لطالما أثار موقف تمسك هؤلاء البدو البسطاء، الرحل، البدائيين حسب التصنيف الموضوع من قبل انثروبولوجيي الحقبة الكولونيالية، بأداء شعائر دينهم، أداء الصلاة في أوقاتها المحددة، وما تفرضه تعاليم الدين من صوم، وإكرام الضيف، وإيمان حقيقي بمسألة القضاء والقدر وإرجاع كل أمر في حياتهم مهما كان خطيراً أو تافهاً حسب وجهة نظر الرحالة العابر إلى إرادة الله.

وتسليمهم بعدل وحكمة هذا الإله الذي يعبدونه أدهش هذا الموقف الكثير من الرحالة الغربيين فتناولوه تناولاً لا يخلو أحياناً من تحامل وتشويه يصل حد الاستهزاء والسخرية..أن روح السخرية (الاستعلائية) التي تفوح من هذه «المتاهة الكثيفة» التي يضع فيها الرحالة البريطاني بيير ترام توماس على سبيل المثال قارئه في كتاباته التي، تذكرّنا بكتابات الشاعر والروائي الانجلو ـ هندي روديارد كبلنغ، والذي كان يخلط العبقرية الفنية بالموقف السياسي، أو أن يكون أحدهما مكملاً للآخر.

فضمن هذا السياق احتل كبلنغ موقعاً بارزاً بين شخصيات الأدب الإنجليزي المهيمنة أمثال كونراد، ييتس، لورنس، اليوت، ووندام، المعروفين بمواقفهم شبه الفاشية وروح التعالي على الجميع. فقد شخّص نقاد الأدب، السخرية والدمار والازدواجية في أدب كبلنغ ولا نعتقد أن كتابات توماس هنا تختلف عن باقي كتابات تلك الشخصيات المهيمنة سواء في الأسلوب أو المضمون والأدهى من ذلك كله هو التلهي بالتكرار، رحالة يأخذ عن رحالة،

والأول يكون قد اعتمد على أقاويل وشائعات دون أن يكلف نفسه عناء التثبت من الحقيقة فيما سمع، بهذا التكرار، فإن كل شيء يستطيع أن يغدو مقدساً خاصة وأنه دُوّن. أن موقف هؤلاء الرحالة، توماس وثيسجر وقبلهما داوتي ـ على سبيل المثال ـ موقف المُندهش من تمسك هؤلاء البدو الرحل، البدائيين، أو حتى الجبليين، بأداء شعائر دينهم ـ أداء الصلاة في أوقاتها المحددة ـ وما تفرضه تعاليم الدين من صوم وإكرام الضيف و إيمان حقيقي بالقضاء والقدر،

وإرجاع كل أمر في حياتهم مهما كان خطيراً أو تافهاً (بنظر الرحالة الغربي) إلى إرادة الله وتسليمهم بعدل وحكمة هذا الإله الذي يعبدونه، نقول، ربما جاء موقفهم الذي لا تنقصه عناصر الاستخفاف والسخرية في الحقيقة وليس التعجب، من ممارسات هؤلاء السذج الدينية، ورغم خلطهم الواضح أحياناً العقيدة والعبادة بالأساطير والشائعات وحتى الممارسات التي لا تمت للدين بصلة وعدّها من «طقوسه».

إن مرد تلك النظرة، وجذور ذلك الموقف تعود في حيثياتها إلى منطلقات مسيحية ملخصها كما يشير الدكتور يوسف شلحد في كتابه بنى المقدس عند العرب، «إن الكاثوليكي الذي يدرس الإسلام يندهش أحياناً عندما يستخلص أن هذا الدين بلا إكليروس . وعليه، لا يحتاج هذا المسلم الى وساطة كاهن لممارسة شعائره. ناهيك بأنها شعائر غير قابلة للتضخيم: فهذا الدين لا يعرف التطورات ولا شيئاً مماثلاً للقداس والاعتراف أو المناولة.

وكما يلاحظ بوسكيه ب.َُِِّّّّمُّ بكثير من الحصافة « إن لم يكن سوى مؤمن واحد، أو مؤمنة واحدة في العالم، فإن المسلم لن يجد ما يضيره على الإطلاق في أداء عباداته، وخصوصاً لإقامة الصلاة والصوم وأداء الحج؛ أما البروتستانتي واليهودي فيضيرهما ذلك؛ والكاثوليكي حتى وإن كان كاهناً، فإنه يُصاب بالشلل إذا كان وحيداً: فلا قدّاس ولا اعتراف بدون مساعد». في الإسلام هناك بلا شك جهاز له ألقابه ووظائفه: إمام، مُفْتٍ،مؤذن.

