اختلف العلماء في موضوع المرض في الصيام، وما هو المرض الذي يبيح الفطر للمريض لأن كلاً منهم يتحدث عن وجه من وجوه العلم في الآية الكريمة «فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام آخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين».

عن حكم افطار المرضى وصيامهم في رمضان يقول الدكتور أحمد شوقي ابراهيم ـ رئيس مجلس ادارة المجمع العلمي لبحوث القرآن والسنة وعضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية: يقول بعض المفسرين: للمريض ثلاث حالات أحداها ألا يطيق الصوم بحال فعلية الفطر واجباً، وثانيها ان يقدر على الصوم..

ولكن بضرر ومشقة فهذا يستحب منه الفطر ويسبب الصوم فيه ضرراً.. وعلى ضوء تقدم العلوم الطبية نجد ان آراء الفقهاء على اختلافها صحيحة فكل منهم يتحدث عن وجه صحيح من العلم. ونلاحظ ان النص القرآني لم يكشف علة الحكم، وترك الحكم مطلقاً، ولم ندرك الحكمة العلمية في اطلاق الحكم في الآية الكريمة الا من خلال التقدم العلمي في عصرنا هذا.

وتبين كما يشير د. أحمد شوقي إبراهيم زميل كلية الأطباء الملكية بلندن ان بعض الحالات المرضية غالباً ما يكون معها الصوم مفيداً ومن الحالات المرضية الأخرى ما يكون معها الصوم مضراً. لذلك رفع الله ـ عز وجل ـ الحرج عن المسلم وترك أمر المرض والافطار أو الصوم فيه حكما مطلقاً، حتى يقدره كل إنسان حسب حالته المرضية التي هو فيها وحسب مرضه وما يقرره الطبيب المسلم الذي يعالجه.

وكثير من الحالات المرضية يكون الصوم فيها مفيداً ومنها مرض ارتفاع ضغط الدم البسيط والمتوسط. فنلاحظ ان الراحة النفسية التي يحققها الصوم لنفسية الإنسان بالإضافة إلى الامتناع عن تناول الطعام والشراب نهاراً يقلل من ضغط الدم ويعالجه افضل علاج. ولا يكون الصوم حائلا ضد العلاج في حالات ارتفاع ضغط الدم المتوسط حيث يتناول المريض حبة واحدة كل يوم او كل اثنتي عشرة ساعة.

فإذا صام المريض وتناول الدواء فإنه بذلك يتلقى علاجين هما العلاج الدوائي وعلاج الصيام. اما في الحالات التي يكون ارتفاع الضغط عاليا أو حالة المريض تستدعي تناول الدواء عدة مرات فعلى المريض في هذه الحالة ان يفطر ومن أجل ذلك ذكر القرآن الحكم في المرض مطلقا وبما يقدره كل انسان حسب حالته.

وهناك أمراض اخرى كما يقول د.أحمد شوقي ابراهيم قد يفيد فيها الصوم مثل مرض السكر المتوسط وبعض أمراض القلب وبعض أمراض الجهاز الهضمي. فمرض السكر في مراحلة الأولى يعالجه الصوم. حيث تبدأ اولى مراحل العلاج بتقليل المريض من الطعام. وهذا لا يتأتي له إلا بالصوم. اما اذا كان مرض السكر شديداً ومصحوباً بالمضاعفات التي تستدعي تناول الأدوية فالصوم في هذه الحالة يضر المريض.

ولهذا فمراحل مرض السكر متعددة وأحوال المرضى فيه مختلفة والفتوى في الصوم أو الفطر يجب ان تكون من طبيب مسلم أهل ثقة. اما مرضى السمنة فإن لم تكن مصحوبة بأمراض أخرى تستلزم الافطار فإن السمنة نفسها يحتاج علاجها الى الصوم بل ان الصوم هو العلاج الامثل للسمنة شريطة إلا يكون هناك اسراف في تناول الطعام ما بين فترتي الافطار والسحور.

وهناك أمراض أخرى مثل أمراض شرايين القلب التاجية وأهمها تصلب تلك الشرايين وضيقها وانسداد بعضها وما ينتج عن ذلك من آلام يشعر بها المريض بالصدر غالباً عند القيام بالمجهود العضلي او النفسي والمريض الذي يعاني من هذه الامراض تتفاوت حالته تفاوتاً كبيراً ففي الحالات البسيطة التي لا تصاحبها مضاعفات يكون الصوم مفيداً للمريض وكثير من المرضى يستعمل حبوباً تحت اللسان في العلاج وهذه الحبوب لا تفطر وللمريض ان ياخذ منها ما يشاء أثناء الصوم فالدواء يصل الي الدم مباشرة وليس عن طريق المعدة أو الأمعاء.

اما الحالات الشديدة أو المصحوبة بهبوط في القلب أو مضاعفات أخرى فالأحرى للمريض ان يفطر والطبيب المختص هو الذي يصدر الفتوى في الصوم أو الافطار حسب شده الحالة وصورتها. ولكن يجب ان ننبه ان الصوم يحافظ على صحة شرايين الجسم. حيث تقل الدهنيات بالدم اثناء الصوم ويقل ضغط الدم. ويقل أيضاً مستوى السكر بالدم لمن كان مريضا بالسكر.

فالصوم اذن يشفي الجسم من الاسباب الرئيسية الثلاثة التي تؤدي الى تصلب الشرايين وبذلك يحافظ على صحة الجسم ويطيل فترة الشباب ويؤجل حدوث الشيخوخة كما ان الصوم ثبت علميا انه يقلل من وزن الجسم وبالتالي يقلل العبء على القلب والدورة الدموية كلها. وكثير من أمراض الجهاز الهضمي كما يقول الدكتور أحمد شوقي يفيدها الصيام مثل حالات عسر الهضم وحالات انتفاخ البطن فالصيام أفضل علاج لهذه الحالات،

إلا ان بعض أمراض الجهاز الهضمي الأخرى لا تتفق مع الصيام مثل المريض بقرحة نشطة بالمعدة أو الأثنى عشر فالمريض في هذه الحالة في حاجة الى تناول وجبات عدة في اليوم ما قد يتعارض مع الصوم. والطبيب هو الذي يقرر الحكم في هذا الموضوع للمريض الذي يطلب الفتوى منه.

ولكن يمكن القول ان الصوم يفيد الجهاز الهضمي وبمنحة فترة من الراحة والاستجمام. على ان يكون تناولنا للطعام قليلاً والاعتماد على وجبه معتدلة في الافطار ولا يتناول الصائم بعدها شيئاً من الطعام حتى وجبة السحور وهذا من هدي السنة النبوية ولو حدث هذا لاستراح الجهاز الهضمي، فإن الامتناع عن الطعام بعد وجبة الافطار وحتى السحور يعطي الفرصة للجهاز الهضمي لهضم الطعام دون متاعب او مشكلات.

ويكون في وقت السحور مستعداً لاستقبال هذه الوجبة وهي مهمة تمد الجسم بالغذاء اللازم له طوال اليوم التالي ويجب ان تكون هى الاخرى معتدلة واذا لم يتناول الصائم السحور لشعر بالجوع في اول النهار وايضا لإرهاقه ونقرأ في الصحيحين عن انس رضي الله عنه ان رسول الله قال «تسحروا فإن في السحور بركة» والبركة هي الخير والزيادة والنماء وهكذا يعلمنا الاسلام التصرف الصحيح في تناول الطعام في رمضان.

القاهرة ـ عفاف السيد