يصدمك مقدار البؤس في منزل أسرة نزار أبو عصبة في مخيم الجلزون قرب رام الله. الباب الخارجي الصدئ المتداعي. جدران الطوب التي مضى عليها ردحاً من الزمن دون أن تحظى بكسوة من إسمنت القصارة. وفي الداخل يصدمك البيت أكثر بجدرانه التي اصطبغت بلون الرطوبة المائل للسواد، وشبابيك الحديد وقد تناثرت بقع الصدأ الصفراء فوق طلائها البالي الذي لم يجدد منذ عشر سنوات، من عمر ابنته دعاء التي تدخل هذا العام الصف الخامس الابتدائي، وفق ذاكرة الأم.
أما أثاث البيت فهو أكثر بؤساً، الأبناء الثمانية ينامون في غرفة بائسة. أربعة أسرة قديمة لأربعة أبناء، فيما يفترش الباقون الأرض، وبقايا خزانة فاغرة فاها في غير موقع بسبب تحطم الأبواب والأدراج. وفي غرفة الجلوس ثمة مقاعد قديمة بالية. وقد حفر الصدأ الإطار السفلي للباب الحديدي حتى بدا موشك على الانهيار.لكن آخر ما يقلق هذه الأسرة هو طلاء البيت وتجديد أثاثه، فهي تنوء تحت وطأة هم أكبر هو توفير الطعام لأفرادها العشرة. «لا يوجد لدينا فلوس للطعام فما بالك لطلاء البيت». قالت الزوجة حليمة 40 عاماً.
ورب هذه الأسرة، نزار أبو عصبة البالغ من العمر 42 عاماً، عاطل عن العمل منذ أربع سنوات. وقد تراكمت أعباؤه خلال هذه الفترة الطويلة التي كافح خلالها للحصول على فرصة عمل منتظم دون جدوى، إلى درجة بات معها توفير الحاجات الأساسية للبيت، من مأكل وملبس وكهرباء وماء، خارج قدرته.
«منذ أربع سنوات، عندما فقد نزار عمله، ونحن نؤجل طلبات الأولاد لحين عثوره على عمل، وهذا العام تفاءلنا خيرا، وتوقعنا له أن يجد عملاً في الصيف، فقد قالوا بأن كل شيء يتغير، لكن للأسف ذلك لم يحصل، وها قد عاد الأولاد إلى مدارسهم وبتنا أمام مطالب لها أول وليس لها آخر، قالت الزوجة.
ولنزار خمسة أطفال في المدارس وضعوا الأسرة هذا العام أمام مطالب كبيرة لا طاقة لها على تلبيتها (ملابس، أحذية، قرطاسية). «أمامنا مطالب كثيرة ولا أعرف كيف سنتدبر أمورنا معها. الأطفال يصبون طلباتهم فوق رأسي ولا يتوجهون إلى والدهم، فهم يعرفون وضعه. لكن في النهاية لديهم طلبات يجب أن تلبى، ولا أحد أمامهم سواي، قالت الوالدة».
وليس أمام هذه السيدة المغلوبة على أمرها سوى توفير هذه الاحتياجات التي لا غنى عنها لأطفالها، لذلك فإنها تلجأ إلى الاستدانة من البقالات لحين توفر فرصة عمل لزوجها.وقالت:« لقد اعتدنا على ذلك، فمنذ أن توقف عمل زوجي ونحن نلجأ للاستدانة من البقالات ومحال الألبسة والخضار ريثما تتوفر له فرصة ليقوم بسداد الدين».
«الناس هنا في المخيم يعرفون بعضهم البعض جيداً، فالمحال التي كنت أشتري أغراض البيت منها عندما كنت على رأس عملي ظلت تعاملني بالطريقة نفسها، الاستدانة لحين توفر العمل والمال، قال نزار.وكان نزار يعمل في سوق العمل الأسود في إسرائيل عندما اندلعت الانتفاضة في أيلول عام 2000.
وبعد ثماني شهور من ذلك التاريخ وجد هذا العامل، الذي لا يملك سوى قوة عمله، نفسه عاطلاً عن العمل. فقد أغلقت السلطات الإسرائيلية «الحدود» أمام العمال الفلسطينيين، ومنعتهم من الوصول إلى مصادر رزقهم في وقت بدأ فيه الاقتصاد الفلسطيني، الخاضع لحصار قاص قل مثيله، حركة تراجع ارتفعت معها نسبة البطالة لتصل في المراحل الأولى إلى 78%. وارتفعت نسبة من يعيشون تحت خط الفقر إلى نسب مماثلة وفق إحصاءات الجهاز المركزي للإحصاء.
