عاش أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الذي ولد في قرطبة بالأندلس، بين العامين الميلاديين 860 و 940، ولقد اشتهر من بين مؤلفاته، واحد من أكثر كتب التراث العربي طرافة وحسن اختيار وحكمة، بل موسوعة في العلوم والأدب واللغة والتاريخ، مصنفة موضوعاً موضوعاً، ومرتبط كل صنف منها بجوهرة من الجواهر التي ألقت فيما بينها في نهاية الأمر عقداً فريداً، لم يترك باباً من جوانب الفكر والحياة إلا وطرقه.
«السلطان وعدل ساعته»، «تحت ظلال القنا»، «الأيدي السخية»، «وفود العرب»، مخاطبة الملوك، «أبناء النور»، «أمثال العرب»، «سحر البيان»®®. كل هذا هو بالطبع أسماء كتب.. لكنها في الحقيقة كتب تشكل في مجموعها وفيما بينها كتاباً واحداً يعتبره كثر من أطرف كتب التراث العربي وأفعلها بالحكايات والأمثال والأفكار والنوادر وما إلى ذلك.
ولئن كان صاحب هذا الكتاب قد أطلق على مجمله اسم «العقد الفريد» في هذا إلا لأنه كان يعتبر كل جزء من أجزائه جوهرة مختلفة عن الأخرى تشكل فيما بينها ذلك العقد الذي عز نظيره، وبدا أثمن من كل العقود والجواهر بل بدا في تجمعه واختياراته وفائدته، أكثر جمالاً مما كان مؤلفه يتوخاه من تأليفه، حسب الباحثين، اذ يرى بعض هؤلاء أن واضع هذا الكتاب الفريد، إنما كان يريد أن يصبح شاعراً وأن يُجلّى في شعره..
لكنه لم يتمكن أبداً من ذلك.. بدا مثل كثر من شعراء زماننا هذا، راغباً في كتابة الشعر، لكن الموهبة الإبداعية تخونه. ويقول الباحث اللبناني كرم البستاني إن خير دليل على هذا، القصيدة القصصية التي ضمنها «الشاعر» وصفاً لغزوات عبد الرحمن الناصر، فأتت لا في العير ولا في النفير... بل أتت في أبياتها التي تصل إلى 440 بيتاً، أقرب إلى التاريخ المنظوم بتصنع، فماذا يفعل من كانت رغباته تفوق موهبته؟ يتحول الى مجال فكري آخر.
وهكذا كان، وأمضى ابن عبد ربه القرطبي، وهو اسم كاتبنا هذا، سنوات طويلة من حياته يصنع عقده الفريد هذا. ليأتي درة قد لا يكون لها من النفس الشعرية ولو جزء يسير، وقد لا تقارن بإنشاء الجاحظ وفكاهته أو الأصفهاني وإيجازه وعمق درايته، لكنها كشفت كما يقول كرم البستاني عن أن لابن عبد ربه «من علمه منزلة كبيرة نلمسها هنا.. وما نعت هذا الكتاب بالفريد إلا لنفاسته».
فما هو هذا الكتاب؟ بكل بساطة إنه «مجموعة أدبية فنية، فيها خطب وشعر وفصول نثرية وأقوال حكماء وعلماء في قواعد العمران والاجتماع» فيه «علم العروض وعلم الألحان والأبدان و(.....) تاريخية مع أخبار عرب الجاهلية وأيامهم وأنسابهم وحوادثهم، وأخبار الخلفاء والملوك وغيرهم». ورغم أن مؤلف الكتاب لم يحفل أبداً بتوقيف تواريخ الأحداث فإن «قيمته الأدبية عظيمة،
ولا سيما بما يحتويه من آراء أدبية في نقد الشعر وآراء فنية في نقد المغنين والملحنين «بحيث إنه يعتبر «بعد الأغاني» المرجع الذي يرجع إليه الأدباء ويعتمد عليه المؤرخون». هذا باختصار وصف الكتاب على لسان وبقلم الباحثين، أما مؤلفه نفسه فيقول لنا..وقد ألفت هذا الكتاب وتخيرت جواهره من متخير جواهر الآداب ومحصول جوامع البيان، فكان جوهر الجوهر ولباب اللباب، وانما لي فيه تأليف الاختيار وحسن الاختصار،
وفرش في صدر كل كتاب وما سواه فمأخوذ من أفواه العلماء ومأثور عن الحكماء والأدباء، واختيار الكلام أصعب من تأليفه، والحال أن هذه النقطة اذ يذكرها ابن عبد ربه هنا ويركز عليها، تبدو شديدة الأهمية، حتى في نزعتها التبريرية، خاصة أن ابن عبد ربه يسارع بالتأكيد على فكرته حول أن الاختيار أصعب-بل أهم-من التأليف،
مستنداً الى قول البعض «اختيار الرجل وافد عقله» مثنياً بما قاله الشاعر: قد عرفناك باختيارك اذ كان دليلاً على اللبيب اختياره ثم يعود الى أفلاطون الذي قال، حسب رأيه: «عقول الناس مدونة في أطراف أقلامهم، وظاهرة في حسن اختيارهم».
