وُلد علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبدالواحد أبوالحسن الشيباني المعروف بابن الأثير رحمه الله سنة 555ه، وهو مؤرخ، محدث، حافظ، أديب، لغوي، بياني، نسابة، وكان منزله مجمع الفضلاء والأدباء، وُلد في جزيرة ابن عمر في جمادى الأولى، ونشأ بها، ثم سكن بها، وقدم الشام رسولاً، فحدث بدمشق، وتوفي بالموصل في 25 شعبان سنة 630هـ.

من تصانيفه الأخرى: أسد الغابة في معرفة الصحابة، اللباب في تهذيب الأنساب، الجامع الكبير في علم البيان، وكتاب الجهاد.

قال مؤلفه رحمه الله: فإني لم أزل محباً لمطالعة كتب التواريخ ومعرفة ما فيها مؤثراً للاطلاع على الجلي من حوادثها وخافيها مائلاً إلى المعارف والآداب والتجارب المودعة في مطاويها، فلما تأملتها رأيتها متباينة في تحصيل الغرض يكاد جوهر المعرفة بها يستحيل إلى العرض فمن بين مطول قد استقصى الطرق والروايات ومختصر قد أخلّ بكثير مما هو آت؛ ومع ذلك فقد ترك كلهم العظيم من الحادثات والمشهور من الكائنات وسود كثير منهم الأوراق بصغائر الأمور التي الإعراض عنها أولى وترك تسطيرها أحرى؛ كقولهم:

خلع فلان الذمي صاحب العيار وزاد طلا في الأسعار وأكرم فلان وأهين فلان وقد أرَّخ كل منهم إلى زمانه وجاء بعده من ذيّل عليه وأضاف المتجددات بعد تاريخه إليه. والشرقي منهم قد أخلّ بذكر أخبار الغرب والغربي قد أهمل أحوال الشرق، فكان الطالب إذا أراد أن يطالع تاريخاً احتاج إلى مجلدات كثيرة وكتب متعدّدة، مع ما فيها من الإخلال والإملال فلما رأيت الأمر كذلك شرعت في تأليف:

تاريخ جامع الأخبار ملوك الشرق والغرب وما بينهما ليكون تذكرة لي أراجعه خوف النسيان وآتي فيه بالحوادث والكائنات من أول الزمان متتابعة يتلو بعضها بعضا إلى وقتنا هذا ولا أقول إني أتيت على جميع الحوادث المتعلقة بالتاريخ، فإن من هو بالموصل لا بد أن يشذّ عنه ما هو بأقصى الشرق والغرب.

ولكن أقول إنني قد جمعت في كتابي هذا ما لم يجتمع في كتاب واحد ومن تأمله علم صحة ذلك فابتدأت بالتاريخ الكبير الذي صنفه الإمام أبو جعفر الطبري إذ هو الكتاب المعول عند الكافة عليه والمرجوع عند الاختلاف إليه، فأخذت ما فيه من جميع تراجمه لم أخل بترجمة واحدة منها وقد ذكر هو في أكثر الحوادث روايات ذوات عدد كل رواية منها مثل التي قبلها.

أو أقل منها وربما زاد الشيء اليسير أو نقصه فقصدت أتم الروايات فنقلتها وأضفت إليها من غيرها ما ليس فيها وأودعت كل شيء مكانه، فكان جميع ما في تلك الحادثة على اختلاف طرقها سياقاً واحداً على ما تراه فلما فرغت منه أخذت غيره من التواريخ المشهورة فطالعتها وأضفت منها إلى ما نقلته من تاريخ الطبري ما ليس فيه.

ووضعت كل شيء منها موضعه، إلا ما يتعلق بما جرى بين أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني لم أضف إلى ما نقله أبو جعفر شيئاً إلا ما فيه زيادة بيان أو اسم إنسان أو ما لا يطعن على أحد منهم في نقله وإنما اعتمدت عليه من بين المؤرخين إذ هو الإمام المتقن حقاً الجامع علماً وصحة اعتقاد وصدقاً على أني لم أنقل إلا من التواريخ المذكورة والكتب المشهورة ممن يعلم بصدقهم فيما نقلوه وصحة ما دوّنوه.

ولم أكن كالخابط في ظلماء الليالي ولا كمن يجمع الحصباء واللآلئ ورأيتهم أيضاً يذكرون الحادثة الواحدة في سنين ويذكرون منها في كل شهر أشياء فتأتي الحادثة مقطعة لا يحصل منها غرض ولا تفهم إلا بعد إمعان النظر فجمعت أنا الحادثة في موضع واحد وذكرت كل شيء منها في أي شهر أو سنة كانت فأتتني متناسقة متتابعة قد أخذت بعضها برقاب بعض وذكرت في كل سنة لكل حادثة كبيرة مشهورة ترجمة تخصّها؛ فأما الحوادث الصغار التي لا يُحتمل منها كل شيء ترجمة فإنني أفردت لجميعها ترجمة واحدة في آخر كل سنة.

فأقول ذكر حوادث عدة، وإذا ذكرت بعض من تبع وملك في قطر من البلاد ولم تطل أيامه فإني أذكر جميع حاله من أوله إلى آخره عند ابتداء أمره لأنه إذا تفرّق خبره لم يعرف للجهل به وذكرت في آخر كل سنة من توفي فيها من مشهور العلماء والأعيان والفضلاء وضبطت الأسماء المشتبهة المؤتلفة في الخط المختلفة في اللفظ الواردة فيه بالحروف ضبطاً يزيل الإشكال ويغني عن الانقاط والأشكال، فلما جمعت أكثره أعرضت عنه مدة طويلة لحوادث تجددت وقواطع توالت وتعددت.

ولأن معرفتي بهذا النوع كملت وتمت ثم ان نفراً من إخواني وذوي المعارف والفضائل من خلاني ممن أرى محادثتهم نهاية أوطاري وأعدهم من أماثل مجالسي وسماري رغبوا إليّ في أن يسمعوه مني ليرووه عني، فاعتذرت بالإعراض عنه وعدم الفراغ منه فإنني لم أعاود مطالعة مسودته ولم أصلح ما أصلح فيها من غلط وسهو ولا أسقطت منها ما يحتاج إلى إسقاط ومحو، وطالت المراجعة مدة وهم للطلب ملازمون وعن الأعراض معرضون وشرعوا في سماعه قبل إتمامه وإصلاحه وإثبات ما تمسّ الحاجة إليه وحذف ما لا بد من إطراحه.

والعزم على إتمامه فاتر، والعجز ظاهر للاشتغال بما لا بد منه لعدم المعين والمظاهر ولهموم توالت ونوائب تتابعت، فأنا ملازم الإهمال والتواني، فلا أقول إني لا أسير إليه سير الشواني فبينما الأمر كذلك إذ برز أمر من طاعته فرض واجب.. العالم المؤيد المنصور المظفر بدرالدين.. فحينئذٍ ألقيت عني جلباب المهل وأبطلت رداء الكسل وألقت الدواة وأصلحت القلم.. وسمّيته اسماً يناسب معناه: وهو «الكامل في التاريخ»، ولقد طُبع هذا الكتاب عام 1308هـ/ 1886م.

د. يونس قدوري الكبيسي

مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث