يعتبر الكاتب المغربي طاهر بن جلون من أشهر العرب الكاتبين بالفرنسية، ما يضعه في الصف الأول من كتاب فرنسا نفسها، ولا سيما منذ أن نال جائزة «غونكور» الأدبية الشهيرة. في هذه السطور التالية المنتزعة من ذكريات دونها طاهر بن جلون، نطل إطلالة ما على مدينة طنجة التي أمضى فيها، كما يخبرنا، طفولته وصباه على الرغم أنه هو فاسي الأصل وطنجة ليست مدينته إلا بالتبني.

ومن خلال إطلالة بن جلون هذه نطل على مدينة تبدو دائما كالسحر والأسطورة لمن يعرفها وكخليط عجيب من المناطق والبشر والشعوب واللغات لمن يعرفها.

أذكر اليوم الذي حططت فيه الرحال للمرة الأولى في طنجة مع والدي. كنت في العاشرة من عمري وكان ذلك في العام 1955 كنا قد تركنا فاس، حيث كانت تجارة الوالد قد أصيبت بالكساد وركبنا القطار الشهير: قطار فاس- طنجة، الذي كان أول خط حديد يربط بين مدينتين من مدن الشمال المغربي، ولقد احتجنا يومها إلى ما يقرب من 15 ساعة لاجتياز الكيلومترات الثلاثمئة والخمس عشرة التي تفصل ما بين المدينتين، بيد أن علينا ألا ننسى هنا أنه كان ثمة، في الطريق، عبور لحدود دولية في عربوة التي تبعد نحو 120 كلم من طنجة، هناك كانت تبدأ المنطقة الإسبانية.

أجل ذلك كان يتعين على المغاربة أن يحملوا جوازات سفرهم إن هم أرادوا الانتقال داخل بلدهم، من المنطقة الفرنسية إلى المنطقة الإسبانية.

بالنسبة إلى فتى آت من مدينة فاس، كانت المسألة أكثر من مجرد رحلة. كانت عملية استكشاف، الرحلة آنذاك كانت أشبه بالهجرة، بالانتقال من بلد إلى آخر، وعلى الصعيد السياسي كانت طنجة تعيش نوعا من الحياد المعلن في الصراع القائم بين الوطنيين المغاربة والمحتل الفرنسي، كان المناضلون يلجأون إليها وكذلك كان يفعل زخائنو القضيةس ومع هذا في طنجة نفسها كان الملك محمد الخامس قد أطلق دعوته الاستقلالية في العام 1947 ولم يكن قد صار ملكا بعد...

* البحر... البحر

إذن، هكذا وصلت إلى المدينة التي كان البحر فيها في متناول يدي، أنا الذي ما كنت عرفت من البحر قبل ذلك لا لونه ولا عطره. بل إنني شعرت أنني بت أملك أكثر بكثير مما كنت أتوقع: لم يكن في مواجهتي بحر واحد بل بحرين، البحر الأبيض المتوسط إلى الشرق والمحيط الأطلسي إلى الغرب. وفي الوسط المضيق، ذلك المكان الذي تختلط فيه المياه كله... تكمن الأسطورة الكبرى، أسطورة هرقل ومآثره.

بسنواتي العشر لم أكن أعرف أين أوجه عيني في تلك المدينة المغمورة ضياء، المجنونة بأسرارها وخوارقها، كانت سعادتي أنني هنا لم أعد مضطرا للمشي بين الحجارة وإلحاق الأذى بركبتي. فعلى العكس من شوارع فاس، تحفل طنجة بالشوارع المعبدة والمرصوصة. وهكذا بت أمضي جلّ وقتي متنقلا ماشيا.

وفي ذلك الحين بالتحديد اكتشفت أمرا خارقا: اكتشفت أنه في إمكان الناس أن يشتروا المال ويبيعوه. في ذلك الحين كنت أعتقد أن الفرنك المغربي نقد عالمي، يستخدمه الناس أجمعون في شتى بقاع الأرض، ولكن فجأة بدأت أفهم كيف أن لبعض النقود قيمة تفوق قيمة البعض الآخر.

ولكن كيف يمكن تفسير مثل هذا الأمر لفتى بالكاد بدأ يفهم معنى بعض الرموز المجردة؟ فيما بعد فهمت ذلك بالممارسة، فوالدي الذي كان قد فتح دكانا صغيرا لبيع الأقمشة في شارع لافونتين الجديد، كان يرسلني إلى السوق الصغير وتحديدا إلى سوق الصاغة حيث أقوم باستبدال شتى أنواع النقود، بالنقد الذي كان الأكثر رواجا في ذلك الحين:

البيزيتا الإسبانية وحتى الآن ما أزال أذكر صواني النقود جالسين إلى طاولاتهم في حوانيتهم الصغيرة، يهزون في قبضاتهم رزم الأوراق النقدية المختلفة البلدان ويسجلون بالطبشور على ألواح أسعار العملات الرئيسية وكنت أتنقل بين طرف وآخر أحاول أن أفك الطلسم وأنهم من الذي يقرر قيمة هذه العملة أو تلك. لكنني سرعان ما تخليت عن محاولاتي وصرت أشارك شخصيا في لعبة الصرافة، مساعدا في هذا والدي وعددا من جيرانه التجار.

