لعل اليمن واحد من أكثر الأماكن سحراً بالنسبة إلى السائحين الأوروبيين، ولا سيما بالنسبة إلى الكتاب منهم، ومن هؤلاء الكاتبة الفرنسية دومينيك شامبو، التي قامت ذات مرة برحلة إلى اليمن يبدو أنها لم تبرأ منها لزمن طويل.
لقد جالت الكاتبة في اليمن طولاً وعرضاً، لكنها توقفت خاصة، كما نرى في هذه المقاطع، عند بعض سمات الحياة الاجتماعية المرتبطة خاصة بالمكان المثلث: السوق، المسجد والحمام.
كما في أي مكان آخر من العالم، يمكن للسوق هنا (في اليمن) أن تقدم لنا ملخصا واضحا للحياة في المنطقة. وفي السوق ثمة إضافة إلى هذا، ذلك الحس بالخطورة والجدية النابع من الاضطرار إلى اتخاذ قرار ما: ما الذي يتعين شراؤه؟ أفضل النوعية بأفضل الأسعار، بدءاً بالغزلان وصولاً إلى الذخائر.
ومن قطعة القماش حتى نبتة القات وفي الأسواق قد يفاجأ المرء برؤية نساء غير محجبات وهن بائعات من طراز رفيع أو مشتريات عنيدات وفي منطقة جبل صابر مثلا يمكن للمرء أن يدرك مدى قوتهن التجارية من خلال أكوام الذهب التي يحملنها على شكل عقود أو أساور أو أقراط وفي تهامة نجدهن يتمنطقن بعباءات منسدلة تحتوي على الكثير من السحر.
أما في الشمال فإنهن ينزلن من الجبال مرتديات الثياب الجلدية وهن يتفرسن في الناس بنظرة قاسية وعميقة. أفلا يحق لنا ان نفترض أن أولى نساء النبي صلى الله عليه وسلم كانت، ولابد، من هؤلاء النساء الشجاعات والذكيات اللاتي يتمتعن بحس تجاري قد لا يتمتع بمثله خلق كثيرون؟
إن تلون الأسواق المؤقتة يتنوع بتنوع المكان. فأسواق الجبل تتألف من أبنية من الحجارة يتعين على المستأجر الواحد منها ان يدفع مقابل استخدامه مبلغا من المال لمسؤول السوق الذي ينادى «الشيخ».
وهنا في هذه الأماكن غير المريحة عادة يتجمع باعة الأقمشة والتوابل والحبوب واللحوم، مسافة نصف نهار ثم يرحلون على ظهور الحمير، أو في عربات جماعية لكي يكونوا في اليوم التالي موجودين في أسواق أخرى مجاورة.
أما في السهل الساحلي، فإن الباعة المتجولين يتجاورون مع الحوانيت الثابتة. كما تتجاور قبعات الرجال العريضة الشاحبة مع قبعات النساء المتطاولة. أما في المدن الكبرى فتكون السيطرة عادة للتجار الدائمين الذين يتوارثون الحوانيت أبا عن جد.
وثمة أحياء معينة لا تزال حتى الآن وقفا على أصحاب حرف معينة، يصفون البضائع ويبيعونها بأنفسهم: جوهرجيين، صانعي خناجر، صانعي مراتب،...الخ. أما التجار الآخرون فيتجاورون تبعا لمواصفاتهم: بائعو أقمشة، بائعو بن، بائعو طعام.. الخ.
من الناحية التقليدية يكون الرجال عادة هم الذين يؤمنون المشتريات الضرورية للأسرة. ولكن لدى شراء الأشياء الهامة قد يصار الى استشارة كبار السن. أما الآن فإن الأسواق تمتلئ بالنساء المحجبات والسافرات اللاتي يخطون في السوق وفي عالم التجارة أولى خطواتهن في الحياة العامة.
في يوم السوق يمكن لأي صاحب مشكلة أو شكوى أن يلجأ الى شيخ قبيلته الذي، حين يرى الوقت مناسبا، يجلس في وسط المكان فيتدافع نحوه «الزبائن» احدهم يشكو أمرا يتعلق بأرض ما، والثاني يتحدث عن إرث ..الخ. ولكن قبل هذا كله، لا بد للخناجر من ان توضع جانبا، كدليل على نزاهة الشاكي وحسن نواياه. والشيخ هنا يكون من الأهمية والتجرد بحيث أن اية امرأة مظلومة، يمكنها أن تلجأ إليه من تلقاء نفسها لتشكو ما لحق بها دون خجل أو وجل..
وغالبا بموهبة كلامية ينذر للمرء أن يلاحظ مثيلاتها لدى أكثر النساء تعلما. ومع هذا ينبغي لكلام المرأة أن يجد دعما لدى ذكر من أسرتها: أب أو أخ أو عم. والشيخ بعد أن ينصت بشكل جيد يطرح بعض الأسئلة ثم يلتفت مستشيرا بعض المحيطين به، ثم، بالاستناد الى خبرته في الحياة والى يقينه، يكتب رأيه النهائي على قصاصة ورق تتناولها الشاكية أو الشاكي بلهفة قبل تقبيل يد الشيخ ومبارحة المكان.
