تميزت دبي منذ القدم بوصفها مدينة متعددة الأعراق احتضنت العديد من الجنسيات والخلفيات. فقد عاشت على ضفتي الخور في دبي عدة جاليات وجنسيات بكل ود وتفاهم ضاربة أروع مثل على المجتمعات العالمية المثالية. فلم تعرف دبي سوى نادرا تضارب المصالح بين الأعراق المتعددة ذات المصالح الواحدة.
وكأي مجتمع تجاري، كان مجتمع دبي مدركا بأن الاستقرار الاجتماعي مكمل للاستقرار الاقتصادي. ومما ساعد على توفير جو الاستقرار العام هو ذلك الاستقرار السياسي الذي تميزت به دبي طوال تاريخها. فلم تعرف دبي، كبعض المجتمعات البدوية القبلية الأخرى، الصراعات السياسية الدامية التي أثرت على مناحي الحياة الأخرى في المجتمع بل تميز نظام الحكم في دبي بالتسلسل الطبيعي الذي أدهش الكثير من المؤرخين والمراقبين.
ولذلك كان الاستقرار السياسي من دواعي توافر الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. كانت المجموعة الكبرى من سكان دبي حتى عقد الستينيات هي المجموعة العربية. فقد كان مجمل سكان دبي الأصليين من القبائل العربية التي نزحت من شبه الجزيرة أبان تكون وتشكل دبي كإمارة مستقلة.
والى جانب القبائل العربية التي كونت العمود الفقري لسكان دبي عاشت جاليات فارسية نزحت إلى دبي أما لأغراض الاستقرار في هذه الإمارة النشطة وأما لأسباب القلاقل التي عرفها الساحل الفارسي وأدى إلى هجرة العديد من الفرس والعرب معا لغرض الاستقرار النهائي في دبي.
كما عاشت في دبي جالية هندية كبرى اعتبرت العمود الفقري لاقتصاد دبي أبان تجارة اللؤلؤ. فقد كانت الطبقة الممولة لذلك الاقتصاد لكونها لعبت دور البنك الذي يقرض الأموال اللازمة لتمويل أساطيل الغوص ولكون التجار العرب لا يتعاملون في الإقراض لاعتبارات إسلامية لم يترتب عليه من الربا.
وهكذا عاشت هذه الأعراق جنبا إلي جنب بكل هدوء وسكينة الأمر الذي انعكس على دبي واقتصادها كما انعكس على صورتها في العالم الخارجي. فغالبا ما كانت دبي توصف بأنها مدينة الأعراق المختلفة التي انصهرت لتكون فيها مجتمع دبي في النصف الأول من القرن العشرين.
* مؤسسة أسرية
كثير ما جذب نظام الحكم السائد في دبي دهشة الرحالة والزائرين خاصة الغربيين. فقد شبهوا دبي على الدوام بأنها تلك المدينة الدولة التي تشبه في التاريخ الأوربي القديم مدن الإغريق واليونان المتمتعة بالسيادة والسلطة في ظل أمير يستمد حكمه من حكم الشعب، مع بعض الاختلافات البسيطة.
كان أول ما يجذب انتباه القادم إلي دبي تلك العلاقة غير العادية التي تربط الحاكم بالمحكومين. فلم يكن الحاكم يعتبر نفسه الا واحداً من الشعب. فلم تكن سلطة الحاكم مستبدة بل كان الشيخ يستمد سلطته من الشعب بطريقة ديمقراطية قائمة على التفاهم والحوار والمشورة.
وكان المجلس الاستشاري للشيخ، والذي يضم مجموعة من أعيان دبي وتجارها، هو السلطة المكلفة بالإشراف على شؤون الإمارة. وقد ظل هذا المجلس هو مركز الثقل السياسي حتى إدخال الإدارة الحديثة في دبي. فلا غرو أن تتمتع دبي بجو ديمقراطي تطلبته ظروف الأمارة النشطة.
ظل هذا النوع من الحكم قائما حتى تبنى أساليب الإدارة الحديثة القائمة على تخصيص شؤون الإمارة وإعطاء الأوليات للنخب المتعلمة. ومن الطريف أن عددا كبيرا من المراقبين الأجانب الذي زاروا دبي في النصف الثاني من القرن العشرين دونوا الملاحظة التالية وهي أن الحاكم الشيخ راشد كان يدير شؤون إمارته من منطلق كونه رئيس مجلس إدارة شركة كبرى وهو الأمر الذي أهل هذه الإمارة لاتخاذ القرارات السريعة والمهمة دون إبطاء أو تأخير ودون المساس بجوهر الحكم التقليدي الا وهو المشورة.