ولكن أياً من هؤلاء الأشخاص لا يتصف بمواصفات كاهنٍ ما بالمعنى الدقيق. ليس هناك أي تراتب ينيطهم بامتيازات دينية: فهم مفروضون في الأمة من قبيل التقوى والتعبد واتساع معارفهم الدينية ليس إلا. حتى بالنسبة للجامع، فانه لا يبدو على الرغم من طابعه المقدس، بأنه ضروري على الإطلاق لممارسة العبادة. فهو ليس «بيت الله»، بل مكان يُجتمع فيه لإقامة الصلاة الشعائرية. إنه رمز الإسلام، وتجسيدها الجماعي للحياة الدينية.

لذا يؤمر المؤمنون بأن يقيموا الصلاة فيه. ولكن الأمر هنا لا يعني الوجوب، إذا يستطيع المسلم إقامة الصلوات الشرعية الخمس في منزله، في الشارع، وأنيّ شاء، حتى في الأماكن العامة، دون أن ينقص شيء من قيمة عبادته وإيمانه. وفي الصحراء تفقد صلاة الجمعة ذاتها طابعها الإلزامي. وتذهب كتب الفقه إلى أن حيازة جامع (مسجد كبير) هي امتياز خاص بأهل المدن، وحدهم، ممن يقيمون في محلة كبيرة.

«إن الاسلام، التوحيدي والعالمي، لا يستلزم لصلاح الصلاة الشعائرية، أن تجري في بيت مخصص لها؛ إنها غير ملزمة بعرف رجال الدين. فهو على الرغم من تشجيعه الاستقرار في الأرض، فهو خلافاً لأقوال دفونتين P.Deffontaines, إن موقفه المؤاتي للتمدن أقل حسماً من موقف المسيحية. والواقع انه متكيف تماماً مع حاجات الحياة شبه البدوية، لدرجة أن حركة إصلاحية مهمة ـ على سبيل المثال ـ كالوهابية، تُمجد الحياة البدائية، حياة الزهد والتقشف،

وتأمل باستكشاف خلاص الأمة الإسلامية بالعودة الكاملة إلى البنى المعاصرة للهجرة. ومع إدانة عقلية البدو اللادينية، يقدم الإسلام تنازلات كبيرة لضرورات الحياة المتشردة لدرجة أن طقسه، إذا قورن بطقس مكة القديمة، يمكنه أن يسجل تراجعاً إلى البداوة. عملياً هو يلغي جنين الاكليروس الذي عرفته الجاهلية العربية من قبل، حصراً.

في المقابل، يُبقي على الأضاحي، وهي إرث مباشر للحياة الرعوية، ويعتمد تقويماً قمرياً محصناً، وهو أقرب إلى عادات البدو من التقويم الشمسيّ. إن الممارسات الشعائرية الأساسية في الإسلام لا تتعارض مع نمط الحياة البدوية، وتبدو فوق ذلك متطابقة مع حياة الصحراء البسيطة والمتقشفة، أكثر من تطابقها مع مستلزمات المدنية.

* عبادة فردية

إن الإسلام إذ ألغى الوسطاء مع القدرة الإلهية، إنما جعل العبادة فردية وأكثر توافقاً مع ضرورات الحياة المتشردة. وفي إمكان أتباعه أداء واجباتهم أنيّ وجدوا، خصوصاً في الصحراء. ويبدو لنا أن القرآن، لهذه الغاية، شَرّع التيمّم أو الوضوء بلا ماء الذي يجيز الوضوء بالرمل عندما ينعدم الماء. من البيّن أن هذه الممارسة لم توضع لأجل المدنيين.

إن هذه المنطلقات، أو الروح المسيحية، التبشيرية، لم تغب عن خطط معظم الرحالة الغربيين الذين جاءوا إلى الجزيرة العربية، ودخلوها تحت مختلف التسميات والحجج. كتب وليم بلجريف عام 1862-1863 دراسة جغرافية، وهي دراسة أو بحث أو مشاهدات هي أقرب ما يكون إلى التقرير الذي يعده بعض المبعوثين لأهداف معينة. وهو على الرغم من دقته المتناهية إلا أنه يشير ـ بكل وضوح ـ إلى أن المهمة التي كان الرحالة الانجليزي يقوم بها هي شيء آخر غير البحث الجغرافي.

