روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: مر رجل على النبي صلى الله عليه وسلم ـ فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يشفّع. فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ثم مر رجل، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما رأيك في هذا؟» فقال: يارسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب أن لا يُنكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا».

وضع هذا الحديث الشريف المقاييس الحقيقية التي تقاس بها الفضائل، وتقوم بها أقدار الناس، والتي تتمثل في العلم والخلق والعمل الصالح، وأما القيم المادية التي تتمثل في المال والحسب والنسب والمنصب والجاه، فإنها وحدها لا تشكل القيم العليا التي أرساها الإسلام، بل جعلها من تراث الجاهلية،

ورغم وضوح هذه الحقيقة، نجد كثيراً من الناس إذا أرادوا تقييم الناس، ونظروا في أقدارهم فإنهم يقدمون القيم المادية على حساب القيم الحقيقية التي نادى بها الإسلام وعمل على تربية المسلمين عملياً على التحرر منها. والحديث الذي معنا عبارة عن امتحان يجريه الرسول صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه ليرى مدى تحررهم من سلطان تلك المفاهيم المادية، فإذا وجد أنهم ما زالوا غير متحررين منها، صحح لهم موقفهم ووجههم إلى المقاييس الحقيقية التي أقرها الإسلام،

ويبدو أن الصحابي الذي امتحنه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث لم يكن قد تحرر بعد من تلك المقاييس المادية لأنه رأى في الرجل الأول المتمتع بالمال والجاه رجلاً شريفاً رفيعاً في قومه إن خطب امرأة زوجوه، وإن شفع في شفاعة قبلت شفاعته لعلو شأنه بين قومه،

ولكن الرجل الثاني فإنه بسبب فقره وقلة ماله حري به إن خطب امرأة ان لا تقبل خطبته، وإن شفع شفاعة ترفض شفاعته وإن قال كلمة فإنها لا تسمع قولته، وكل ذلك بسبب فقره، والملاحظ أن هذا الصحابي الكريم اعتمد في تقييمه للرجلين على المال، وهذا ما يفهم من قوله عن الرجل الثاني: «هذا رجل من فقراء المسلمين».

وأمام هذه النتيجة صحح الرسول صلى الله عليه وسلم لهذا الرجل نظرته في تقييم الناس، مبيناً أن هذا الرجل الفقير الصالح هو أفضل عند الله تعالى من أعداد لا حصر لهم من صنف الرجل الأول ولو ملأوا الأرض كلها، وهذا ما عبر عنه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «هذا خير من ملء الأرض مثل هذا».

وبذلك يكون هذا الحديث الشريف قاعدة تربوية تبين المعايير والمقاييس الحقيقية التي يقيم على أساسها الناس خاصة إذا علمنا ان هذه القيم المادية التي تفاخر بها الناس في الدنيا من مال وجاه ومنصب وغيرها كلها تزول يوم القيامة لأن مقاييس الآخرة وموازينها لا تقوم إلا على أساس العمل وحده، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة» فالعظم والسمن وضخامة الأجسام وكثرة المال وغيرها ليس لها ثقل في ميزان قيم الناس وأقدارهم يوم القيامة.

د. أبوبكر علي الصديق