الأستاذ الإمام محمد عبده، دعاه تلميذه الإمام رشيد رضا إلى كتابة تفسير للقرآن في أعداد مجلة المنار التي ساعده على إصدارها، فلبى دعوته، فسمي تفسير المنار، الذي جمع فيما بعد وسمي «تفسير المنار»..!
انحدر الشيخ محمد عبده من أسرة مصرية تنتمي إلى طبقة الفلاحين في الوجه البحري بمصر ـ أي الذين اتخذوا زراعة الأرض وفلاحتها مهنة لهم وسبباً للرزق ـ وانتسب أبوه عبده بن حسن خير الله، إلى عائلة تركية الأصل نزلت منذ زمن بعيد في مديرية البحيرة، وكانت أمه من قرية بالقرب من طنطا في مديرية الغربية وهي من أسرة كبيرة اشتهر ان نسبها يتصل بقبيلة بني عدي، التي ينتمي إليها عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين، ولكن كلتا الأسرتين نزلت أرض مصر، واستقرت بها زمنا طويلاً ما طبعها بطابع الفلاحين المصريين، وميزها بخصائصهم فعاشوا على غرارهم.
وولد الإمام عام 1849 في ختام عهد محمد علي، وكان ان فر أبوه من قريته هربا من ظلم الحكام في مديرية البحيرة ليقيم بمديرية الغربية، وتنقل بين قرى كثيرة بها، واقترن في هذا العهد المتقلب والمضطرب بزوجه التي أعقب منها ولده محمداً، وبعد سنوات من مولده عاد والده مع أسرته إلى قرية «محلة نصر» واشترى قطعة من الأرض، وهنا نشأ محمد عبده نشأة صبيان القرى الصغيرة في مصر.
وبرع في السباحة والفروسية ولعب السلاح، وأحب حياة الريف وما تستتبعه من نشاط، حتى ألف ذلك في شيخوخته، وكذلك معظم ما امتاز به من الصفات في رجولته، ولاسيما حياؤه وتحفظه ووقاره ومؤانسته يشف عن أحسن مظاهر وعادات أهل القرى في ريف مصر، ويظهر لنا ان إدراكه لحاجات العامة إدراكاً مشرباً بالعطف، ورغبته الملحة في انهاض الأمة من كبوتها وجمودها وتأخرها.
إنما هما من ثمرات حياته الريفية الأولى عندما كان يستمع إلى أحاديث الناس وحواراتهم عن عهد محمد علي، الذي كانت لا تزال صورته ماثلة في أذهان من هم أسن منه حيث كان الناس في مصر، كدأبهم منذ الأزمان السحيقة، ينوءون بعبء ثقيل من حكم ينخدع الناس بمظاهره البراقة.
ولما بلغ العاشرة من عمره حفظ القرآن كله في عامين، فأوفد إلى الجامع الأحمدي بطنطا، ليتم تجويد القرآن ويتعلم فنون التجويد وقواعد العربية ويتفهم أسرارها لكنه فشل لفساد نظام التعليم الذي يفرض عليه حفظ متن الأجرومية وشرح الكفراوي عليها، فهرب عند أخواله شهوراً، ولما عثر عليه أخوه لأمه وأعاده إلى المسجد الأحمدي، دون فائدة، جمع ملابسه وعاد إلى القرية يلاحظ زراعته ويتزوج وهو في السادسة عشرة من عمره.
ولكن شاءت إرادة الله ان يلتقي برجل حكيم يدعى الشيخ درويش خضر، وكان قد سبقت له أسفار إلى ليبيا وتعلم وتصوف على الطريقة السنوسية، واستطاع هذا الشيخ ان يعالج نفور الإمام من العلم ويعود به إلى الطلب، بعودته إلى معهده بطنطا ثم إلى الجامع الأزهر، ويتلقى تعليم الأزهر المعروف ولا يكتفي بدرسه ولكنه يتلقى المنطق والرياضيات والهندسة على أيدي أساتذة غير أساتذة الأزهر.
ثم جاء جمال الدين الأفغاني إلى مصر، وكان شخصية أسطورية تميزت بالعلوم والفنون والحكمة والتصوف، دائماً جواداً يسخو إلى غير حد في بذل كنوز حكمته إلى كل من حضر مجلسه سواء أكان من مريدي الحكمة أو لم يكن من مريديها، مما جعل محمد عبده يتعلق بهذه الشخصية ويفيد منها أعظم إفادة، وتتطور شخصيته وتتفجر طاقاتها الكامنة لتنفتح على العلم بأجمعه سواء أكان مما هو مقرر من مقررات الأزهر أم من غير مقرراته.
ومن هنا أوغرت عليه صدور الجامدين، فحينما آن أوان التقدم للحصول على العالمية، كانت اللجنة المعقودة لاختباره قد عقدت العزم على عدم منحه ما يستحقه من درجة علمية، بل على إسقاطه، لولا ان تدخل الشيخ العباسي شيخ الأزهر، فأعطوه العالمية من الدرجة الثانية، ليبتعد عن الجامع الأزهر، لكنه عاد إليه مدرساً وطالباً رغماً عنهم، إذ فرضه علمه وحكمته وعطاؤه..!