انه نوع من العدالة غريب وسلفي بالطبع، ولكن حتى أكثر الجمهوريين تقدما، لا يفوته بين الحين والآخر ان يلجأ إلى واحد من هؤلاء الشيوخ.ان الأسواق اليمنية الأكثر أهمية عرفت دائما كيف تحتفظ لنفسها بخصوصية كونها مأوى لا يمكن فيه لأحد أن يتعرض لأحد، مهما كان الجرم الذي ارتكبه الشخص.
أما الشخص الذي يخرق المألوف بإزعاج شخص آخر ذاهب الى السوق أو موجود فيه، فإنه يجد السلطات متربصة به منقضة عليه كالصقور. والحقيقة أن هذا النظام يجعل رب العائلة الذي قد يحتاج للتغيب عن بيته بضع ساعات، قادرا على شراء المؤن بكل هدوء واطمئنان، حيث إن ثأر عدوه يظل معلقا طالما كان هذا الشخص منهمكا بشراء الطعام لأهله.
الأسواق التي تكون عادة نقاط التقاء عند تقاطع الطرق، تقوم بين جبلين عند عمق من البر ليس من الصعب الوصول إليه. وهي تكون ممتلئة بشتى أنواع البضائع.. كما ان فيها، بالطبع مكان للصلاة. فنشاط على كثافة وحيوية نشاط السوق لا يمكن ان يتم من دون ان يكون للصلاة تضرعا لله، مكان فيه.
والحقيقة ان ثمة دراسات عديدة كتبت من قبل باحثين أرادوا دائما ان يعرفوا من سبق من: السوق أم مكان الصلاة. وانه لمن الممكن لنا أن نقول إنهما كانا غالبا متشاركين. ففي جبل رازح، على سبيل المثال، حيث يحقق التبادل التجاري بين السعودية وتهامة ازدهارا اقتصاديا كبيرا، نمت السوق كنمو الزهور الربيعية، سريعا بعد انقضاء الشتاء: ففي بضعة أسابيع قامت خمسة حوانيت ثم عشرة ثم أربعون لعدد من السكان الحضريين لا يزيد عن مئة وخمسين.
في هذه السوق يمكنك العثور على كل ما تريد، من احدث أنواع الالكترونيات والتلفزيونات، الى الأقمشة اليابانية والأدوات المنزلية التي تنقل على ظهر البغال والحمير، في مناطق قد يصل ارتفاعها إلى ما بين 2700 و 3200 متر. هنا عرف الجبليون كيف يحولون، من دون أية صدمة نفسية من مصباح الزيت إلى المولدات الكهربائية الصغيرة. ولكن.. حتى من قبل ان يشق في المكان طريق معبد اقام فيه مسجد بناه تجار واقعيون يعرفون جيدا أهمية وجود المسجد الى جوار السوق.
بشكل عام، من الهضاب العليا (حيث يكثر الزيديون) الى السهل الساحلي (حيث يكثر الشوافع)لا يمكن اعتبار المساجد اليمنية، مع بعض الاستثناءات آيات في الروعة الهندسية. غير انها تبدو جميلة وبسيطة في تألقها مع الأماكن التي أنشأت فيها. وبما ان السوق والمسجد في علاقتهما التبادلية وتكاملهما، لا يمكن ان يوجدا بعيدا عن مصادر الماء اللازم للاغتسال والوضوء، فان مصدر الماء كنبع يعتبر أمرا مثاليا لا يمكن العثور عليه إلا نادرا ..لذا غالبا ما تحل الصهاريج مكانه.
وفي كل البلدات والقرى الكبيرة يمكن للمرء ان يلاحظ كيف أن الحمام يقع بالقرب من الماء، وبالقرب من المسجد على السواء صحيح ان زيارة الحمام تكلف السكان غاليا، لكن اليمنيين رجالا كانوا أو نساء يعتبرون من عشاق الحمام. بيد ان الحمام اليمني ليس هو ذلك المكان الفخم الذي اعتاد الغربيون تصوره، بل هو هنا مكان متواضع لا رخام فيه ولا موزاييك، ولا يشغل مساحة واسعة من الأرض. أما الماء فيوزع فيه بالقطارة والبخار بالكاد يكفي...انه مكان لقاء أكثر منه مكان للراحة.
وأهميته تبدو فائقة، خاصة للنساء، حيث ان كل امرأة إنما تأتي إلى هنا لكي تتفحص بعينيها الفضوليتين، تلك الشابة العارية أمامها، من دون حياء كبير، التي قد ترى انها صالحة لأن تكون زوجة لابنها. وزيارة الحمام،على أية حال متعة للنساء يخصنها بأفضل أنواع الصابون والدهون والعطور وأدوات التجميل.
في هذا المكان، حتى من قبل أن يطالع الداخل إليه روائحه الخاصة، يطالعه ضجيج الأحداث الضاحكة والصارخة والمجاملة بعضها البعض، في هذا المكان حيث تجلس العروس المتزوجة حديثا جنبا الى جنب مع العجوز التي تبدو وكأنها باغتسالها تتهيأ للقيام برحلتها الأخيرة.