ومنذ ذلك الوقت دأب هذا الرجل على البحث عن عمل. أحياناً كان يعثر على عمل لبضعة أسابيع أو أشهر، يعود بعدها إلى البيت، ما راكم عليه التزامات سيظل ينوء تحت ثقلها سنين طويلة قادمة، بينها، على سبيل المثال لا الحصر، مبلغ 40 ألف شيكل أثمان استهلاك مياه وكهرباء.
ويقول:«لقد تنقلت بين عدة أعمال مؤقتة إلى أن انتهى بي المطاف بلا أي عمل. في الأشهر الأولى عملت في مستوطنة بيت إيل المجاورة، وكان هذا صعباً علي، لكن بعد أشهر قليلة منعنا الجنود من دخول المستوطنة. بحثت عن عمل، أي عمل، عرضت نفسي سائقاً أو فراشاً أو حارساً على جميع المؤسسات في البلد، لكن حتى هذا النوع من الوظائف أصبح يتطلب واسطة، عملت لمدة عام في برنامج الطوارئ التابع للوكالة براتب شهري تراوح بين 210-250 دينار أردني.
كما عملت لشهر سائق سيارة غاز. أحياناً أجد عملاً لعدة أيام في ورش البناء، لكن في أغلب الوقت لا أجد عملاً».وأضاف يقول:« لقد بحثت طويلاً عن عمل، لم يبق حي أو شارع في رام الله لم أدخله بحثاً عن عمل حتى أصابني اليأس. والآن لم أعد أبحث. أجلس في البيت، وعندما يحتاجني أحد لعمل هنا في المخيم أقوم به مقابل أجر بسيط».
وكان على هذه الأسرة أن تأقلم نفسها مع مقتضيات بطالة الأب، فلم يعد في متناولها من طعام سوى بعض الخضار الرخيص الذي تستدينه الأم من محل مجاور، أما الملابس فتبقى على الأجساد الهزيلة إلى أن تبلى. ولم يعد لأي أشكال الرفاه الاجتماعي مكان لديها.
«وجبتنا الرئيسية مكونة من الخضار المقلي. فهو أرخص ما يتوفر بين يدي. أذهب إلى محل الخضار وأستدين رخيص الثمن منه إلى أن يتوفر في جيب زوجي بعض المال ليقوم بالسداد. أما الأطفال فلا نلبي لهم سوى ما هو أساسي وقاهر. ابني عبد الرحمن ، 12 عاماً، يطالبني بحذاء أسود شبيه بحذاء صديقه الذي اشتراه له والده من رام الله. قبل أيام مزق قلبي عندما أحضر صديقه إلى البيت ليريني حذاءه كي أشتري له مثله.
دعاء، 10 سنوات، تطالبني بأن أشتري لها سكوتر «زحافة مدولبة» مثل بعض أولاد الجيران، ومعاذ،9،سنوات يطالب ببسكليت «دراجة هوائية»، مثل أصدقائه، ودائماً أقول لهم بأن مطالبهم ستتحقق عندما يعود والدهم إلى العمل». ولا ترفيه في حياة هذه الأسرة، والوحيد من الأطفال الذي أتيح له أن يصل إلى مسبح هذا الصيف كان عبد الرحمن الذي شارك في دورة لحفظ القرآن في المسجد وحصل فيها على المرتبة الأولى. وكانت جائزته، مع زملائه الفائزين، قضاء يوم في مسبح في بلدة بيرزيت المجاورة.
ومن أقسى ما اضطرت الأم للجوء إليه في ترشديها للإنفاق هو التوقف عن زيارة أهلها وأقربائها الذين يعيشون في بلدة قريبة هي بيتونيا. وتقول:« منذ عام لم أزر أياً من إخوتي وأقربائي، لقد حصلت لديهم الكثير من المناسبات المفرحة لكني لم أستطع زيارتهم للتهنئة لأنني ببساطة لا أملك المال لشراء هدية حتى لو كانت بسيطة».
وقد أدت البطالة المتفشية في المجتمع الفلسطيني بدرجة كبيرة منذ سنوات إلى نشوء ظواهر جديدة وتعزيز وتوسع ظواهر أخرى قائمة مثل عمالة الأطفال الزواج المبكر للفتيات.وقال رب أسرة من مدينة نابلس بأنه أضطر لتزويج اثنتين من بناته وهن على مقاعد الدراسة الجامعية لمن هم أقل منهن تعليماً لعدم قدرته على توفير مصاريفهن. وقال عمار أبو خضر 48 عاماً من البلدة القديمة:«كنت أعمل في الإنشاءات قبل الانتفاضة،
وقد تراجع هذا القطاع في المدينة بصورة كبيرة زادت عن 70% خلال السنوات الأخيرة، وعلى نحو لم أعد معه قادراً على إيجاد عمل منتظم أوفر منه حاجات الأسرة، ولما وجدت نفسي عاجزاً عن توفير مصاريف اثنتين من بناتي في الجامعة، اضطررت لقبول عروض زواج من أشخاص لم يحصلوا على تعليم جامعي مماثل. فقد كنت بين خيارين، إما أن يتزوجن ويواصلن تعليمهن، أو أن يبقين عزباوات ويتركن الجامعة، ففضلت الأول».