فقد تنكر كما قال في هيئة طبيب، توماس أيضاً كان يُعد طبيباً وبعده ثيسجر استخدم نفس الحجّة، كما أنه حشد كماً كبيراً من المعلومات عن منطقة تعتبر من المناطق الصعبة بالنسبة للأوروبيين وحتى بالنسبة لغيرهم في ذلك الزمان. الرحلة تمت سنتي 1862-1863 وتليت الملاحظات على الرحلة في 22فبراير 1864م وسجلت في مجلة الجمعية الجغرافية الملكية في لندن وإن كان هذا لا يمنع من أن تقارير أخرى سرية قد أعُدت أثناء الرحلة.

والبحث مع ما يقدمه من معلومات ومشاهدات غاية في الدقة ويلقي بعض الضوء على طبيعة المبعوثين الإنجليز الذين جابوا الشرق كله خلال القرن التاسع عشر وقبله والذين يعتبرون مقدمات الاستعمار الذي وقع بعد ذلك، وتوماس وثيسجر كمبعوثين إنجليزيين لم تخرج برأينا مهمتهما عن مهمات من سبقهما وإن كانت ميزتهما أنهما اختارا منطقة بقيت معزولة ولم يسمع عنها ربما (المخططون الاستعماريون) من قبل، وهي منطقة الربع الخالي والزاوية الجنوبية الشرقية من الجزيرة العربية نظراً لخطورة ولوجها واستكشافها.

قدّم بلجريف لرحلته بالإفصاح عن تنكره بهيئة طبيب، هذا التنكر الذي قّدم له تسهيلات كثيرة لمشروعه على حد قوله

يقول في المقدمة:» إن الطريق التي سلكتها أثناء عبوري لشبه الجزيرة العربية من غزة إلى مسقط، مارّاً بأكبر عرض لهذه البلاد، قد هيأت لي فرصاً خاصة لملاحظة الأرض وسكانها. وإن بعض الملاحظات التي نجمت عن تلك الرحلة قد تساعد على ملء تلك الفجوات التي توجد في نظرتنا إلى الجزيرة العربية.

وإنني لأشعر بأن نظرتي ستكون غير كاملة، وإنها ناقصة تماماً في بعض المواضع، ويرجع ذلك إلى الظروف التي تم فيها بحثي واستقصائي. وإذا كان قد تهيأ لي في رحلتي الفرص الكثيرة والحرية الكبيرة للقيام بملاحظات جاء بعضها عن طريق التجربة الشخصية والبعض الأخر عن طريق الاستفسار من مصادر موثوقة، فلقد افتقرت في ظروف ماسة إلى الدقة المتناهية. ووفر تنكري كطبيب تسهيلات كثيرة لمشروعي، ونجحت نجاحاً تاماً في منع ريبة المواطنين أو تخفيف هذا الشك، واستطعت أن أزور مطمئناً بعض الأماكن ذات الأهمية الخاصة، وأبقى فيها أو بالقرب منها من الزمن ما يكفي لغرضي.

ولقد وفر لي أيضاً فرصاً مناسبة للقيام بالاستفسارات وجمع المعلومات عن المناطق التي لا أستطيع الوصول إليها أو التي أمر بها في طريقي دون أن أخشى إثارة سوء ظن المواطنين المعتاد أو أن أبدو بمظهر خطر من المبالغة في حب الاستطلاع. ولكن هذا التنكر ذاته حرمني من أن أصطحب معي أدوات حسابية وقياسية لا غنى عنها في الملاحظات الدقيقة وحرمني من الحرية اللازمة للرسم والتصوير

، بل ومن أخذ الملاحظات في الوقت المناسب مهما كانت مهمة، بينما كانت الحكمة تفرض عليّ أحياناً ـ يقصد خشية انكشاف أمره بالطبع ـ أن أقُلل من استفساراتي وبحثي واجعلهما أقل دقة مما لو كنت في ظروف أخُرى وذلك كي لا أبدي شيئاً يفضح تنكري بشخصية طبيب رحال».

إننا لنرى بوضوح أن أسلوب توماس في التطرق إلى تديّن، ديانة، هؤلاء البدو، رغم أنه لولا مساعدتهم له ولثيسجر من بعده لما حقق إنجازه الذي دان له الشهرة، نلحظ في أسلوبه « قطعة من الابتذال والتبسيط الأقرب إلى الاستخفاف أُعدت لتلائم مزاجاً ـ غربياً ممثلاً بقرائه يميل إلى كل ما هو مثير.

