عندما تتجه من دبي جنوباً عبر الطريق المؤدي إلى مدينة العين، وتتأمل الرمال بتموجاتها الساحرة، وهي تلتمع تحت أشعة الشمس يمكن ان تتصور قوافل الجمال وهي تسير في رحلتها الشاقة نحو قلب الصحراء بحثاً عن غافة وارفة أو طوي.. يجود بالماء، فقد كانت الحياة في تلك المناطق تعتمد على الماء لتمد جذورها وتورق شجرة وتنصب خيمة.
وعبر الطريق الحديثة توجهنا نحو منطقة الليسيلي التي جمعت أهل المناطق القريبة الذين تجمعوا حول الآبار القديمة في الماضي، فكانت الليسيلي «واحتهم الجديدة» التي وفرت لهم المساكن الحديثة وخدمات المدن الكبيرة، وما أن وصلنا المنطقة حتى توجهنا نحو جمعية النهضة النسائية فرع الليسيلي، لنلتقي مديرتها وعضواتها وقد أدهشنا حسن تنظيم الجمعية وتنوع نشاطاتها،
وقد حدثتنا أم منصور مديرة الجمعية عن فعاليات شهر رمضان المبارك قائلة «هناك عدد من الفعاليات التي تسهم في رفع الوعي الديني بأهمية الشهر الفضيل» حيث تقام المحاضرات الدينية ودورات تحفيظ القرآن ومسابقة «في رحاب القرآن» للمدارس والمراحل المختلفة.
وكذلك نحرض على توطيد العلاقات الاجتماعية بين أهالي المنطقة فيقام السحور الجماعي الذي يكون بعد صلاة التراويح فتجتمع النساء مع أطفالهن ويتم التواصل بينهم، ونقيم قبل رمضان سوق «المير الرمضاني» الذي نحاول فيه تغيير فكرة ان هذا الشهر هو شهر الطعام والشراب وانما شهر العبادة والصوم فلا يجب أن يسرف المسلمون فيه في الشراء والذهاب إلى الأسواق، كذلك تقام المحاضرات الصحية التي تهدف إلى توعية الناس بأهمية الصوم من الناحية الصحية والطعام الصحي المناسب».
كان الحديث مع أم منصور رشيقاً، ولكن الهدف من زيارة المنطقة هو التعرف على ماضيها وحياة أهلها، لذا بدأ الحديث مع الحاج محمد جابر عيسى الذي وصف رحلاتهم الماضية قائلاً: «كانت الرحلة على «الركاب» تبدأ من الجميرة فتصعد «الحرمة» على الناقة والبدوي يمسك الخطام ويأخذون معهم إبلاً أخرى تحمل البضائع، حتى يصلوا إلى العين أو البريمي، وتستمر تلك الرحلة أسبوعاً كاملاً،
وكان الناس في الصحراء يحرقون الغاف ويصنعون منه «الصخام» أي الفحم ويجمعونه ويذهبون إلى عرصة دبي التي كان اسمها الصبيخة ويبيعون «جو نية» الصخام بست روبيات، وكانت الشندغة آنذاك بحراً «الحين الله يبارك غدت بلاد»، وكنا نذهب كذلك إلى عرصة الغبيبة ونبيع الصخام في طرف الدكاكين، ونشتري العيش والثياب والتمر».
ويتحدث الحاج محمد جابر عن منطقة الليسيلي وسبب تسميتها قائلاً «الليسيلي كان اسمها لطوي، حفرته سلية بنت خميس بن مرخان الكتبي زوجة عبدالله بن صاحي العميمي وسمته اللسيلي لأن ماءه كان عذباً ويختلف عن مياه الطوي الأخرى، وموقع الطوي الآن في مزرعة رفيعة بنت محمد بن عمير، ومازال أحفاد سليمة موجودين في المنطقة،
وقد كان عندها في الماضي خدام أمرتهم بحفر الطوي، وسميت المنطقة على اسم الطوي، وقد كانت المنطقة تسمى بأسماء الطوي لأهمية الماء عند الناس، وقد كانت القبائل تتجمع حول الطوى فمنهم من يسكن عند طوي المرموم الذي يقال أن رجلاً «رام» أي مريض وصحا وحفر البئر فسمي المرموم، وطوي النخرة حفره حياة جمعة المكتوم وطوي المرة حفره ابن بيات واكملت حفره ابنته رفيعة، وكان حوله غاف كثير يجتمع عليه وكأنه مزروع بأيدي الناس، وكنا نسميه الشمشاح لكثرته.
