يعمل الصوم على توثيق الصلة والعلاقة الدائمة بالله تعالى، بشعور الصائم المستمر بأنه يعبِّر خلال صومه عن الاستجابة الدائمة لإرادة الله سبحانه، وينفذ أوامره. وهكذا فرض الصوم ليحقق أسمى مراتب العبودية، وهي الشعور بالخشوع والذل والمسكنة لله وحده لا شريك له.

والصوم تربية على الصدق مع الله، وعلى احترام القانون الإلهي، والحفاظ على يقظة الضمير، والرقابة الذاتية، مما يغرس في النفس الأمانة بطريقة عملية، ذلك لأن الصوم يربي في نفس الصائم الالتزام بعهد الصيام، والامتناع عن كل ما منع عنه من دون أن يكون عليه رقيب غير الله، فلا يقرب الأكل والشرب والفواحش وغيرها من المنكرات.. بدافع الأمانة.. ولذلك يقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «إن الصوم أمانة فليحفظ أحدكم أمانته».

يُعتبر الصوم من أهم الوسائل الفعالة في تربية الشخصية وغرس الأخلاق الكريمة في النفوس، فهو يربي قوة الإرادة، ويغرس فضيلة الصبر، والقدرة على التحمل، واحتمال الجوع والعطش، ومغالبة الشهوات والمنكرات، على ما يسببه الصوم من تهذيب للنفس بكبح جماح شهواتها وسيئاتها والحد من إسرافها في مطالبها. ولذلك وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوم بقوله: «الصيام نصف الصبر».

* معالم الصوم في حياة الأمة

والصوم، عبادة جماعية يمارس فيها المسلمون حياة الاتحاد والشعور بالوحدة على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم. ويعيشون وحدة المشاعر، ووحدة الأمة أمة محمد والاتجاه، ووحدة الأخوّة والشعور بالمساواة والعدالة في جميع حقوقهم الإنسانية والفكرية مذهباً وفكراً وعملاً وواجبات، فيتآخون، ويتعاونون، ويتآزرون، ويتدارسون مشكلات أحوالهم أينما كانوا ويقطعون دابر كل فتنة تدخل عليهم من الخارج أو تخرج من بينهم، ويتقاسمون العمل في سبيل المسلمين والإسلام ومدى رحمة إنسانيته ورحمته،

ولكي يحقق الإسلام فكرة المجتمع السليم، بادر إلى وضع التشريعات والأسس التي تكفل صناعة المجتمع الأمثل على عين الله وحبه ورضاه من التأكيد على قرابة الدين والإيمان في إطار مبدأ المؤاخاة: «إنما المؤمنون إخوة»، «يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، «واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداءً فألّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً»، فهو وسيلة إيجابية لإظهار الوحدة بين كل الدول الإسلامية،

وإظهار مكانتهم في العالم. فهم قوة ضاربة إذا اعتدى على دولة من دولهم وعلى اختلاف مذاهبهم وطوائفهم وأفكارهم.. مما توجه رسالة مباشرة وغير مباشرة إلى أعداء الإنسانية. لتفكر وتحسب ألف حساب قبل أن تقدم على فعلتها الشنيعة ضد أي دولة من دولهم أو ضد أي مذهب أو طائفة من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.. كيف لا،

وها هي مشاعر أفرادها كلها وعلى اختلاف ألوانهم وأشكالهم ومذاهبهم وطوائفهم، تجتمع بصيام هذا الشهر المبارك الذي فُرض عليهم.. شهر رمضان، الذي أنزل فيه كتابهم الواحد الذي يستضيئون بنور هديه ورحمته وأمنه وسلامه ودستورهم في الحياة.. كتاب الله القرآن الكريم.

وكذلك ينشر الصوم بين أفراد المجتمع السلام والمحبة الصادقة السليمة، إذ يمتنع الصائم عن السبّ واللعن والفحش والاعتداء وسفك دماء بعضهم بعضاً، ويتسامح الناس بعضهم مع بعض، التي بارك الله جل جلاله فيها شهر رمضان بليلة هي خير من ألف شهر ليلة القدر التي هي سلام حتى مطلع الفجر.. التي أراد الله أن يهذب بها ويربي فيها نفوس المسلمين على روح التسامح والسلم والسلام فيما بينهم.

وهكذا يعيش أفراد المجتمع أجواء شهر الصوم رمضان في رحاب الود، والتعاطف والإحساس المشترك الروحي، وتحت ظلال الإخاء والألفة بينهم، عن طريق درء الفتن وحقن دماء المسلمين فيما بينهم، ومساعدة بعضهم بعضا من غير بخس لحقوقهم الإنسانية وأن اختلفوا مذهباً وفكراً، والتقاء بعضهم ببعض، وتزاورهم واجتماعهم في مجالس الوعظ، والذكر، والعبادة، والتآلف الاجتماعي، وعن طريق المشاركة في ولائم الإفطار، والدعوات المتبادلة.

