استعادت الدكتورة زمزم هلال رئيس قسم الدراسات العبرية بجامعة الأزهر لـ «واحة الصائم» زكرياتها الرمضانية في مراحل الشباب في حي الأزهر الذي نشأت وترعرت فيه ومازالت فقد عاشت فيه أيام انتصارات رمضان عام 1973 وكيف ان المتطوع للحرب ضد الصهاينة كان يمر على الأزهر والحسين ليصلي ويتبرك ثم يتجه مباشرة إلى الجبهة.

كما أكدت ان المقاومة الفلسطينية أفزعت المجتمع الإسرائيلي وأفقدته الإحساس بالأمان وقضت على أحلامه في أرض الميعاد، وأجبرت جيشه على الانسحاب من غزة وجنوب لبنان، واعتبرت ان دراسة اللغة العبرية هدف مهم لحماية الأمن القومي من خطر الصهاينة ومعرفة مخططاتهم ضدنا مقللة من خطر الاحتكاك بالصهاينة

ومؤكدة على ان الأمر يتركز على ترجمة كل ما تصل إليه أيدينا لمعرفة عقلية هؤلاء الأعداء ؛ ومشيرة إلى رفضها منذ دخلت قسم اللغة العبرية أي احتكاك مباشر مع الصهاينة مكتفية بالترجمة عن بعد دون أية علاقة لا بسفارة الكيان أو مركزه الثقافي، هذا إلى جانب العديد من القضايا في حوارها مع « واحة الصائم».

ـ ما هي أهمية دراسة اللغة العبرية في جامعاتنا المصرية بشكل عام والأزهر بشكل خاص ؟

ـ تعتبر دراسة اللغة العبرية في مصر هدفاً قومياً من أجل معرفة الآخر وكيفية التعامل معه ومعرفة أبعاد العقل الإسرائيلي للتعامل معه وفق ما يفهمه من اجل دعم حقوقنا المسلوبة ولكي نصل إلى ما نريد لابد من الوصول إلى معرفة كيفية تفكير الآخر.

ـ متى أنشئ قسم اللغة العبرية في الأزهر ؟

ـ كلية اللغات والترجمة سباقة في إنشاء قسم متخصص للغة العبرية وفي كلية الدراسات الإنسانية أنشئ قسم اللغة العبرية قبل انقسام كلية الدراسات الإسلامية إلى كليتين إحداهما كلية الدراسات الإنسانية والأخرى ظلت بنفس الاسم القديم وتحديدا عام 1970.

ـ وهل ترى د. زمزم سلبيات يخشى منها على الطالبات الدارسات في قسم العبري؟

ـ بالعكس الدراسة في هذا القسم كلها ايجابيات، حيث ان الطالبات دائما في نفوسهن دوافع خاصة تحركهن للدراسة والإتقان للترجمة من العبرية للعربية لمعرفة كيف يفكر عدوهن وعدونا جميعا من صهاينة محتلين للديار ومدنسين للمقدسات وفي أذهانهم جميعا حديث الرسول عليه السلام «من تعلم لغة قوم أمن مكرهم» حيث يمكننا ترجمة الأدب الإسرائيلي من الغوص في أعماق مجتمع العدو الإسرائيلي ودراسته ورصد نقاط الضعف والقوة فيه

ولا نعتقد أن هناك خطورة على طالباتنا أو الدارسين للغة العبرية بشكل عام في مصر لأن الاحتكاك المباشر مع هؤلاء الصهاينة غير موجود أصلاً وان كل تعاملاتنا تعتمد على الترجمة لما تقع عليه أعيننا من أدب يهودي وصحف عبرية حتى انه عند ترجمة أي نص أدبي نتعامل معه على انه مكون من مفهوم لغوي وأسعى لتجريده من عادات وتقاليد اليهود المبتذلة والإباحية حتى يتسنى لنا دراسته.

* هل هناك أمثله على ذلك ؟

ـ بالطبع فقد استطعنا ان نقوم بتمثيل مسرحية لأحد الأدباء اليهود باللغة العبرية لتدريب الطالبات على التحدث الجيد ولفهم مقاصد المسرحية التي تفضح سلبيات وانحرافات المجتمع الإسرائيلي وكان العمل المسرحي بعنوان «هواجس من الشرق» وقد قمت قبل عرضها بحصر كل ما يتعارض مع ديننا وعقيدتنا وعاداتنا وأخلاقنا وحذفه، وأبرزت المسرحية عنصرية الصهاينة فيما بينهم داخل المجتمع الإسرائيلي وكيف يعاملون اليهودي الشرقي كمواطن درجة ثانية في المجتمع وهي طائفة «السفردم».

ـ من خلال الأدب ما هي السمات السلبية التي لمستها في تركيبة مجتمع الاحتلال الإسرائيلي ؟

ـ الخلل في المجتمع الإسرائيلي نابع من داخل المجتمع نتيجة تكوينه العنصري والطبقي الذي يفرق ويميز في التعامل بين اليهود بسبب أجناسهم حيث يتحكم اليهود البيض « الاشكناز» القادمين من الغرب في قيادة المجتمع ويعاملون اليهود الشرقيين كمواطنين من الدرجة الثانية في جميع أرجاء الكيان الإسرائيلي، وتتفاوت العنصرية والطبقية البغيضة داخل المجتمع حتى أدنى مستوى لها وهو أسلوب التعامل مع يهود الفلاشا السود.

ـ من خلال دراستك ما هو واقع المرأة الإسرائيلية ؟

ـ تعاني المرأة داخل المجتمع الإسرائيلي العنصري من اضطهاد وتمييز ضدها ولا تحصل على حقوقها مطلقاً بالرغم من أنهم يزعمون أنهم مجتمع ديمقراطي فهناك تمييز ضدها في الرواتب وفي المراكز القيادية وداخل الأسرة وتتعرض لعنف شديد وهناك تمييز بينها وبين الرجل ولم تأخذ الحقوق نفسها التي تتمتع بها المرأة في المجتمعات الإسلامية.

ـ يعاني المجتمع الإسرائيلي من انتشار الإباحية ورواج تجارة اللحوم البيضاء فما انعكاس ذلك على تفسخ هذا الكيان؟

ـ المجتمع الإسرائيلي كأي مجتمع غربي والإباحية موجودة فيه منذ نشأ لأن العناصر المكونة له أصلاً تم طردها من أوروبا وأميركا مما جعلها تأتي إلى فلسطين لتحتلها وتتصرف بنفس عقلية الغرب وأمراضه ومظاهره، في الأدب والأفلام والشارع هناك مافيا العاهرات وبزنس الإباحية لاسيما انه استغل الروسيات ونحن لا نعرض طالبتنا لمثل هذه الأمور ولكننا كمترجمين متخصصين نتعرض لمثل هذه الأمور الموجودة في الصحف والمجلات والتي لا نسمح بتداولها بين أيدي الطالبات نظرا لطبيعة الدراسة بالأزهر الشريف.

ـ هل يوجد علاقة بينكم وبين السفارة أو تتلقون منها أية دعوات ؟

ـ لا توجد أية علاقة مع السفارة أو المركز الثقافي الإسرائيلي ونحن نرفض أيه دعوات ولا نشارك في أي نشاط وذلك حتى لا يكون هناك احتكاك وكانت الدعوات تأتي بالاسم وترفض لعدم الاستجابة من قبلنا.

ـ هل زرتم الكيان الصهيوني من قبل؟

ـ لم يحدث أن زرنا الكيان الصهيوني أبداً وهو أمر مرفوض من قبل ومن بعد.

ـ ما هو تأثير المقاومة على المجتمع الصهيوني؟

ـ هناك داخل المجتمع الإسرائيلي من يرفضون الاحتلال والعنف الذي يمارسه اليهود ضد العرب والمسلمين في فلسطين المحتلة ولكنهم قلة قليلة للغاية وغير مؤثرة وضعيفة، وهناك من يؤيد ذلك العنف والقتل والتنكيل بالشعب الفلسطيني وهم يتزايدون بسبب ما تطرحه برامجهم الإعلامية ومناهجهم الدراسية من كراهية وحقد على الإسلام والمسلمين والعرب بوجه عام والفلسطينيين بالأخص،

وهناك تطرف متمثل في المستوطنين وغير المستوطنين نشأت أجيالهم على الكره والحقد للعرب والمسلمين ويريدن ان يقضوا على العرب وهم يدرسون كل شيء عن العرب في مناهجهم بصورة خاطئة وصورة سيئة تحض على الفتك بهم والعمل على محوهم من الأرض العربية التي يعتقد اليهود بهتانا أنها ملك لهم وان العرب دخلاء عليهم ونحن من خلال دراسة اللغة العبرية والقيام بالترجمة استطعنا التعرف على ما يخطط لنا وما يحاك ضدنا نحن العرب والمسلمين على أيدي هؤلاء اليهود المتطرفين وغير المتطرفين.

ـ كيف ترى الدكتورة زمزم تأثير المقاومة الفلسطينية على تركيبة المجتمع الإسرائيلي من داخله من خلال الترجمة؟

ـ المقاومة الفلسطينية فرضت على المجتمع الإسرائيلي حالة من الرعب والهلع ونزعت الآمان الذي كانوا يبشرون به اليهود في مختلف أرجاء العالم والذي سينعمون به في أرض الميعاد وتحولت حياتهم إلى جحيم بسبب غطرستهم وعدوانهم المستمر على الفلسطينيين وممتلكاتهم ومقدساتهم وأطفالهم ونسائهم وشيوخهم مما فجر أعمال المقاومة ضدهم والتي لم تخبوا جذوتها منذ انطلقت شرارتها الأولى عام 1988 حتى اليوم التي أثمرت اندحار الاحتلال وهروبه من غزة منذ قليل ومن قبلها جنوب لبنان.

ـ هل تعتقدين أن انسحاب اليهود من غزة هو انتصار للفلسطينيين أم تكتيك إسرائيلي لحبسهم في سجن اكبر؟

ـ اعتقد أن هروب الإسرائيليين من غزة هو انتصار حقيقي للمقاومة الباسلة التي رفضت ان تلقي سلاحها من اجل تحرير وطنها الفلسطيني رافعة شعار «فلسطين كل فلسطين من النهر إلى البحر»، والذي تقدم على حساب تقهقر شعار الصهاينة «إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل».

فضلاً عن أنها تمت من جانب واحد كما حدث في أريحا إذ أعلنوا من قبل غزة وأريحا أولاً حيث يعتقد اليهود ان أريحا مدينة ملعونة وتبعتها اليوم غزة ببركة المقاومة الباسلة؛ وإنني أدعو الفلسطينيين إلى استمرار النضال على الصعيد السياسي وألا يمس سلاح المقاومة حتى لا تتحول غزة إلى سجن كبير وان يحصلوا على معابرهم حتى يتمكنوا من التواصل مع إخوانهم في مصر ومن حولها.

ـ ماذا يعني رمضان بالنسبة لك ؟

ـ رمضان يعني بالنسبة لي رمضان بكل ما في هذه الكلمة من بهجة وسعادة وعبادة وشفافية وقرب من الله ولا أنسى وأنا في طفولتي وقد ترعرعت في أكناف منطقة الأزهر والحسين مع كل مظاهر الاحتفاء والاحتفال بقدوم شهر رمضان وطوال الشهر كما انني لا أنسى وأنا طالبة جامعية بالفرقة الثانية حينما دقت ساعة عبور جيشنا الصائم قناة السويس وتقدم محطما خط بارليف وأتذكر أنني كنت أتمنى أن انزل للشارع واذهب للجبهة والتحق بالجيش ـ رغم أنني خوافة وقلبي خفيف.

إلا أنني كنت أتمنى أن أكون وسط الممرضات المتطوعات لمعالجة ضحايا الحرب من الجرحى والمصابين، فضلا عن أننا وجدنا منطقة الحسين تعج بالمصريين من كل المحافظات الذين يتبركون بالصلاة في الأزهر والحسين قبل الذهاب للجبهة والتطوع لمساندة المقاتلين وكان الجميع لديهم شعور واحد يجسد الفرحة بالنصر والاستعداد لتحرير الأوطان في ساعة هم اقرب ما يكونوا إلى الله وهم صائمون في العاشر من رمضان عام 1973.

القاهرة ـ مجاهد مليجي