واضح من كل هذا أن «العقد الفريد» في وهلة أولى ينتمي إلى ذلك النوع من الكتب الذي تكاثر جمعه والتأليف بين فصوله بعد القرن الرابع الهجري، ويميزا به عبد ربه كتابه هذا، انطلاقاً من الاختيارات نفسها، فهي بالنسبة إليه لا يمكن النظر إليها على أنها اختيارات عشوائية بل هي مدروسة بعناية، وهو يقول لنا في هذا: «تقلبت نظائر الكلام وأشكال المعاني وجواهر الحكم وضروب الأدب ونوادر الأمثال، ثم قرنت كل جنس منها إلى جنسه،
فجعلته باباً على حدته، ليستدل الطالب للخبر على موضعه من الكتاب ونظيره في كل باب». إذاً، ها نحن هنا أمام موسوعة مرتبة حسب مواضيعها، ويتابع ابن عبد ربه «وقصدت من جملة الأخبار وفنون الآثار أشرفها جوهراً وأظهرها رونقاً وألطفها معنى وأجزلها لفظاً وأحسنها ديباجة وأكثرها طلاوة وحلاوة آخذاً بقول الله تبارك وتعالى: «الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه».
ونحن لئن كنا هنا بدأنا هذا الكلام بتعداد عناوين الأجزاء التي وزع إليها الكتاب في الطبعات الشعبية، فإننا نعرف تماماً أن ابن عبد ربه-في تفسير واضح للعنوان الإجمالي للكتاب ـ كان وضع كل جزء، من أجزائه الخمسة والعشرين، عنواناً يربطه بجوهرة من الجواهر التي كانت معروفة في ذلك الحين مثل: «اللؤلؤة في السلطان» و«المرجانة في مخاطبة الملوك» و«الدرة في التعازي والمراثي» و«العسجدة في كلام الاعراب» و«الزمردة في المواعظ والزهد»
و«الياقوته في العلم والأدب». ثم حين قصّر عدد الجواهر عن استيفاء الأجزاء الخمسة والعشرين حقها، عاد ابن عبد ربه الى الجواهر نفسها يُعَنون بها، مثل «الزمردة الثانية في فضائل الشعر ومقاطعه ومخارجه» و«الجوهرة الثانية في أعاريض الشعر وعلل القوافي». الخ.
وهنا بعض أمثلة على ما في أجزاء الكتاب، على شكل فقرات منتزعة من شتى أجزائه: قال عدي بن أرطأة لإياس بن معاوية: دلني على قوم من القراء أُولِّهم، فقال له :القراء حزبان: حزب يعملون للآخرة ولا يعملون لك، وحزب يعملون للدنيا. فما ظنك بهم إذا أمكنتهم منها؟.
قالوا ليس أضرّ بالسلطان من صاحب يحسن القول ولا يحسن الفعل، ولا خير في القول إلا مع الفعل، ولا في المال إلا مع الجود، ولا في الصدق إلا مع الوفاء، ولا في الفقه إلا مع الورع، ولا في الصدقة إلا مع حسن النية، ولا في الحياة إلا مع الصحة.قال رجل لبعض الملوك: أنا من لا يحاجّك عن نفسه، ولا يغالطك في جرمه، ولا يلتمس رضاك إلا من جهة عفوك ولا يستعطفك إلا بالإقرار بالذنب، ولا يستميلك إلا بالاعتراف بالذلة.
دخل مالك بن أنس على هارون الرشيد فشكا اليه دينا لزمه، فأمر له بألف دينار، فلما وضع يديه للقيام قال: يا أمير المؤمنين وزوجت ابني محمداً فصار علي فيه ألف دينار، قال: ولابنه ألف دينار.وذكر متمم بن تويرة أخاه مالكاً فقال: كان يخرج في الليل الصنبر(البارد) عليه الشملة الفلوت بين المزادتين على الجمل الثقال، معتقل الرمح الخطّي. قالوا: وأبيك ان هذا لهو الجلد.
قالوا ليس الفقه بالتفقّه، ولا الفصاحة بالتفصّح لأنه لا يزيد متزيد في كلامه إلا لنقص يجده في نفسه ومما اتفقت عليه العرب والعجم قولهم: الطبع أملك. وقال حفص بن النعمان: المرء يصنع نفسه، فمتى ما تبلُهُ ينزع إلى العرف (أي يعود الى أصله).
