ولد الشيخ جمال الدين ضحوة يوم الاثنين لثمان خلت من شهر جمادي الأولى سنة ثلاث وثمانين ومئتين وألف للهجرة الموافق 17 سبتمبر 1866 ميلادية بدمشق، وهو محمد جمال الدين أبو الفرج بن محمد سعيد بن قاسم بن صالح بن إسماعيل بن أبي بكر، المعروف بالقاسمي نسبة إلى جده المذكور، وهو الإمام فقيه الشام وصالحها في عصره، الشيخ قاسم المعروف بالحلاق.

ونشأ القاسمي في بيت عرف بالتقوى والعلم. وكان أبوه فقيها غلب عليه الأدب، ميالاً إلى الموسيقى، وله معرفة بأنغامها، حلو الصوت، ففي جو من حرمة الدين وجلاله، وهداه وسلطانه، ورقة الأدب وروائه وتهذيبه وصفائه، وطلاوة الموسيقى وحلاوتها، وعذوبتها ونشوتها، فتح عينيه على النور. فأعانه هذا كله، كما أعانه تشجيع أبيه على ان ينشأ نشأة صحيحة صالحة، فضلا عما فطر عليه من عناصر الحق والخير.

أخذ العلم على طريقة القدماء «فقرأ القرآن أولا على الشيخ عبد الرحمن المصري، ثم تعلم الكتابة على الشيخ محمود القوصي، نزل دمشق ، من صلحاء الأتراك، ثم انتقل إلى مكتب في المدرسة الظاهرية، وكان معلمه الشيخ رشيد رضا قد قر بها، فأخذ عنه مبادئ التوحيد، والصرف والنحو والمنطق والبيان والعروض وغيرها.. ثم جود القرآن على شيخ القراء أحمد الحلواني.

وكان مواظبا على دروس الشيخ سليم العطار لقراءة حصة من الكتب المساعدة، كشرح شذور الذهب، وابن عقيل على ألفية أبن مالك، وشرح قطر الندى لابن هشام، ومختصر السعد، وجمع الجوامع، وتفسير البيضاوي وغير ذلك.. كما سمع منه في الحديث، دروساً من البخاري، ودروسا من الموطأ، والشفاء ومصابيح السنة والجامع الصغير والطريقة المحمدية، كما كان من مشايخه الشيخ بكري العطار والشيخ محمد الخاني، وخال والده الشيخ حسن جبنية الشهير بالدسوقي. وأجازه الكثيرون من علماء عصره..!

وقد أظهر القاسمي نبوغاً فائقاً على صغر سنة أهله لإقراء الطلاب مبادئ العلوم وله من العمر أربعة عشر عاما، وكان بجانب نبوغه في علوم الدين متضلعا في علوم الأدب، مما جعل لدروسه مذاقا محببا، فقد كان يساعد والده في درسه العام في جامع السنانية حتى عام 1887 ثم انتدب عام 1893 حتى 1896 لإلقاء دروس عامة خلال شهر رمضان في وادي العجم والنبك وبلعبك.ثم قام مقام أبيه في الدرس العام بعد وفاته عام 1901. وبقى يؤم الناس في جامع السنانية، ويلقي الدرس العام فيه،إلى أن لقي وجه ربه.

وإذا كان القاسمي تلقى تعليمه الأول على الطريقة المألوفة، فإنه لم يقف عند هذا الحد، وإنما عكف على ما أتيح له من معارف اتسعت عليها آفاقه ومداركه، وكيف لا ولديه مكتبة خاصة حافلة بكل ألوان الطيف العلمي والثقافي، وقد أسسها جده وأبوه، ينهل من معينها، ثم يتابع تطور الحركة التعليمية المائجة من جميع جوانبها، ويلحظ من يطالع مؤلفاته ثمرة التنوع المعرفي غير القاصر على علوم تلقاها على أيدي مشايخه، إذ تجد إلى جانب ما ألفه في التفسير والحديث والأصول، مؤلفات عن تاريخ دمشق،

ورسالة عن الجن، ورسالة عن الشاي والقهوة والدخان، ومقالة عن القلب، ورسالة عن دلائل التوحيد، وكتابا عن الآداب والأخلاق، وتجد أنه تحدث عن الاشتراكية قبل ان تستوردها الافهام العربية والعقول العربية، لا داعيا إلى نظمها، ولكن شارحاً لمدلولها ومعناها وغايتها وسبل السلامة فيها ومنها..

ثم تجد إحاطة حسنة بعلوم الفلك والجغرافيا والحيوان والنبات والجيولوجيا.. وعمل البرق أو التلغراف والتليفون والتلغراف اللاسلكي على حداثة عده بالظهور، وكذلك الحديث عن مسائل طبية وأمراض، إذ ألف كتابا عن البواسير عنوانه: «ما قاله الأطباء المشاهير في علاج البواسير» قال عنه عميد كلية الطب بدمشق الأستاذ الدكتور عزة مريدن: «رسالة جامعة لكل ما يريد الباحث معرفته مما قيل عن هذا المرض قديما وحديثا».