ورأى محمد عبده في نفسه موهبة التعليم، فقال عن نفسه: (إنما خلقت لكي أكون معلماً).. وان العلم الذي تلقاه على جمال الدين، والرغبة الملحة التي كانت تتأجج في صدره، لخدمة دينه ووطنه، كان معهما باعث آخر دفعه إلى الانكباب على تعليم الناس عقب فراغه من دور التحصيل. فأقبل في حماس على التدريس في الأزهر بعد حصوله على العالمية، وقرأ فيه دروساً في مواضيع كثيرة متنوعة، وأخذ في درس العقائد درساً جديداً على أساس البراهين القطعية التي أخذها عن جمال الدين.
وكان إلى جانب هذا يقرأ في بيته دروساً في الأخلاق والسياسة لطائفة من الطلاب الذين أقبلوا عليه، فقرأ لهم كتاب تهذيب الأخلاق لابن مسكويه (المتوفى سنة 1030 ميلادية) وهو كتاب في الأخلاق، له قيمة عظيمة في الشرق إلى يومنا هذا، وحاضرهم أيضاً في علم السياسة معتمداً على كتاب «كيزو في تاريخ التمدن» وكان قد نقل حديثاً إلى العربية.
ثم عين مدرساً للتاريخ بمدرسة دار العلوم، فبدأ بتدريس مقدمة ابن خلدون، في أسباب نهوض الأمم وسقوطها، وأصول الحضارة والعمران البشري، والاجتماع الإنساني، ثم يعقب عليها بآرائه الخاصة في الشؤون السياسية والاجتماعية، تلك الآراء، التي كان يستقيها من المصنفات الحديثة ثم يطبق هذا كله، بطريقة علمية على أمر أمته..
ثم عين مع ذلك في المدرسة الخديوية للألسن لتدريس العلوم العربية، فجمع بين العمل فيها والعمل في دار العلوم مع التدريس في الأزهر، وفي الحق، لقد كان تدريسه يهدف إلى تحقيق خطته التي وضعها نصب عينيه وهي: «إيجاد نابتة من المصريين، تحيي اللغة العربية والعلوم الإسلامية، وتقوم عوج الحكومة»..!!
وبعد ان تولى الخديوي توفيق بعد إسماعيل، نفى جمال الدين الأفغاني وأقال محمد عبده من التدريس في دار العلوم والتدريس بمدرسة الألسن وأمره بالاعتكاف في قريته «محلة نصر» على ألا يبارحها.. غير ان ناظر النظار ـ رياض باشا ـ حينما عاد من سفرة كان بها، أصدر له قراراً بتعيينه رئيساً لتحرير جريدة الوقائع المصرية وهي الجريدة الرسمية وأعطي مع ذلك صلاحيات بحق المراقبة على الجرائد الوطنية والأجنبية التي تصدر في القطر المصري، لكن الحركة العرابية كانت أخذت سيرها حثيثاً.
وقدمت مطالبها إلى الخديوي توفيق وبعد شد وجذب سيقت إليهم المناصب التي رأوا أنها تحقق لهم مرادهم، حتى أصبح عرابي ناظراً للحربية، وأقبلت جيوش انجلترا فضربت الاسكندرية لكنها هزمت في كفر الدوار، ثم هزمته في التل الكبير بعد الخيانة الفاحشة، ثم تقرر نفيه ومن معه، وكان الشيخ محمد عبده خصماً للثورة العسكرية، وان كان الروح المحركة للحركة العقلية التجديدية، ومن أجل ذلك حكم عليه أيضاً بالنفي ثلاث سنين، بعد ان حبس ثلاثة أشهر وكان نفيه إلى بيروت..!!
وقضى سنة في بيروت، ثم لحق بجمال الدين في باريس، ليشتركا معاً في تأسيس جمعية العروة الوثقى، ويصدران جريدة العروة الوثقى، ثم إذ تعطلت الجريدة افترق الصديقان، فذهب جمال الدين إلى روسيا، وذهب محمد عبده إلى تونس ومنها رحل متنكراً إلى عدة أقطار يدعو الناس إلى الاستيقاظ والنهوض من الوهدة القاتلة التي غرقوا فيها..!
وعاد إلى بيروت، ليلقي دروساً في التفسير في مسجدين من مساجد المدينة، ويقوم بالتدريس في المدرسة السلطانية، في التوحيد والفقه والتاريخ الإسلامي والمنطق والمعاني والإنشاء، ثم ترجم رسالة الرد على الدهريين ـ أي دعاة الطبيعة ـ التي وضعها أستاذه جمال الدين الأفغاني بالفارسية، وفي الأدب درس لطلابه كتاب (نهج البلاغة) في الأدب، وكانت دروس التوحيد هي رسالة التوحيد المشهورة، وفي هذه الفترة اقترن به السيد محمد رشيد رضا..!
وفي هذه الأثناء وبعد ان أقام نحو ثلاثة أعوام ونصف في بيروت، صدر عفو الخديوي توفيق باشا فعاد في أواخر سنة 1888 ميلادية، وكان قد تزوج في بيروت للمرة الثانية بعد وفاة زوجه الأولى..!
ورفض الخديوي ان يعود إلى التعليم سواء في الألسن أو دار العلوم أو الأزهر خوفاً من أثر دعوته وأثر تعاليمه في التربية والتوجيه، فعينه قاضياً في المحاكم الابتدائية الأهلية ببنها ثم الزقازيق ثم القاهرة ثم ألحق مستشاراً بمحكمة الاستئناف في القاهرة..!
علي عيد