لكن الرياح لم تجري كما اشتهت سفن عمار، فالابنة الكبرى التي تخرجت من الجامعة تعيش في مشكلات دائمة مع زوجها وصلت إلى درجة منعها من الالتحاق ببعض برامج التشغيل المؤقت التي أتاحتها لها بعض المؤسسات مثل لجنة الانتخابات المركزية ومراكز استطلاعات الرأي. أما الأصغر، فما زالت على مقاعد الدراسة لكنه غير واثق من أن نصيبها سيكون أفضل من شقيقتها.
والحالة الأصعب لدى هذا العامل فهي فشل ابنه البكر في الثانوية العامة بسبب الظروف التي عاشتها الأسرة منذ فقدانه عمله. ويقول:« كان ابني هذا متميزا طوال الوقت، لكن عندما تقدم للثانوية العامة في العام 2003، وكانت أزمتنا وقتئذ في أوجها، أهمل دراسته، وأخذ يلتحق ببعض الأعمال الطارئة، وفي نهاية العام رسب في الامتحانات وهو اليوم يعمل مساعداً لأحد المهنيين.
ولمحدودية الفرص لجأ الكثير من العاطلين عن العمل، خاصة اليافعين منهم، للعمل في الأجهزة الأمنية للسلطة التي تعتبر أكبر مشغل للأيدي العاملة في الأراضي الفلسطينية (135 ألفا من أصل 800 ألف وفق وزير المالية الدكتور سلام فياض)، لكن نسبة كبيرة من هؤلاء تحصل على رواتب متدنية تجعلها في ضيق دائم ما يدفع الغالبية العظمى منها للبحث عن مصادر دخل ثان.
وفي بعض الأحيان يقدم عمال عاطلون عن العمل على مغامرات بالغة الخطورة في بحثهم عن فرصة للعمل مثل التسلل إلى إسرائيل أو العمل في مستوطنات في أجواء شديدة العدائية.وقد دفع بعض هؤلاء العمال حياتهم ثمناً لمغامرة لقمة العيش هذه منهم سيدة من طولكرم، في الخمسين من عمرها وتعيل أبناءها الخمسة، قتلها الجنود أثناء تسللها عبر الخط الأخضر للعمل في قرية الطيبة العربية في إسرائيل.
والمجزرة التي ارتكبها مستوطن في مستوطنة شيلو بحق مجموعة من العمال الفلسطينيين في شهر أغسطس الماضي عندما أقدم على قتل أربعة عمال بدم بارد لا لشيء إلا لأنهم فلسطينيون، كانت آخر الأمثلة الحية على حجم الخطورة التي تتسم بها حياة العمال الفلسطينيين في إسرائيل والمستوطنات.
فقد أقدم العامل المذكور على ذبح العمال الأربعة الواحد تلو الآخر ببندقية جندي على مدخل المستوطنة عندما كانوا في سيارته في طريق عودتهم إلى بيوتهم بعد يوم عمل مضني في مصنع للألمنيوم في المستوطنة.ولدى محاكمته قبل أيام صرح المستوطن المذكور ويدعى آشر أنه غير نادم على جريمته هذه التي اعتبرها مبادرة منه لإبطال خطة شارون للانسحاب من غزة.
وقالت عوائل العمال الأربعة، خامسهم أصيب بجروح بالغة الخطورة، وجميعهم أرباب أسر، بأنهم اضطروا للعمل في المستوطنات عندما فقدوا أي أمل بالعثور على فرصة عمل في بلداتهم.وقالت عائشة طوافشة 27 عاماً زوجة أسامة طوافشة 31 عاماً الذي قتل في هذه المجزرة مع شقيقه بسام 27 عاماً بأن زوجها عمل في تنظيف المكاتب وحتى البيوت في رام الله. «لكن عندما لم يجد عملاً يطعم قطع اللحم هذه، وأشارت لأطفالها في حضنها، عمل عندهم، تقصد المستوطنين».