كما تجده تحدث في وسائل إصلاح الزراعة، فينبه إلى الأسمدة الكيماوية وأنواعها: الفسفورية والبوتاسية وإلى ضرورة استعمال الآلات الميكانيكية في الحرث والحصاد، وإلى الآفات والأمراض والحشرات الزراعية وطرق مكافحتها.! وتجده كذلك يتحدث عن الحياة الدستورية، فيعقد فصلا عن مواصفات النائب في المجالس النيابية، فيقول: «لا يطلب النائب بين خزائن النقود، ولا من وراء سجوف النعمة، ورغد العيش، فإن من ترفع عنك لا يهبط إليك،

ولا يفوته ان يشترط على النائب تضلعه في علم الحقوق، ومعرفته لحركة المجالس النيابية عند الأمم الراقية، وإدراكه علائق حكومته بحكومات أوروبا، وما نالته من الامتيازات، وأن يكون قادرا على الاستخراج من كتب السياسة والإدارة والقضاء بإحدى اللغات الأجنبية. واستشهد بشروح قانون التجارة وقوة المراسلات ـ ومنها البرق ـ في الإثبات بين الخصوم. ويدعو المفتين ـ أهل الفتوى ـ إلى ضرورة التضلع في العلوم الرياضية!

ويبحث مشكلة من مشاكل العصر الحديث والتي ترددت أصداؤها كثيرا في آفاق البشرية، وهي مشكلة التمييز بين البشر بسبب العنصر أو العرق أو اللون فقال: «إن منشأ هذه الخرافة ـ وجود التمييز ـ هو استعباد الزنوج، وأن من أحنى الذل والهوان قامته، نهض يطالب بحقوقه المهضومة، ويناقش ظلامه الحساب»!

كما بحث في فقه اللغات، ـ الفيلولوجيا وأخذ يبحث عن أصول بعض الألفاظ المعربة من لغاتها الأصلية: اليونانية، والسريانية، والعبرية، والفارسية، والقبطية، والألمانية، والإيطالية، والفرنسية وغيرها! لقد كان عالما موسوعيا آخذا من كل آفاق المعرفة بسبب، لم يمنعه عن ذلك شيء،

وأتاحت له هذه الحرية وهذا الانطلاق أن يجول في عقول الأمم ويبحث في آثارها، على اختلاف المشارب والاتجاهات، فهو، في نظري وتقديري على طراز إمام الأندلس ابن حزم، وكذلك ابن رشد، وكذلك على منوال الأمام محمد عبده في الشرق، غفر الله للجميع.

وهكذا تجده قد عشق الحرية وقدسها، وأحب رجالها في كل مكان، وسعى إلى تحقيقها وقضى حياتها كلها يريد أن يرى الحرية لازمة من لوازم الإنسانية، وعرف عنه هذا النزوع حتى في سني طفولته الأولى، إذ كان يميل إلى التحرير من الأوهام، ويعلي شأن العقل والفكر.

ومن أجل هذا النزعة الاستقلالية الحرة، ووجه بالمتاعب والاستفزاز والتضييق، والمحاكمات بدعوى مخالفته للمذهب السائد وهو المذهب الحنفي وهذا معناه الاجتهاد واحداث مذهب جديد يخصه، مما يعرضه للاعتقالات ومصادرة كتبه وتفتيش بيوته ومساجده، حتى إذا أقر الدستور في دولة الخلافة العثمانية، وتقترب البهجة من صدور الأحرار، إلا أنها لا تلبث أن تتوارى مرة أخرى، إذ يكتشف الجميع أن الأمور قبل الدستور كانت أرحم من بعده.

فإن هي إلا سنة وبعض السنة حتى قدم إلى المحاكمة مرة أخرى أمام قاضي التحقيقات ليستجوبه عن التهم الموجه إليه، وهي أن جمعية النهضة السورية لم تقم الا بتحريض منه ومعه الشيخ عبدالرزاق البيطار وأنها لم تكن منفصلة عن جمعيات أخرى باليمن ونجد داعية للاستقلال الإداري وتريد التشويش على الأمور الداخلية.

ويطلب جميعهم فصل الدول العربية عن تركيا وقيام حكومة عربية ونظام عربي مستقل، وأن لهم مكاتبات مع أمراء نجد الوهابيين، والمتمهدي في اليمن، والشيخ طاهر المغربي. وهذه الضغوط والإرهاب التي عاش القاسمي وهي سيف مصلت فوق رأسه، عسفاً واضطهاداً، تدلنا على رغبته الأصلية في الحرية والاستقلال..!