* تحد حضاري

لقد كان انفجار الاهتمام الأوروبي الحديث بالإسلام جزءاً مما سمي بـ «الانبعاث الشرقي» وهي مرحلة في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر حين اكتشف الباحثون الفرنسيون والانجليز «الشرق» من جديد ـ الهند ـ والصين واليابان ومصر وبلاد ما بين النهرين والأراضي المقدسة. وقد نظر إلى الإسلام، سواء عن حق او عن باطل. باعتباره جزءاً من الشرق يشاطره غموضه وأسراره وغرابته وفساده وقوته الكامنة ـ صحيح، أن الإسلام كان يشكل تهديداً عسكرياً مباشراً لأوروبا، على مدى المئات من السنين الغابرة،

وصحيح أيضاً أن الإسلام شكل، إبان العصور الوسطى وأوائل عصر النهضة، مأزقاً للمفكرين المسيحيين الذين استمروا، على مدى مئات السنين يرون فيه وفي نبيه محمد أشكال الردة والنفاق، ولكن الإسلام رغم ذلك، كان موجوداً على الأقل بوصفه نوعاً من التحدي الديني ـ الحضاري الدائم، وإن لم يمنع ذلك الامبريالية الأوروبية من إقامة مؤسساتها على الأراضي الإسلامية ـ توماس وثيسجر بلا شك كانا من ضمن أدواتها ـ ومهما يكن قدر العداء بين أوروبا والإسلام،

فقد كانت هناك أيضاً خبرة وتجارب مباشرة، نلمسها عند شعراء وباحثين من أمثال غوته وجيراردي نِرفال والرحالة ريتشارد بيرتون وفلوبير ولْوِي ماسينْون، تميّز إبداعهم بالخيال والرهافة، غير أن الاسلام لم يَلْقَ الترحاب في أوروبا أبداً، رغم وجود هذه الشخصيات ومن شاكلها ـ فمعظم فلاسفة التاريخ المرموقين، من هيغل حتى شبنغلز، نظروا في الإسلام بدون كثير من الحماسة. باستثناء بعض الاهتمام العابر بصوفي غريب الأطوار كانت أولى،

فإن التقاليع الأوروبية الباحثة عن «حكمة الشرق» نادراً ما شملت الحكماء والشعراء الإسلاميين. إن عمر الخيام و هارون الرشيد والسندباد وعلاء الدين ومصباحه السحري وحاجي بابا وشهرزاد وصلاح الدين، يشكلون في الأرجح الأعم، القائمة الكاملة لكل الشخصيات الإسلامية التي يعرفها الأوروبيون المتعلمون في العصر الحديث. ولم يستطيع حتى كارلايل أن يجعل الرسول مقبولاً على نطاق واسع، وأما بالنسبة لمحتوى الدين الذي نشره محمد فقد بدأ الأوروبيون منذ عهد بعيد،

أنه مقبول أساساً انطلاقاً من الخلفية المسيحية، وإن كان مثيراً للاهتمام لهذا السبب عينه. وحين تصاعَدَت المشاعر القومية الإسلامية في آسيا وإفريقيا، مع اقتراب نهاية القرن التاسع عشر، ساد الرأي القائل إن المستعمرات المسلمة لابد أن تظل تحت الوصاية الأوروبية لأنها كانت تدر الربح من جهة ولأنها كانت متخلفة وبحاجة إلى الضبط والنظام الغربيين أيضاً.

أضف إلى ذلك نشوء علاقة تعايش مذهلة، ولافتة بنفس الوقت، وإن تكن هادئة، بين عائلات المبشرين الأميركيين الذين أرُسلوا إلى الدول الإسلامية ـ الجزيرة العربية لتولي مهمة التبشير فيها القس الأميركي زويمر وقد مرّت معنا ترجمته ـ وبين ملاكات الشؤون الخارجية وشركات النفط.

ويرى الدكتور ادوارد سعيد في كتابه تغطية الإسلام أنه إذا كان الخبراء الأكاديميون المختصون في الاسلام، في الغرب، حالياً، أميل الى معرفة مدارس التشريع في بغداد في القرن العاشر، أو أنماط الحياة المدينية المغربية في القرن التاسع عشر. فهم ينصرفون انصرافاً كلياً (أو شبه كلي) عن معرفة ودراسة الحضارة الإسلامية الشاملة ـ أدباً وتشريعاً وسياسة وتاريخاً وعلم اجتماع، وإلى ما هناك.