* مجلس راشد
منذ نهاية الأربعينيات أصبح اسم الشيخ راشد اسما أسطوريا يتردد على كل لسان في طول إمارة دبي وعرضها. فهذه الشخصية الأسطورية استطاعت أن تجد الحلول السحرية للكثير من المعضلات الاقتصادية التي كانت تواجه دبي. فمن مجلسه الصغير المطل على الخور كان راشد يصدر قراراته الاقتصادية ولكن بعد روية وبعد دراستها بإمعان مع التجار وإدراك نتائجها البعيدة المدى على مستقبل إمارته الصغيرة.
عرف راشد بالتواضع فكان مجلسه بسيطا خاليا من كل مظاهر الأبهة والفخامة التي تحيط غالبا برؤساء الدول والأمراء. وبوصف أحد الرحالة كان راشد غالبا ما يجلس على كرسي عادي «وبقربه غليونه الخشبي الرفيع «المدواخ» ثم ينفض التبغ المحترق منه ليعاود تعميره بتبغ جديد كان يحفظه داخل زجاجة أدوية فارغة يحملها معه «.
كانت سياسة راشد، كسياسة أسلافه من شيوخ وحكام دبي، وهي الإبقاء على سياسة الاتصال الدائم مع الشعب وثيقة. ولذلك كان مجلسه مفتوحاً بصورة يومية يلتقي فيه مع أبناء شعبه والراغبين من الأجانب في زيارته. لقد كانت سياسته هي سياسة « الباب المفتوح» تلك السياسة التي أفادت كلاً من الحاكم والمحكومين.
فالحاكم كان يقرر سياسته غالبا بناء على اتصاله المباشر بالشعب كما أن الشعب كان يحس بتلك النبضة الفريدة التي تربطه بالحاكم الذي أصبح واحدا منهم. لذلك نجحت هذه العلاقة الفريدة في تجنيب دبي الكثير من المشكلات السياسية التي كانت شائعة في بقية أنحاء المنطقة كما استطاعت نقل دبي تدرجيا إلي مصاف المدن المتقدمة.
كانت أهم خصائص راشد كونه مستمعا جيدا، ففي مجلسه البسيط المشرع الأبواب يدخل الناس دون استئذان، يخلعون النعال خارج المجلس ويجلسون على الأرض في أحد الأركان في انتظار دورهم للقاء الحاكم والحديث معه في المواضيع التي جاؤوا من أجلها.
وكما يقول أحد الرحالة الذين زاروا الشيخ راشد في مجلسه «لم أستطع أن أفرق في ذلك المجلس بين الشيخ والجالسين، فالجميع كانوا متشابهين، متربعين على الأرض فوق السجادة العادية، كانوا يتحدثون ويتناقشون وأمامهم خارطة لخور دبي».
كانت أحلام راشد تدور حول الخور، ذلك الشريان الحيوي الذي حول دبي إلى مركز تجاري بفضل حسن التخطيط والقدرة على الاستفادة من الظروف الجغرافية لخدمة الأوضاع الاقتصادية لذا فكانت معظم مشاريع راشد تدور إما على الخور وإما من حوله.
وكما يقول أحد الصحافيين الذين زاروه أبان نهضة دبي في نهاية الخمسينيات من القرن العشرين «إننا حاليا في المراحل النهائية لتعمير الخور، ومد رصيف داخل مياه الخليج في منطقة الشندغة لتقف عليها السفن الكبيرة حمولة 2000 طن، وكانت هذه السفن تقف على مسافة خمسة أميال تأتي إليها السفن الصغيرة لتفرغ حمولتها وتوصلها إلى تجار دبي» وسوف ينتهي العمل بهذا الرصيف في يونيو 1961».
ويمضي الشيخ راشد قائلا «إن اتمام هذا المشروع سينعكس على دبي وينعش تجارتها ويزيد من ازدهارها كما إن من مشاريعنا بناء حوض جاف ومناطق حرة نجمع فيها السيارات في جبل علي، وتخصيص مناطق للصناعة، كما أن من مشاريعنا إقامة كورنيش على شاطئ الخور».
كان في جعبة الشيخ راشد الكثير من المشاريع المستقبلية والأحلام لدبي. فقد أحس أنه مسؤولا مسؤولية مباشرة لتحويل تلك الأحلام إلى واقع لذلك فقد أمر في نهاية الخمسينيات بوقف البناء مؤقتا في دبي حيث عكف المخططون على وضع تخطيط جديد لمدينة دبي وما كاد عقد الستينيات في الانتصاف إلا وكانت دبي قد برزت كمدينة عصرية حديثة اعتبرت درة الإمارات المتصالحة.
ترصدها: د. فاطمة الصايغ

