تحدثت الشريعة الإسلامية عن الزراعة حديثا من شأنه إذا ما استجاب العقلاء له أن يزدادوا إيمانا على إيمانهم، وأمنا على أمنهم، ورخاء على رخائهم، لأن الزراعة خيرها كثير ورزقها وفير، وجمالها نضير، وعطاؤها كبير.حول هذا الموضوع يقدم لنا فضيلة الإمام الأكبر الدكتور محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر دراسته الجديدة: «حديث القرآن والسنة عن الزراعة».
* قوام الحياة
في البداية يتحدث المؤلف عن الزراعة باعتبارها نعمة من أعظم النعم التي لا غنى للإنسان أو الحيوان عنها، إذ عليها قوام الحياة وبها تزدهر، ومن خيرها تكون التنمية المتنوعة التي ما وجدت في مجتمع من مجتمعات إلا وعمه الرخاء والأمان والاطمئنان.ومن الآيات القرآنية التي أكدت هذه الحقيقة قوله تعالى في سورة عبس: «فلينظر الإنسان إلى طعامه. أنا صببنا الماء صبا.
ثم شققنا الأرض شقا. فأنبتنا فيها حبا. وعنبا وقضبا. وزيتوناً ونخلا. وحدائق غلبا. وفاكهة وأبا. متاعا لكم ولأنعامكم».والمتأمل في هذه الآيات الكريمة، يراها مشتملة على ألوان من النعم التي تصل إلى الإنسان عن طريق الزراعة، كما يراها تلفت نظره إلى عجيب صنع الخالق عز وجل فيها، لكي يزداد الإنسان شكرا لواهب هذه النعم وهو الله تعالى.
وأحيانا يتحدث القرآن الكريم عن نعمة الثمار والفواكه التي تزخر بها الأرض على أن هذه النعمة ليس الانتفاع بها مقصورا على الدنيا فقط، بل يمتد هذا الانتفاع بتلك الثمار إلى أنعم الخالق عز وجل عليهم بجنات النعيم في الآخرة، وقد أشار القرآن إلى ذلك في قوله تعالى في سورة البقرة: (وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون).
وتارة نجد القرآن يخص بعض الأشجار بالذكر لما لها من منافع جمة في حياة الناس فيقول في سورة المؤمنون: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فاسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون وأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيه فاكهة كثيرة ومنها تأكلون وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين).
وينتقل بنا المؤلف إلى الحديث عن الزراعة كدليل على وحدانية الله تعالى وقدرته موضحا أن البلاد التي غالبية سكانها يشتغلون بالزراعة يكونون في الأعم الأغلب أكثر من غيرهم من اخلاص العبادة لله الواحد القهار، وفي التقرب إليه بالدعاء، وفي الاعتماد عليه عز وجل في أمور معاشهم.ولعل ذلك مرجعه إلى أن حراثة الأرض، وإلقاء البذور، وانتظار خروج النبات منها، ثم تعهد هذا بالرعاية حتى يؤتي ثماره، كل ذلك يعين على التقرب إلى الله تعالى بالطاعة والدعاء، كما يعين على التذكر والاعتبار.
ولقد ساق القرآن صورا متنوعة وأدلة متعددة على وحدانية الله وقدرته عن طريق هذه الزراعات التي تزخر بها الأرض في المشارق والمغارب، ومن ذلك قوله تعالى في سورة الواقعة: (أفرأيتم ما تحرثون. أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون. لو نشاء لجعلناه حطاما فأظلتم تفكهون إنا لمغرمون. بل نحن محرمون).
وشبيه بهذه الآيات الكريمة في بيان الأدلة على وحدانية الله تعالى وعلى نفاذ قدرته ومشيئته قوله سبحانه في سورة يس: (وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون. وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون. ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون).
ومن الآيات الكريمة التي ساقها القرآن الكريم كدليل على وحدانية الله وقدرته قوله تعالى في سورة الرعد: (وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون).ومن أوضح الآيات الدالة على قدرة الله تعالى ووحدانيته قوله تعالى في سورة الواقعة: (أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون).
وتحت عنوان «الزراعة كنموذج لضرب الأمثال الحكيمة» يشير المؤلف إلى اهتمام القرآن الكريم حديثه عن الزراعة بإبراز جانب ضرب الأمثال باعتبارها من أنجح الأساليب، ومن أفضل الوسائل في هداية النفوس، وفي إقناع العقول، وفي تذكير الناس بما يجب عليهم نحو خالقهم عزوجل، ونحو أنفسهم ونحو غيرهم.
قال تعالى في سورة الحشر: (وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون). وقال سبحانه في سورة العنكبوت: (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون)، وقال عز وجل في سورة إبراهيم: (ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون).
ومن الأمثال الحكيمة التي ساقها القرآن الكريم عن طريق الاشجار لتمييز الحق من الباطل قوله تعالى في سورة إبراهيم: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون.. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة.. اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار).
ومن الأمثال البليغة الحكيمة التي ساقها الله تعالى عن طريق الحبوب والسنابل والزرع، لسمو منزلة الذين ينفقون أموالهم في وجوه الخير والبر، قوله سبحانه في سورة البقرة: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم).
ومن أروع الأمثلة التي رسمت صورة مشرقة مضيئة للمؤمنين الصادقين، عن طريق تشبيههم بالزروع القوية الناضرة الباسقة الجميلة قوله تعالى في سورة الفتح: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفاء رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم على وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما).
وفي النهاية يتوقف بنا المؤلف عند حديث السنة النبوية عن الزراعة مؤكدا أنه حديث حكيم شامل، عن النباتات وجمالها، وعن الاشجار ونضرتها، وعن الثمار ولذتها، وعن وجوب تنمية هذه الزراعة حتى تؤتي ثمارها في أكمل صورة، وحتى يكون المؤمن الصادق، أو المسلم الحق شبيها بها أو هي شبيه به.
ومن هذه الاحاديث النبوية الصحيحة التي شبهت المسلم بشجرة من الاشجار النافعة، أو شبهت هذه الشجرة بالمسلم الصادق في إسلامه القوي في إيمانه.من هذه الاحاديث ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها، وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي)؟!
يقول عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وهو الذي روى هذا الحديث فوقع الناس في شجرة البوادي، ووقع في نفسي أنها النخلة ولكني إستحيت أن أتكلم.فقالوا ـ أي الحاضرون في هذا المجلس ـ يا رسول الله أخبرنا بها ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (هي النخلة).فما أجمل وما أحكم تشبيه المسلم بالنخلة، أو تشبيه النخلة بالمسلم كما فصل صلى الله عليه وسلم.
أن النخلة ننظر إليها فنراها يسيرة التكاليف قليلة المؤونة يغرسها صاحبها في الأرض الطيبة، ثم يتعهدها بقليل من الجهد فتنموا وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها.وهذا شأن المسلم الحق أنه يعطي أكثر مما يأخذ أنه يتعفف ولا يلحف، ويتلطف ولا يتكلف إنه مأمول نفعه وخيره ومأمون شره وضره.
وقد بلغ من حب النبي صلى الله عليه وسلم للزراعة أنه قال: «ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة».وبلغ من اهتمامه صلى الله عليه وسلم بشأن الزراعة أنه قال: «إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها».