فلا عجب أن يكون قد تصرف توماس وبعده ثيسجر وقبلهما الحاقد داوتي ثم المخادع لورنس طبقاً لتلك التوجهات ولم يكونوا استثناءً للقاعدة، بل منفذين مخلصين إن لم نقل محترفين في مجالهم. ولا عجب أيضاً، إن نلحظ اهتمام هؤلاء الرّحالة ـتوماس وثيسجر- بالبعرة والبعير والسحالي واليرابيع وطقوس الزار والعلاقة الأثنية بين سكان الجزيرة العربية والجنس الأرمني أو الصومالي أو السنهالي والخ،

وعدم التفاتهم ولو بتحليل بسيط لمعتقدات هؤلاء البشر الذين مرّوا بهم، أو رافقوهم من البدو، وقد قضوا الأيام والليالي بصحبتهم في الصحاري الشاسعة معرضين أنفسهم لشتى الأخطار والمآزق.بل، حتى الخبراء الأكاديميون المشتغلون في ميدان الإسلام، قبل القرن السابع عشر كانوا يعملون أساساً، في حقل أثري.

أضف إلى ذلك أن عملهم، مثله مثل عمل غيرهم من المتخصصين في ميادين أخرى، هو عمل متخصص منغلق إلى حد بعيد. فلاهم رغبوا ولا حاولوا ولو محاولة مسؤولة، أن يشغلوا أنفسهم بالمترتبات الحديثة للتاريخ الإسلامي. وقد كان مثل ذلك العمل الذي انشغلوا به، مرتبطاً إلى حد لا بأس به بأفكار مُسّبقة عن «إسلام تقليدي وكلاسيكي»، أو بأنماط مفترضة لا تتغير للحياة الإسلامية، أو بمسائل لغوية فقهية عفا عليها الزمن.

بالإضافة إلى ذلك، هل يمكن لهذا الرحالة، الذي أتى ليجوب هذه المنطقة المعزولة عن العالم، أنه أن يحافظ على استقلالية الباحث الأكاديمي في حين يعمل مباشرة في خدمة الدولة التي أرسلته؟ وما هي العلاقة لو تساءلنا، بين الولاء السياسي الصريح والرؤيا الثاقبة؟ ألا يستثني أحدهما الآخر، أم أن ذلك يصح في بعض الحالات فقط؟

ويتساءل د. إدوراد سعيد في كتابه (تغطية الإسلام): هل يَتَسّم عمل الباحثين الأكاديميين الذين يعملون في موضوع الشرق الأوسط وموضوع الإسلام في جامعات على غرار برنستون وهارفارد وشيكاغو، يتسمون، فيما يعملون، بالموضوعية والتنزه عن الهوى وعدم الانحياز؟

ويجيب: والجواب هو كلا. لا لأن الاستشراق ـ و عمل توماس وثيسجر لا شك يدخل في هذا المجال في وجه من الوجوه ـ أشد انحيازاً من غيره من العلوم الإنسانية والاجتماعية؛ بل إنّه مؤدلج ملوّث بأدران العالم، كما هي حال غيره من العلوم. ولكن الفارق الرئيسي يكمن في أن الباحثين المستشرقين مالوا إلى استخدام ما توفره لهم مكانتهم، بوصفهم خبراء (توماس كان مستشاراً مالياً بدرجة وزير)، من نفوذ لإنكار، ولتغطية في بعض الأحيان، مشاعرهم العميقة المتأصلة نحو الإسلام باعتماد لغة نافذة تستهدف أن تشهد لهم بـ «الموضوعية» و«عدم الانحياز العلمي».

ومثلما مرّ معنا، وقد تكررت مواقف «عدم الترحيب» بتوماس، تكررت أيضاً مع ثيسجر، وعازفاً على نفس فكرة «عدم الترحيب بالغريب» وهو هنا المسيحي الغربي، ناحياً منحى توماس بربط عقيدة الإسلام بالعدائية لكل من هو غير مسلم؛ ولنلاحظ هنا لغة ثيسجر وهو يذكر هذه المواقف: «شعرت في كل مرة إنني مكروه جداً.

فكنت أقف هناك صامتاً متعالياً على الآخرين، فيما هم يتبادلون الاخبار، والدقائق الطويلة تمر بتثاقل. ومع ذلك، وحتى عندما أتخوف أن يكتشفوا هويتي، كنت أدُرك أنه بالنسبة لي لم تكن جاذبية هذه الرحلة تكمن في مشاهدة البلاد فحسب، وإنما في مشاهدتها تحت هذه الظروف».

تأليف: عمار السنجري