أمور كثيرة ومهمة تلك التي راحت ترصدها عينا وأذنا الشيخ الأزهري الشاب رفاعة رافع الطهطاوي حين عاش ردحا في باريس إماما لأول بعثة طلاب أرسلها محمد علي باشا إلى عاصمة النور.. وهو ضم كل تلك المشاهد والطرائف في كتابه «تخليص الإبريز في تلخيص باريس» الذي لعب ولا يزال دوراً نهضوياً كبيراً. وهنا صفحات من هذا الكتاب يحدثنا فيها الطهطاوي عن اكتشافه «المسرح» الذي يكتفي بتسميته «تياتر» وفن الاستعراض الذي يطلق عليه «السبكتاكل».

اعلم أن هؤلاء الخلق، حيث أنهم بعد أشغالهم المعتادة المعيشية لا شغل لهم بأمور القاعات فإنهم يقضون حياتهم في الأمور الدنيوية واللهو واللعب، ويتفننون في ذلك تفننا عجيبا. فمن مجالس الملاهي عندهم محال تسمى «التياتر» أو «السبكتاكل» وهي تلعب فيها تقليد سائر ما وقع.

وفي الحقيقة أن هذه الألعاب هي جد في صورة هزل، فان الإنسان يأخذ منها عبر أعجبيه، وذلك لأنه يرى فيها سائر الأعمال الصالحة والسيئة، ومدح الأولى وذم الثانية، حتى أن الفرنساوية يقولون إنها تؤدب أخلاق الإنسان وتهذبها. فهي وان كانت مشتملة على الضحكات فيها الكثير من المبكيات.

ومن المكتوب على الستارة التي ترخى بعد فراغ اللعب، وباللغة الوطنية ما معناه باللغة العربية:«قد تنصلح العوائب اللعب» وهذه «التياترات» هي بيوت عظيمة، لها قبة عظيمة وفيها عدة أدوار كل دور أوفى موضوعه حول القبة من داخله. وفي جانب من البيت مقعد متسع يطل عليه من سائر هذه الأرض بحيث أن سائر ما يقع فيه يراه من هو في داخل البيت. وهو منوّر بالنجفات العظيمة وتحت ذلك المقعد مكان للآلاتية.

وذلك المقعد يتصل بأروقة فيها سائر آلات اللعب وسائر ما يصنع من الأشياء التي تظهر وسائر النساء والرجال المعدة للعب. ثم إنهم يضعون ذلك المقعد كما تقتضيه اللعبة، فإذا أرادوا تقليد سلطان مثلا في سائر ما وقع منه، وضعوا ذلك المقعد على شكل سرايا، وصوروا ذاته وانشدوا أشعاره وهلم جرا. ومدة تجهيز المقعد يرخون الستارة لتمنع الحاضرين من النظر ثم يرفعونها ويبدأون اللعب.

ثم النساء اللاعبات والرجال يشبهون العوالم في مصر. واللاعبون واللاعبات بمدينة باريس، فضل عظيم وفصاحة، وربما كان لهؤلاء الناس كثير من التأليف والأشعار وما يبدو به من التوريات في اللعب وما يجاوب به من التنكيت والتبكيت لتعجبت غاية العجب.

ومن العجائب أنهم في اللعب يقولون مسائل في العلوم الغربية والمسائل المشكلة ويتعمقون في ذلك وقت اللعب، حتى يظن أنهم من العلماء، حتى أن الأولاد الصغار التي تلعب تذكر شواهد عظيمة من علم الطبيعيات ونحوها. ثم إنهم يبدأون اللعب بآلات الموسيقى، ثم يلعبون ما يريدون لعبه، واللعبة التي تظهر في ورقة وتلصق في حيطان المدينة، وتكتب في الرسائل اليومية ليعرفها الخاص والعام وفي الليلة يلعبون لعبات وبعد فراغ كل لعبة ترضى السفارة.

إذا أرادوا مثلا لعب شاه العجم البسوا لبس ملك العجم واحضروه وأجلسوه على كرسي وهكذا.. وهم في هذا «السبكتاكل» يصورون سائر ما يوجد حتى أنهم يصورون شق البحر لموسى، عليه السلام، فيتصورون البحر ويجعلونه يتماوج حتى أنه يشبه البحر شبها كليا.

وقد رأيت مرة في الليل أنهم ختموا «التياتر» بتصوير شمس تم تسييرها وتنوير «التياتر» بها حتى غلب نور هذه الشمس على نور النجف حتى كأن الناس في الصباح ولهم أشياء أغرب من هذا. وبالجملة فالتياتر عندهم كالمدرسة العامة يتعلم فيها العالم والجاهل. وأعظم السبكتاكل في مدينة باريس تلك المسماة «الأوبرا» وفيها أعظم الآلاتية وأهل الرقص وفيها الغناء على الآلات والرقص بإشارات كإشارات الأخرس تدل على أمور عجيبة. ومنها تياتر تسمى «أوبرا كوميك» فتغنى فيها الأشعار المفرحة.