وطوي «الخوير» أمر بحفره المغفور له الشيخ سعيد بن مكتوم، وهو قرب طوي النخره، وتجمع الناس في المنطقة بعد أن بنيت الشعبيات، فقبل خمسة وعشرين عاماً أمر المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم ببناء البيوت للناس وتوفير الماء والكهرباء والأطباء، واستقرت الناس ولم تعد تنتقل من مكان إلى آخر، وصارت بوشهم وعزبهم ومزارعهم قريبة من بيوتهم. وقد كان الرجال في الماضي يحفرون البئر لثلاثة أشهر أو أكثر واليوم تأتي الماكينة فتحفره في ثلاثة أيام.
ويتحدث الرجل عن رمضان في الماضي ومعرفة الأشهر والحساب قائلاً: لم نكن نعرف الأشهر الإنجليزية، ولكننا نعرف الهلال، فقد كانت العرب ترى ولم يسرق أنظارهم التلفزيون والكتابة والكمبيوتر، والحين العيال حطو لهم «كشمة» أي النظارات، وأنا لا أحبها فعام أول أخذني ابني إلى طبيب العيون وحطولي كشمة وعوّرت عيني وصارت ما تشوف الآن أنا أرى بعين واحدة ولا أرغب باستخدام النظارات مرة أخرى، المهم أن الناس في الماضي كان منهم علماء يعرفون الشهور والحساب،
وإذا طلعت «الحمسة» أي السلحفاة يعني طلع الحر ويعرفون النجوم أول مثل الثريا والتويبع والميازين ويوم يظهر سهيل يعني أن الوقت بدأ يبرد، وهكذا يعرفون الشهر الكريم ومواعيده، وفي الماضي لم تكن هناك مساجد أو مطاوعة، وكنا نصلي تحت الغافة، وإذا جاء رمضان بنينا مسجداً من الدعون أي عريش، وكان والدي يصلّي بالناس و«يقرأ على المريض فيصبح يرقص»، والناس تفطر رباعة، عيش وروب أو تمر وكامي،
وكان المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم يرسل «الميرة» من الطعام والقهوة في أول رمضان للناس، وفي منتصف الشهر يرسل الكسوة للعيد، وإذا جاء العيد يذبح الرجال الذبائح، وكنّا نصلي العيد في العرقوب الأبيض ونتبادل التهاني ونتغدى رباعة، فنأكل الخبيص والعصيد والقرص والبلاليط والهريس.
وحول فعاليات العرس البدوي قديماً يقول الحاج محمد جابر كانت «صباحة» الحرمة بكرة صغيرة، وتكون تلك النقالة لها فيوسّمها بوسم أبيها لكي تفرح العروس، ويكد عليها الزوج لها ولأولادها، وكان الرجال يحوربون في الليل أي ينشدون الحربية، وأقاموا ركض الركاب والناقة الفائزة تحصل على الناموس الذي يكون مبلغاً بسيطاً من المال وأحياناً يعطيها المعرس «وزار» وكان الناس يتجمعون في الأعراس، واليوم تجمع أهل النخرة والعشوش وأهل المرموم في اللسيلي وصارت دارهم واحدة.
ويضيف «في الماضي كنا نسكن في الحر وفي الصحراء، وذهب أهلنا إلى السكن في الجميرا حيث كانت هناك بيوت مبنية ومستقرين وبقيت أنا هنا، فقلت قصيدة تقول:
البدو عدنا غدو فلّه
للحجر والمسبح الثاني
لي مريح القلب شرغلّه
ما اعتبر من مال عطشان
حصلوا عقب السعف فلّه
بفضل حكام لهم شان
يعل والي العمر يمهلّه
وإن نوا يعطيه بسفطان
وفي الماضي كان البدو يحضرون.. في العين والبريمي والقطارة، ونأخذ معنا العيش و«العومة المالحة» أي السمك والخل والملح ونبيعه ويعطوننا تمراً مكانه، ونحمل معنا أنواع السمك المختلفة، وكان الذهاب إلى الحاضرة أي المدن المستقرة يسمى الحضار، وإذا عاد الناس إلى البادية قلنا يبدون، وكنا نعود من تلك المناطق حاملين الليمون والسع بحضافة والحناء و«السراريد» و«المكبة» ومصنوعات الخوص،
واليوم لا أحد يحضر فالمزارع موجودة والزراريب مليئة بالحلال والماء متوفر في كل مكان، وقد أصبحنا بعز وبركة بفضل قيادتنا الحكيمة وشيوخنا الكرام. خرجنا من الجمعية ونحن نسجل التقدير للجهود التي جعلت من الصحراء منطقة عامرة بالمساكن ومزارع النخيل، فأصبح أبناء الترحال مستقرين في بيوتهم لهم أعمالهم وأسواقهم واهتماماتهم الجديدة.
استطلاع: دلال جويد