ولأسامة، وهو من قرية سنجل في محافظة رام الله، خمسة أطفال تتراوح أعمارهم بين تسعة أعوام وأربعة أشهر، مثله في ذلك مثل زملائه الآخرين الذين سقطوا معه، محمد منصور 49 عاماً من كفر قليل، أب لسبعة أطفال، وخليل ولويل، 35 عاماً من قلقيلية، أب لأربعة أطفال. أما شقيقه بسام فكان متزوجاً لكنه لم ينجب بعد.
وكان عشرات الآلاف من العمال الفلسطينيين يعملون في المستوطنات قبل الانتفاضة لكن هذا العدد تقلص إلى درجة كبيرة بعد اندلاعها وفرض الحصار على الأراضي الفلسطينية في أيلول عام 2000.وقال مواطنون من قرية سنجل بأن الشقيقين أسامه وبسام كانا الوحيدين من هذه القرية اللذين يعملان في المستوطنة.
وقال عاطف راضي، 27 عاماً من قرية بديا قرب رام الله وهو عامل سادس في المصنع المشؤوم لكنه نجا من المجزرة لأنه كان في عمل خارجي في ذلك اليوم:«هم ـ يقصد المستوطنين ـ لا يحبذون تشغيل العمال العرب، وجميعنا، نحن العمال العرب الستة في هذا المصنع، من العمال المهرة وليس اليدويين، ولولا ذلك لما قبلوا تشغيلنا». وأضاف :«نحن عمال فنيون متخصصون ونحصل على رواتب تساوي نصف رواتب العمال اليهود، ولهذا السبب فقط كانوا يشغلوننا».
وفي غالب الأحيان تجد الحكومة نفسها عاجزة عن التأثير على العوامل المؤثرة في نشوء مشكلة البطالة ونسبها في المجتمع الفلسطيني لكونها ناجمة عن عوامل خارجية تتعلق بالاحتلال وإجراءاته. ويقول الدكتور حسن أبو لبلدة وزير العمل والشؤون الاجتماعية بأن نسبة البطالة في الضفة والقطاع لم تتجاوز التسعة في المائة قبل اندلاع الانتفاضة في سبتمبر عام 2000، لكنها ارتفعت بشكل كبير بعد إجراءات الحصار التي فرضتها سلطات الاحتلال ووصلت في بعض المراحل حتى 78%. وأضاف:«في بعض الأشهر وجد الجهاز المركزي للإحصاء 550 ألف عاطل عن العمل».
لكن البطالة انخفضت في هذا العام بشكل لافت.ويبين آخر إحصاء للجهاز المركزي للإحصاء أن نسبتها تصل إلى 26%. وترتفع نسب البطالة بين المتعلمين بصورة ظاهرة. وقالت وزيرة شؤون المرأة زهيرة كمال بأن 32 شخصاً تقدموا مؤخراً بطلبات لشغل وظيفتين في الوزارة بينهم 15 من حملة الدكتوراه. وعزت ذلك إلى ارتفاع نسبة من يقدمون على دراسة العلوم الإنسانية وقلة المقبلين على التخصصات المهنية.
وفي محاولة لتوفير حد متواضع من الدعم للأسر التي يعيلها عاطلون عن العمل لجأت الحكومة مؤخراً إلى برنامج أطلقت عليه اسم شبكة الأمان الاجتماعي. وقال الدكتور أبو لبلدة :«السلطة لا تستطيع توفير العيش الكريم لجميع العاطلين عن العمل لكنها تسعى لمساعدة الأكثر تضرراً منهم»، وأضاف «لكن أؤكد أن هذه تظل محاولات للبحث عن حلول مؤقتة».
وفي نهاية يوم مفتوح حول البطالة نظمه المجلس الثقافي البريطاني في رام الله وغزة عبر نظام الفيديو كونفرس الخميس الماضي وشارك فيه وزير العمل والشؤون الاجتماعية ووزيرة شؤون المرأة ووكيل وزارة الاقتصاد الوطني وعدد من العاطلين عن العمل بينهم عدد من الخريجين الجدد أوصى المشاركون بإجراءات قد تخفف من حدة البطالة وتأثيرها.
ومن ذلك «توحيد البيانات لدى مجموعات ومؤسسات دعم الفقراء لتجنب عدم التوزيع العادل،كما هو حاصل حالياً، وتطوير مهارات العاطلين عن العمل لتمكينهم من إيجاد فرص جديدة، ومعالجة الفساد في برنامج توزيع المساعدات الحكومية التي اقر الدكتور أبو لبدة أن نسبته ،أي الفساد في هذه البرامج يصل حتى 30%».
رام الله ـ محمد إبراهيم