وبها «تياتر» تسمى «التياتر الطليانية» وبها أعظم الآلاتية، وفيها تنشد الأشعار المنظومة باللغة الطليانية، وهذه كلها من السبكتاكلات الكبيرة، وفي باريس «سبكتاكلات» صغرى وهي مثل تلك إلا أنها صغيرة وهناك أيضا «سبكتاكلات» أخرى يلعبون فيها الخيل والفيلة ونحوها. ومنها «التياتر» المسمى «تياتر كرنكوني» وفيها فيل مشهور بالألعاب الغريبة، معلم تعليما عجيبا.

وكما أن معظم«التياترات» «الأوبرا» تسمى «تياتر الكمت» وهي معدة لنزهة الصغار كالحلوى في مصر. و«الكمت» اسم معلم هذه «السبكتاكل» وهنا كل اللاعبين واللاعبات صغار السن. ولو لم تشمل «التياتر» في فرنسا على الكثير من النزعات الشيطانية لكانت تعد من الفضائل العظيمة الفائدة. فانظر إلى اللاعبين بها فإنهم يحترزون ما أمكن عن الأمور التي يفتتن بها، المخلة بالحياء. ففرق بعيد بينهم وبين عوالم مصر وأهل السماع ونحوها.

ولا اعرف اسما عربيا بمعنى «السبكتاكل» أو «التياتر» غير أن لفظ «سبكتاكل» معناه: منظر أو متنزه أو نحو ذلك. ولفظ «تياتر» معناه الأصلي كذلك، ثم سمي بها اللعب ومحله، ويقرب أن يكون نظيرها: أهل اللعب المسمى خيالا، بل الخيالي نوع منها. ويشتهر عند الترك باسم «كمدية» وهذا الاسم قاصر إلى أن يتوسع فيه. ولا مانع أن تترجم لفظة «تياتر» أو «سبكتاكل» بلفظ خيالي، ويتوسع في معنى هذه الكلمة.

ويقرب من تصوير «السبكتاكل» أو هو منها مواضع يصور فيها للإنسان منظر بلد أو أرض أو نحو ذلك «بانوراما» وهو محل تنظر فيه فترى المدينة التي تريد تصويرها ففي صورة مصر ترى انك على منارة السلطان حسن مثلا، والرميلة تحتك وباقي المدينة.

ومنها «كسمورمة» وفيه صورة بلدة ثم أخرى، وهكذا ومنه «ديورمة» وفيها صورة دار، ومنها «اورانورمة» وفيه صورة الفلك الأعظم وسائر ما يحتوي عليه مصورا على مذهب الإفرنج..فالمتفرج فيه يمكنه أن يطالع علم الفلك، ومنها «اوروبرمة» وفيه صورة بلاد الإفرنج.

ومن المتنزهات محال الرقص المسماة «البال» وفيه الغناء والرقص وقلّ إن دخلت ليلا في بيت من بيوت الأكابر إلا وسمعت به الموسيقى والمغنى، ولقد مكثنا مدة لا نفهم لغنائهم معنى أصلا لعدم معرفتنا بلسانهم. ولله در من قال في مثل هذا الأمر: «ولم افهم معانيها ولكن ودت كبدي فلم افهم شجاها. فكنت كأنني أعمى مضى يحب الغانيات ولا يراها».

و«البال» قسمان: «بال» عام ويدخله سائر الناس كالبال في القهاوي والبساتين، و«البال» الخاص، وهو أن يدعو الإنسان جماعة للرقص والغناء والنزهة ونحو ذلك إلى الفرح في مصر. و«البال» دائما مشتمل على الرجال والنساء، وفيه وقدات عظيمة وكراسي للجلوس والغالب أن الجلوس للنساء ولا يجلس احد من الرجال إلا إذا اكتفت النساء.

وإذا دخلت امرأة على أهل المجلس ولم يكن كرسي خاليا قام لها رجل وأجلسها ولا تقوم لها امرأة لتجلسها فالأنثى دائما في المجلس معظمة أكثر من الرجل. ثم إذا الإنسان دخل بيت صاحبه فانه يجب عليه أن يحيي صاحبة البيت قبل صاحبه ولو كبر مقامه ما أمكن فدرجته بعد زوجته أو نساء البيت.

ومن المتنزهات جمعية للناس كضمة مصر، إلا أن فيها دائما آلات الموسيقى والرقص والغناء . وبين كل نوبة من الموسيقى والغناء يقسم على الحاضرين بعض الأطعمة والمشروبات الخفيفة. وبالجملة فالموسيقى بالأصالة والشراب الخفيف بالتبعية هما حظ هذه المجالس.