صدر العدد الأول من هذه المجلة الشهرية في 42 صفحة بتاريخ 5 شوال 1319هـ /15 يناير 1902م. وهي مجلة قضائية اجتماعية أدبية منوعة. أسسها في القاهرة نجيب أبوشقرا الذي لم تتوافر عنه أية معلومات في المصادر التي عثرنا عليها.
بدأت المجلة عددها الأول بافتتاحية اتسمت بهجوم عنيف، ونقد لاذع حد المرارة والغمز واللمز تجاه بعض الصحف التي رغم نيلها الحرية والاستقرار من الهيئة الحاكمة، لكنها لا تزال تمارس الاستعباد الداخلي، واللهاث وراء المال، عن طريق قلب الحقائق بذم الممدوح ومدح المذموم، فضلاً عن الجهل والتخريب دون أدنى إحساس بدور الصحافي والصحافة.
ولكي يثبت صاحب المجلة مصداقيته في أهدافه التنويرية ومبتغاه التثقيفي وبعده عن محبة المال والجاه، جعل الاشتراك السنوي في مطبوعته ريالاً مصرياً يدفع مقدماً، وثمن العدد قرشين وهي مبالغ لا تغطي تكاليف الطباعة معتمداً على جزء من دخله الخاص لتسيير أحوال المجلة وتوصيلها للقارئ. إضافة إلى إصرار صاحب المجلة على ابتعاده عن التحزب ونشر موضوعات للراسخين في العلم فقط، فلا مكان للأدعياء في مطبوعته.
ولقد قسمت المجلة صفحاتها إلى ثلاثة أقسام: القضائي والاجتماعي والمتنوع، حيث يختص القسم الأول بانتقاد القوانين ونظام المحاكم ونظام التسجيل، بالإضافة إلى فرد بعض الصفحات للمرافعات وحدود المسؤولين على المرافق العامة، ويتضمن القسم الثاني «اجتماعي، عمران، اقتصادي» سبب الانحطاط الأدبي والعلمي عبر تشخيصه الداء ووصف الدواء لمشاكل التعليم والأمراض الاجتماعية. أما القسم الثالث «متنوع» فسوف يبحث في المسائل الأدبية والفكاهة وغيرها من الموضوعات الخفيفة.
وإمعاناً في إظهار جدية المجلة فقد رصد القائمون عليها جوائز مالية صغيرة، لكنها تشجيعية من أجل استجلاب الكتابات المهمة والرصينة والغنية بالمعلومات ورصانة الأسلوب.
وفي باب «الحقوق والقضاء» كتب نجيب أبو شقرا بوصفه محامياً مقالة عن «التسخير» معرفاً إياه عند المصرين، حيث كان الهدف منه إقامة الصروح العظيمة وحفر الترع وإقامة الجسور، ليهدف من وراء هذه المقالة، بعد التفصيل، إلى ضرورة تخليص المحامين من مساوئ السُخرة عندما يستغلهم الجانون لتبرئة ساحتهم من التهم الموجهة إليهم بسبب ضيق ذات اليد، لذلك يقترح الكاتب أن تخصص الحكومة أتعاب كل قضية حسب النوع ومدة المرافعة ودرجة أهميتها، والوقت المستغرق في تداولها، إضافة إلى مساعدة الحكومة المالية للمحامين خاصة أنها تجني أموالاً كثيرة من قضايا المحاكم.
وتناول باب المباحث الاجتماعية والاقتصادية موضوع «مذهب الاشتراكيين حيث وجدنا مقالة تهاجم بعنف مذهب الاشتراكية واصفة إياها بأنها تجربة صبيانية يقصد منها الرجوع إلى النظامات الأولية القديمة التي تناسب حالات القبائل القليلة، ويسخر الكاتب من الاشتراكيين عندما يقترح عليهم أن يذهبوا بمذهبهم إلى بقعة من الأراضي الجديدة في أواسط أفريقيا مثلاً ويؤسسون هناك مملكة صغيرة تكون الأرض والأبنية فيها ملكاً للجميع.
وتكون رؤوس الأموال مودعة في المصارف تعطي للطالبين بمجرد طلبها بفائدة ربع في المئة ويكون العمل فيها وظيفة عمومية ليستطرد الكاتب بعد ذلك «أنهم لو فعلوا ذلك لقضوا على مذهبهم ولبرهنوا للعالم أجمع ان طرائقهم أوهام وأضغاث أحلام»..
خلاصة المقالة تشير أن مذهب الاشتراكيين لا يراعي حالة التمدن والصيرورة التي يعيشها بنو الإنسان. وتناول القسم الأدبي والفكاهي مبحثاً عن أخلاق الإنسان في كل دور من أدوار الحياة مثل مرحلة الشباب والعقلاء والحكماء والمراهقة، وهي مكانة طريفة وعميقة عن طبائع البشر في التقلب والارتكان في القناعات والسلوكيات والغضب والفرح والصداقة والعداوة وغيرها من تفاصيل حياة الإنسان.
وقبيل انتهاء العدد الأول تثير المجلة قضية عن هيئة سكك حديد حلوان وما يحدث فيها من استبداد بالعاملين بها واستهتارها بمصالح الركاب، ومدى المساخر والهزليات واللامبالاة التي يبديها سائقو عربات هذه الهيئة تجاه أوقات الناس الذاهبين إلى أعمالهم.
وتختم المجلة صفحاتها بالفصل الأول من كتاب «المسؤولية» لمؤلفه نجيب أبو شقرا المحامي تتناول فيه القفزة التي تعيشها مصر في النظام القضائي المتمدين الذي جب ما قبله من محاكم ظالمة أمعنت فترة المماليك في تلويثها بالظلم والعدوان على حقوق الإنسان.
مجدي أبو زيد
بالتعاون مع مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث