الاستطلاع الفكري ما زال يعتبر فريداً في التاريخ الإنساني. ولكن حتى اليوم، لا تزال الحضارات غير الأوروبية تواجه أعتى المشقة في فهم هذا اللون من حب الاستطلاع الفكري.
وحين بدأ رواد علماء الآثار الأوروبيين التنقيب عن الآثار في الشرق الأوسط، كان من المستحيل على الكثير منهم أن يصرف الكثير من الوقت والجهد والمال ويتعرضون لمخاطر وصعوبات جمّة في سبيل غاية مجردة هي التنقيب عن الآثار القديمة التي خلفها أجدادهم المنسيون وفك رموزها السذّج ـ على حد تعبيره ـ كانوا يرونهم مجرد باحثين عن الكنوز الدفينة.
وكانوا، في نظر سكان المدن الأكثر ثقافة وإطلاعاً، جواسيس أو عملاء آخرين في خدمة حكوماتهم. وإن الحقيقة التي تثبت أن فئة قليلة من علماء الآثار، قد أدوّا، فعلاً، مثل هذه الخدمات لحكوماتهم، لا تجعل هذا التفسير لعلمهم أقل خطأ، بل إنها تكشف عن عجز مؤسف عن فهم عمل أضاف فصولاً جديدة إلى تاريخ الإنسانية وأبعاداً جديدة إلى الوعي الذاتي لأمم الشرق الأوسط وإن هذه الصعوبة في الإدراك المستمرة حتى يومنا هذا، بل إنها قد أصابت حتى بعض الأكاديميين الذين يصرّون على اعتبار المستشرقين إما باحثين عن الكنوز أو عملاء للإمبريالية.
وإرواء غليل حب الاستطلاع الفكري الجديد هذا قد أفاد كثيراً من رحلات الاستكشاف التي حملت الأوروبيين إلى أراضٍ جديدة وغريبة فيما وراء المحيط. فقد ساعدت هذه «الرحلات» على كسر القوالب الفكرية ووفرت حافزاً ومناسبة للمزيد من الدراسة. حسب لويس.
ويعقب سعيد على ما أورده لويس بالقول: «إن هذه الكتابة التي تكاد لا تعتمد على غير التوكيدات غير المسندة تنافي مباشرة كل ما كتبه عدد لا يُستهان به من المستشرقين أنفسهم، أو مؤرخي تاريخ أوروبا منذ عصر النهضة حتى الآن، أو دارسي تاريخ التفسير منذ القديس أوغسطين حتى أيامنا هذه».
إن بدعة، أو حجة «حب الاستطلاع الفكري» قد اسُتغلت خاصة في كتابات الرحالة أبشع استغلال، وقد مرّ معنا نماذج للتشويهات والافتراءات وسنتعرف على الكثير منها لاحقاً، ولو «طرحنا جانباً حب الاستطلاع الجديد والمختلف كل الاختلاف»، فكيف يستطيع المرء أن يفسر ثقافة أخرى إن لم تكن ظروف سابقة قد وضعت تلك الثقافة في متناول التفسير، وقد كانت هذه الظروف دوماً، خاصة في ما يختص بالاهتمام الأوروبي بالثقافات الغربية، ظروفاً تجارية، استعمارية، أو هي ظروف التوسع العسكري، والغزو، والإمبراطورية.
فلا عجب إذن، أن ينظر المواطنون الاصليون غير الأوروبيين، الجهلة، إلى «حب الاستطلاع الفكري» هذا، الذي يتشدق به المتسللون الغربيون بهيئة رحالة أو باحثين أو آثاريين أو الخ بهذا الارتياب الكبير، إذ هل حلّ يوماً أي باحث غربي في بلد عربي إلا بفضل القوة الغربية المهيمنة على ذلك البلد، مهما يكن ذلك رمزياً وغير مباشر؟
ومن أمارات جهل هذا المستشرق وغروره الفذ كما يصف إدوارد سعيد لويس، أنه غير واع، فيما يبدو، للجدل المحتدم في حقل علم الأناسة (الانثربولوجيا) حول التواطؤ بين الإمبريالية وعلم أصول الأعراق؛ في حين نجد شخصية كبيرة من مستوى ليفي ـ شترواس قد أعربت عن القلق، وإن لم يكن الندم، من كون الإمبريالية هي إحدى النواحي المكونة للدراسة العرقية الميدانية.