إجهاض المغتصبة التي حملت سفاحا من القضايا التي أثارت جدلا لفترة طويلة على الساحة الإسلامية فبعض العلماء أجازوه، استنادا إلى الحالة النفسية التي تعاني منها الفتاة أو المرأة التي تعرضت للاغتصاب والتي هي ضحية جريمة لا ذنب لها فيها وبالتالي يرى هذا الفريق من العلماء أن إجهاض حملها هو نوع من التخفيف عنها حتى تستطيع العودة إلى حياتها بصورة طبيعية .

وتتناسى تلك الجريمة البشعة في حين يرى فريق آخر من العلماء أن الإجهاض محرم لأي سبب كان ومنذ بداية الحمل سواء قبل نفخ الروح أو بعد نفخ الروح وعلى هذا الأساس يرفضون إجهاض المغتصبة لأن هذا الجنين لا ذنب له هو الآخر ولا يجوز الاعتداء على حياته مهما كانت الأسباب ويطالبون بأن تقوم الدولة برعايته وتأهيله في دور الرعاية الاجتماعية وعدم تكليف الأم ما لا تطيق وتجنيبها نظرات المجتمع التي لا يستطيع إنسان مواجهتها.

وكان الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر قد وافق على استصدار قانون يبيح للمرأة المغتصبة إجراء عملية إجهاض حتى لو كان ذلك بعد مرور أربعة أشهر من الحمل أي بعد نفخ الروح في الجنين وقال شيخ الأزهر إن الأصل في الدين الإسلامي هو اليسر وإن المرأة المغتصبة لن تشعر بعاطفة الأمومة تجاه هذا الوليد لأنه سيذكرها بما حدث لها، كما قد يكون سببا في عدم زواجها مرة أخرى.

لكن الدكتور نصر فريد واصل مفتى مصر الأسبق رفض الموافقة على هذا القانون مؤكدا رفضه للإجهاض لأي سبب كان خاصة بعد نفخ الروح أي بعد مرور أربعة أشهر من الحمل إلا إذا كان الحمل يمثل خطرا على صحة الأم أو أن استمرار الحمل قد يؤدى إلى الإضرار بالأم ووفاتها.

وأوضح أن الجنين له حقوق في الإسلام منها الحفاظ على حياته وعدم الاعتداء عليها لأي سبب كان، سواء كان ثمرة لزواج شرعي أو لعلاقة آثمة أو لاغتصاب لا دخل للمرأة فيه، مشيرا إلى أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما جاءته امرأة زنت وحملت من الزنا ليقيم عليها الحد رفض وقال لها اذهبي حتى تضعيه وعندما جاءته بعد الوضع أمرها ان تذهب حتى ترضعه عامين ثم أقام عليها الحد بعد ذلك وهذا يؤكد حرص الإسلام على حياة الجنين والحفاظ عليه وعدم تحميله الجريمة التي ارتكبتها الأم في حالة الزنا أو الجريمة التي ارتكبت في حق الأم في حالة الاغتصاب.

وأكد الدكتور واصل تفهمه للمشكلات النفسية والاجتماعية التي تعاني منها المغتصبة ونظرة المجتمع إليها، مشيرا إلى ان هذا يتطلب توعية المجتمع بالطريقة الشرعية التي أرساها الإسلام للتعامل مع مثل هذه الحالات وكيف تعامل المجتمع الإسلامي الأول مع اللاتي تعرضن للاغتصاب أو وقعن في الزنا وكيف تعامل مع أبنائهن.

وأعرب عن أسفه لانتشار بعض العادات والتقاليد الجاهلية التي لا تنسجم مع تعاليم الإسلام وأحكامه في هذا المجال، موضحا انه لا ينبغي أن يتعرض المجتمع بطريقة تعبر عن الاحتقار أو الإهانة لمن تعرضت للاغتصاب أو لمن ولد كثمرة للزنا أو الاغتصاب لأن هؤلاء جميعا لا ذنب لهم فيما حدث وهم ضحايا ويجب ألاّ يتحملوا مسؤولية جريمة لم يرتكبوها.

* حالات محددة

وقد أعلنت دار الإفتاء المصرية رفضها لاستصدار قانون يبيح إجهاض المغتصبات مؤكدة انه يتعارض مع النصوص الثابتة في القرآن الكريم والسنة النبوية التي تحرم قتل النفس إلا بالحق.وقال الدكتور علي جمعة مفتى الديار المصرية إنه يحرم إجهاض الجنين بعد نفخ الروح فيه أي بعد مرور 120 يوماً إلا لضرورة قصوى كأن يكون بقاؤه خطرا على حياة الأم بسبب مرض ما في رحمها بشرط أن يتم هذا بناء على تقرير من أحد الأطباء الثقات وأوضح المفتى أن المرأة المغتصبة لا ذنب لها كما أن الجنين لا ذنب له فالمرأة إذا حملت سفاحا لا يكون لها الحق في إجهاض الجنين فمن باب أولى ألا تفعل ذلك المغتصبة.