كان يسحرني من تلك المدينة، كذلك، خليط السكان فيها، ففي فاس كان المغاربة المسلمون يعيشون جميعا في المدينة والمغاربة اليهود في منطقة «الملة» أما الفرنسيون فكانوا يعيشون في المدينة الجديدة. كان كل طرف يعيش في حيز يلائمه، أما في طنجة فلم يكن ثمة حي خاص بهذه الجالية أو تلك، صحيح أنه كانت هناك أحياء يكثر فيها الفرنسيون وأخرى يكثر فيها الإسبان وهكذا... غير أن الشعب الطنجاوي كان خليطا من كل الأجناس والأديان.

وكان بعض المغاربة يرون أن الاستعمار الإسباني أقل مدعاة للاحتقار من الاستعمار الفرنسي قائلين أن سروال الإسباني مرقع وهو أقل رغبة في السيطرة.

في العام 1956، أي عام استقلال المغرب حين أعيدت طنجة إلى الوطن الأم وأزيل عنها طابعها الرسمي كمدينة مدولة، احتاج السكان إلى مرور وقت لا بأس به قبل أن يدركوا حقيقة ما حدث. فبالنسبة إليهم كان مجرى الأمور في طنجة ثابتا خالدا لا يتغير ومع هذا توجب عليهم بعد ذلك أن يعترفوا بما هو بديهي وأن ينتزعوا أنفسهم من صورة الأسطورة ومن خيوط الخرافة.

توجب على طنجة أن تستعيد وضعها الطبيعي وأن تنخرط في حمأة الوضع الحقوقي وتقر بالشرائع المعمول بها في المغرب بيد أن الأعمال كفت عن أن تكون نفس الأعمال وهاجر العرافون إلى سبته (التي ظلت مملوكة لأسبانيا وظل مرفأها حرا) أو إلى جبل طارق كما أن التجار الهنود المتخصصين في بيع أدوات التصوير وغيرها من الأدوات اليابانية الداخلة حديثا عن طريق التهريب فقد اختفوا واحدهم إثر الآخر ومعظم المهاجرين والهاربين عادوا ونظموا حياتهم وأعمالهم في منطقة جبل طارق بينما تحول قسم منهم إلى تجار عاديين يعيشون ويعملون في الدار البيضاء.

في تلك اللحظة عينها ولد في المغرب ذلك الاتجاه شطر القطاع السياحي وصارت المدينة مليئة بالأسواق والحانات والمقاهي. ما جعل السكان يطلقون عليها اسما رمزيا هو (ب.ب.تي) أي الأحرف الأولى من «أسواق» و«حانات» و«مقاه» بالفرنسية.

واليوم بعد كل هذا الزمن تبدو المدينة وكأنها قررت نسيان ماضيها لتعيش حاضرها في حاضرها. والواقع أن المدينة لم تكن هي من تغير بل إن أجيال المرحلة الكوزموبوليتية الذين تركوها ببطء وتدرج هم الذين ماتوا بفعل الجراح التي يولدها البعد والحنين ولقد امتدت المدينة طولا وعرضا بشكل فوضوي، تضخمت وتقلصت كما أن هجرة الناس إلى الأرياف أدت إلى مضاعفة عدد سكان طنجة ثلاث مرات خلال عقدين فقط، فالناس الآتون من كل الأنحاء وخاصة من منطقة الريف يوسعون المدينة التي تصبح مثل قطعة من المطاط بفعل مجرى الأمور وبفعل الفقر.

غير أن هؤلاء ليسوا وحدهم الوافدين على طنجة، فهذه المدينة المتجذرة في خيال والمنفتحة على كل ما هو غرائبي صارت منذ نصف قرن مقصد كبار الكتاب والفنانين الغربيين ممن صاروا معالم من معالم طنجة من فرانسيس يكون إلى دايفيد هوكني ومن رولان بارت إلى خوان غويتسولو أو نورمان كابوت وتنيسي ويليامز وخاصة بول بولز صاحب «شاي في الصحراء» كلهم وغيرهم انجذبوا إلى المدينة كما لو بفعل السحر ليصنعوا لها بدورهم سحراً.