ومن هذا المنطلق وهذه القاعدة انطلقت آراء الشيخ محمد جمال الدين في كل مؤلفاته، لاسيما ما كان منها عن الدين ومقرراته، إذ ضمن هذه المؤلفات آراءه الإصلاحية التجديدية، الداعية إلى تحرير العقل وإعطائه حقه من التفكر والتدبر ورؤية آلاء الله في الكون والحياة، والإقبال على هذه الدنيا بنور العقل المستمد نوره وقوته من الدين فيصلحها إصلاحا لائقا بالحياة الكريمة للإنسان!

فهو يرى أن الدين مدرسة أخلاق، يدعو إلى الوحدة لا إلى التفرق، وأن العقل حجة الله القاطعة البالغة، والنقل لا يأتي، بما يناقض العقل، وأن العلماء اتفقوا على أنه إذا تعارض العقل والنقل، أوِّلَ النقل بالعقل..! إن باب التنظار والتحاور في المسائل مفتوح، حتى في مثل أخبار الصحيحين، وهي ما هي، وأن غل الفكر وتقييده عن النظر والتأمل هو أعظم هادم لصرح التحقيق، فإن الحقيقة بنت البحث.

وحرية العلم التي آمن بها هي التي قضت أن لا يبخل بفكر ولا يضن برأي، وأن يبث وينشر دون خوف أو وجل، ويصدع به في الجوامع والمجامع، ويجهر به على المسامع، ويعلم يقينا أن ليس هناك مذهب ولا قول يحتكر الحق دائما، ومن أجل ذلك فإن من نعم الله على الأمة كثرة مجتهديها، وإن مراد الإصلاح العلمي بالاجتهاد ليس الدعوة إلى مذهب خاص، والانتصار له وحده، وإنما الدعوة إلى إنهاض همم رواد العلم، للتعرف على المسائل بأدلتها وبراهينها،

وهذا هو جوهر الأسلوب القرآني، الذي يتحدى معارضيه بالقول الفصل «قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين» فالمسلم الحق لا يهمل عقله، ولا يقبل كل قول يلقى إليه بلا بينة أو برهان، وإنما ديدنه الحجة والبرهان.. فيقول: «إنا في الرأي مستقلون ولسنا بمقلدين ولا متحزبين»؛ «ظهر لي أن قول بعض الفقهاء: «هو تعبدي لا يعقل معناه» فيه حجر على العقول والإفهام أن تنظر وتتأمل وتتدبر. فهو منافٍ لقاعدة إعمال الفكر لاستنباط المعاني..!

وفي تعليقاته على الآيات: «إن القرآن قد أمر بوجوب إعداد القوة الحربية، وأنه لما ترك المسلمون العمل بهذا الأمر، أهملوا فرضا من فروض الكفاية وأصبحت الأمة آثمة، وأن طمع العدو في البلاد الإسلامية، لأنه ليس فيها معامل للأسلحة، بل كلها مما يشترى من بلاد العدو، ولقد آن للأمة أن تنتبه من غفلتها قبل أن يداهم العدو ما بقي منها، فيقضي على الإسلام وممالك المسلمين، لاستعمار الأمصار، واستعباد الأحرار، ونزع الاستقلال المؤذن بالدمار.

وإن حب الوطن من أمهات الفضائل، وهو أن يبذل المرء ما يقدر عليه، مما أعطاه الله من العلم، والمال والخبرة والنصح في عامة الأحوال والأزمان لمنفعة وطنه ومواطنيه... وأخذ يحض على الجهاد لأن العدو يريد أن يقضي على الدين، وأن ينهب الأموال والمقتنيات ويهتك الحرم ويمحو تاريخ المجد ويفني اللغة والعلوم..

وأن الحياة معترك هائل، يموج بالرزايا موجاً، وأن الإنسان فيها بمثابة المخاطر في معترك الحرب، إن فاتته ضربة سيف، لا تفوته طعنة رمح، أو رمية سهم. وأن الإسلام لا يبيح الحرب لذاتها، وقد حرم العدوان، وإنما يوجب تعميم الدعوة، فمن عارضها وجب جهاده عند القدرة، حتى يقبلها، أو يكون لأهلها السلطان الذي يتمكنون به من نشرها بدون معارض. وأن اللباس من الأمور العادية. والدين لايذم لباساً إلا إذا كان في لبسه ضرر في الأخلاق.

وأنه لا ينبغي للإنسان أن يكون دوره ووظيفته في الحياة دون النبات: ذاك يتطاول وهم يتقاصرون. وأن العاقل لا ينتصر لرأيه الذاتي، ولا يصر عليه، فربما كان صوابا أو خطأ.. وهكذا تجد في مؤلفات الرجل وتفسيره اختيارات حكيمة وآراء سديدة يدلنا على رجل هيأه الله للإصلاح والهداية وقيادة الأمة، رحمه الله رحمة واسعة.

علي عيد