وأشار إلى أن من شروط الإجهاض أن يكون في فترة الأشهر الأربعة الأولى من الحمل أي قبل أن تدب الروح في الجنين أما الإجهاض بعد هذه المدة فيعتمد على ثلاثة عناصر مترابطة هي إدراك النص الشرعي والواقع المعيشي، وفقا للتخصص العلمي وملكة المفتى في الربط بين النص والواقع فإذا كان الجنين مصابا بحالة تشوه أو عيوب أكدتها التحاليل المعملية والفحوص الطبية وصعوبة علاجها حاليا أو مستقبلا لأن الشرع يحرص على أن يكون هذا الإنسان قوياً وسليماً

لكي يكون جديرا بخلافة الله في الأرض أو أن يكون هناك استحالة في التدخل لعلاج التشوه الحادث في الجنين أو إذا كان هناك ما يهدد صحة الأم نتيجة لاستمرار الحمل اما بعد مرور فترة نفخ الروح بعد 120 يوما فلا يجوز الإجهاض إلا إذا تعرضت حياة الأم لخطر الموت من بقاء الجنين في بطنها لذلك يجب التضحية به حفاظا على الأم وحياتها.

وأضاف الدكتور جمعة أن ما يتم إجهاضه قبل فترة 120 يوما لا يكون على هيئة إنسان ولا يجوز الصلاة عليه أو تغسيله اما اذا تجاوز هذه المدة فانه يغسل ويصلى عليه لأنه يكون اقرب إلى هيئة الإنسان في تكوينه موضحا ان حمل الأم في جنين مشوه لا يؤثر على صحتها وفيه فائدة كبيرة بالنسبة لها لانه يساعدها على ممارسة الأمومة والولادة ويجعل علاقتها بالله وبالمجتمع أقوى كما انه يساعد على نشر الخير في المجتمع ومن بين الحالات التي يجوز الإجهاض فيها ان يكون الجنين في حالة موت اكلينيكي محقق.

ويتفق الدكتور عبد العظيم المطعني الأستاذ بجامعة الأزهر مع الآراء السابقة ويؤكد رفضه لأجهاض المغتصبة أو سن قوانين تعطيها حق الإجهاض لأن مثل هذه القوانين ستؤدي إلى تزايد الفاحشة في المجتمع وانتشارها ثم نفاجأ بعد ذلك بالمرأة أو الفتاة التي تحمل من علاقة آثمة أو من زواج فاسد تأتى وتدعي أنها تعرضت للاغتصاب وتطلب إسقاط حملهاً.

ويضيف قائلا لقد كانت الفتوى قديما وإلى عهد قريب تبيح الإجهاض لعذر إذا كان الحمل في بداياته ولم يبلغ أربعة أشهر فأكثر فإذا بلغ هذه المدة فلا يجوز الا إذا تسبب يقينا في وفاة الأم فيقدم حق حياتها على حق حياة الجنين ثم تحفظوا بعد ذلك عملا بقول الأطباء بأن الحمل تكون له حياة أولية من اللحظة الأولى التي يستقر فيها المني في الرحم، مشيراً إلى انه بناء على هذا لا يجوز الإجهاض إلا إذا كان الحمل يضر بصحة الأم.

ويوضح الدكتور المطعني أن الفتاوى التي تبيح إجهاض المغتصبات تأتى في سياق المحاولات الرامية إلى نشر الحرية الجنسية في العالم الإسلامي وإعطاء الفتاة الحق في ممارسة الجنس والإجهاض في حالة الحمل وذلك في إطار تنفيذ مقررات وتوصيات مؤتمرات السكان والمرأة التي ترعاها الأمم المتحدة وينفق عليها الغرب بسخاء تحت مسمى مشروعات الصحة الانجابية.

ويحذر من الانسياق وراء هذه المخططات التي لا تتفق مع تعاليم الإسلام وتؤدى إلى انسلاخ المجتمع المسلم عن دينه وقيمه، مؤكداً أننا إذا ألزمنا أنفسنا بتنفيذ هذه المخططات فسوف نتخلى عن إسلامنا شيئا فشيئا ونصبح مثل المجتمعات الغربية التي تعاني من مشكلات كثيرة بسبب الفوضى الجنسية المنتشرة هناك.

ويؤكد الدكتور المطعنى أن الفقهاء أجمعوا على تحريم إجهاض الجنين بعد بلوغه مدة 120 يوما وعدوا الاعتداء عليه جريمة وجناية على نفس مؤمنة وممن شدد على ذلك الإمام ابن حزم يقول (فإن قال قائل فما تقولون فيمن تعمدت قتل جنينها وقد تجاوزت مئة ليلة وعشرين ليلة بيقين فقتلته أو تعمدت قتله في بطنها فقتله ضمن قولنا: إن القود واجب في ذلك ولابد الا يعفى عنه وإنما واجب القود لأنه قتل نفسا مؤمنة عمدا فهو نفس بنفس وأهله بين خيرتين إما القود واما الدية أو المفاداة كما حكم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن قتل مؤمنا).