والصوم دعوة روحية ليحس الغني بإحساس الفقير وعوزه إذا جاع فيشمله ببره، وليؤدي هذا الواجب العبادي دوره الاجتماعي والإصلاحي في الحياة، بنمو الإحساس والمشاركة الوجدانية عند الأغنياء للطبقات الفقيرة والمحرومة، ليحس الأغنياء بآلام الفقراء، ويشعروا بحاجتهم التي يعانونها،

وهكذا الصوم يقيم المجتمع الإسلامي على أساس من التوادّ والتراحم والتعاطف بكثرة الصدقة فيه إذ أن من أهداف الصوم بر الفقراء والعطف على المحتاجين، فيكون هذا الإحساس سبباً لتصحيح العلاقات الاجتماعية والمعاشية بين فئات المجتمع الإسلامي، ومنطلقاً لإشادة مجتمع متآخ متعاون.

والصوم يُعتبر ضمن وسائل إعلان مساواة الناس جميعاً أمام الله خالقهم وحده وربهم الواحد الأحد.. إذ يتساوى عملياً أفراد المجتمع الإسلامي وعلى اختلاف ألوانهم وأشكالهم ومذاهبهم وطوائفهم.. فليس هناك شعب مختار من مذهب دون مذهب أو طائفة أخرى.. فيصومون ويفطرون في وقت واحد مهما تباينت درجاتهم واختلفت ألوانهم وبعدت أماكنهم فهو إذاً دعوة ربانية عملية إيجابية للمساواة.

الحقيقة ليس لدينا الكثير مما نريد أن نضيفه في هذا الجانب من فضل الصوم على الناحية البدنية من وقاية وعلاج.. يكفي أن هناك الكثير من الدراسات العلمية والطبية سواء في بلاد الإسلام أو الغرب التي تشيد بالصوم وتحث عليه، لما ثبت لديها بأنه خير وسيلة علاجية بطريق طبيعي لأجهزة الجسم أو غيرها من الأعضاء.

وقد اعترف الأطباء الأجانب من غير المسلمين بفوائد الصوم وعلى رأسهم الطبيب العالمي الدكتور الكسيس كاريل الحائز على جائزة نوبل في الطب والجراحة إذ يقول في كتابه الذي يُعتبر حجة في الطب «الإنسان ذلك المجهول» ما نصّه: «إن الأديان كافة لا تفتأ تدعو الناس إلى وجوب الصوم، يحدث الحرمان من الطعام أول الأمر الشعوب بالجوع.. بيد أنه تحدث إلى جانب ذلك ظاهرة خفية أهم بكثير منه، فإن سكر الكبد وتضحي جميع الأعضاء بمادتها الخاصة للإبقاء على كمال الوسط الداخلي، وسلامة القلب، وإن الصوم لينظف ويبدّل أنسجتنا».

والصوم بدوره، يجسّد نمطاً من الممارسة الجسمية التي تقترن بمعطيات متنوعة في حقل الصحة الجسمية والنفسية والعقلية.. حيث «التدريب» على ممارسة «التأجيل» لأقوى دافع بيولوجي في التركيبة البشرية «الجوع والعطش وكبح إسراف الشهوات» يُعد أثرى مساهمة في حقل الصحة النفسية من حيث اكتساب سمات «السواء»، بحيث يترتب على ذلك أن يتم لدى الشخصية «استعداد» لتأجيل شهواتها، وعلى مواجهة «الإحباط» ما دام هو السمة التي تطبع الحياة الذي يتم حيناً على حساب الصحة النفسية والعقلية بما يترتب عليه من آثار القلق والصراع والتوتر عليه.

حينئذٍ فإن «التدريب» على مواجهة الإحباط هو الذي يجعل الشخصية «متوازنة» محتفظة بتماسكها وقدرتها على ذلك، بحيث يجيء «الصوم» ـ على نحو الإلزام والندب أيضاً ـ عنصراً مساهماً بفاعلية في تكييف الشخصية على تقبل الإحباط.

أما المساهمة الأخرى لممارسة «الصوم» في تدريب الشخصية على اكتساب سمات «السواء» فهي «التعامل مع الآخرين». فالإحساس بالجوع، والعطش، يدع الشخصية «متحسسة» بشدائد الآخرين، ومن ثم يدفعها إلى التفكير بمدّ يد المساعدة إليهم.. ومجرد هذا الإحساس، كافٍ بأن يدرِّب ويهذِّب «الشخصية» على ممارسة السلوك الغيري، أي «التنازل عن الذات» والتوجه نحو الآخرين بإخراجها من السلوك الشهواني الهدام، الذي يحصر فيها الإنسان همّه لإشباع ذاته الأنانية، ورغباته الحسية وهو ما يكسبها صحة نفسية وعقلية تتطلع إليها من دون أدنى شك. ولهذا جاء قوله صلى الله عليه وسلم: «صوموا تصحِّوا».

الحقيقة آثار فضائل ورحمة الصيام عديدة وكثيرة مما لا تتسع لنا الأسطر على إيرادها كلها هنا، وخير من يختصر لنا الكثير مما نريد أن نبيِّنه من فضائل ورحمة هذه الشعيرة «الصيام».

قول رسول الله وخاتم النبيين والمرسلين الذي بُعث رحمة وبشيراً ونذيراً ونور هداية للعالمين محمد بن عبدالله الصادق الأمين صلوات الله وسلامه عليه أبد الآبدين: «شهر كتب الله عليكم صيامه وسننتُ لكم قيامه فمن صامه وقامه إيماناً واحتساباً خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»®. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم».

إعداد: عبدالخالق الجاسم

باحث وكاتب في الفكر الإسلامي والدراسات التاريخية