* جريمة

ويشير الدكتور محمد بكر إسماعيل الأستاذ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الأزهر إلى أن الإسلام لا يبيح الجناية على الحمل بعد ان يكون قد وجد بالفعل حتى ولو جاء من طريق حرام موضحاً أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقبل أن يقام حد على امرأة حملت من خطيئة حتى تضع جنينها وتتم رضاعه لأنه لا ذنب له فيما حدث.

ويضيف: «لقد اتفق الفقهاء على ان إسقاط الحمل بعد أن تنفخ فيه الروح حرام وجرم كبير ولا يحل لمسلم ولا مسلمة أن يقعا فيه فإنه جناية على حي متكامل الخلقة ظاهرة حياته». ويوضح انه اذا تعارضت حياة الأم مع حياة الجنين بأن ثبت بطريق موثوق ان بقاءه في بطنها بعد تحقق حياته سيؤدى إلى موتها لا محالة فإنه في تلك الحالة الحرجة يكون العمل بالقاعدة الشرعية الفقهية العامة التي تقضى بارتكاب أخف الضررين.

ويرى أن الجنين الذى لم تنفخ فيه الروح يكون اسقاطه بغير سبب فحشا أقل من فحش اسقاطه بعد نفخها فيه موضحا انه في هذه الحالة يجب على من قامت بذلك التوبة بالندم والعزم الأكيد على عدم العودة وبالإقلاع عن هذا العمل الشنيع وكثرة الإستغفار.

وفى ذلك يقول الإمام الغزالى عن الإجهاض والوأد: ان ذلك جناية على موجود حاصل وله مراتب وأول مراتب الوجود ان تقع النطفة في الرحم وتختلط بماء المرأة وتستعد لقبول الحياة وافساد ذلك جناية فإن صارت مضغة وعلقة كانت الجناية أفحش وان نفخ فيه الروح واستوت الخلقة ازدادت الجناية تفاحشا ومنتهى التفاحش في الجناية بعد الإنفصال حيا.

ويخلص الدكتور بكر اسماعيل إلى القول ان الإجهاض يجوز فقط في حالة وجود خطر على حياة الأم أو على صحتها وذلك بشهادة طبيبين مشيرا إلى وجود أربعة آراء للفقهاء في قضية الإجهاض: الأول وهو قول الحنفية والحنابلة انه يباح الإسقاط ـ الإجهاض ـ مطلقا قبل مرحلة المضغة والثانى يرى ان الإجهاض يجوز اذا كان هناك عذر ويكره اذا لم يكن هناك عذر وهذا قول للحنفية أيضا وبعض الشافعية أما الرأي الثالث

وهو للمالكية وبعض الحنفية فيقول بالكراهة مطلقا والرأي الرابع يقول بالتحريم مطلقا وهذا الرأي معتمد عند المالكية والظاهرية والشيعة وهذا الرأي الآخير هو ما نميل إليه ونرجحه لأن الإجهاض فيه عدوان على النفس وهذا محرم في الشريعة الإسلامية، موضحا انه اذا كان الرأي الراجح بالنسبة للإجهاض قبل مرحلة المضغة هو التحريم فإن الإجهاض محرم من باب أولى بعد هذه المرحلة ولا يباح إلا للضرورة.

الدكتور محمد ابوليلة الاستاذ بكلية اللغات والترجمة جامعة الازهر يتبنى رأيا مغايرا ويرى ان إجهاض المغتصبة ليس معناه اباحة الإجهاض على اطلاقه وإنما اباحته في حالة استثنائية طارئة لما يلحق بالمغتصبة من اضرار نفسية واجتماعية، مشيرا إلى ان احتفاظ المغتصبة بالحمل ثم وضعه وتربيته قد يسبب لها امراضا نفسية لا تجعلها تعيش حياتها بصورة طبيعية وقد تؤدى إلى هلاكها أو دفعها - في حالة ضعف ايمانها - إلى الانتحار.

ويضيف قائلا ولذلك فإن اباحة إجهاض المغتصبة يهدف إلى تجنيبها كل هذه المعاناة بالاضافة إلى ان تخلصها من هذا الحمل قد يعطيها الفرصة في الزواج مما يجعلها تنسى تلك الحادثة الاليمة التي تعرضت لها أما بقاء الحمل ووضعه ثم تربيته فسوف يحرمها من ان تعيش حياتها بصورة طبيعية لانه لا يتصور ان يتقدم احد للزواج بها في تلك الحالة.

ويشير الدكتور ابوليلة إلى أنه تجنبا لحرمة الإجهاض بعد نفخ الروح يمكن للمغتصبة اجراء عملية الإجهاض قبل مرور الاربعة اشهر الاولى من الحمل وان كان الإجهاض جائز في مثل هذه الحالة حتى بعد نفخ الروح.

القاهرة ـ ضياء الدين أحمد