ما أحب أمين الريحاني بلدا مثلما أحب العراق. زاره مرات عديدة، تجول في شتى ربوعه، وكتب عنه مقالات عديدة وكتابين كاملين، ربما هما من أشهر كتبه «قلب العراق» يصف فيه جولاته في أنحاء هذا البلد و«فيصل الأول» وفيه، كما يدل عنوانه، تاريخ لهذا الزعيم العربي المؤسس من «قلب العراق» الذي هو سرد لذكريات الريحاني في عاصمة الرشيد، هذه الصفحات حول واحد من أرقى شوارعها في ذلك الحين: الربع الثاني من القرن العشرين.
إن للمدن كما للناس روحا حية ناطقة ثابتة، وبكلمة أخرى إن روح المدينة هي البارزة المختارة من صفاتها، تلك الصفات التي تبدو في أكثر مظاهر الحياة والعمل فتسمها بوسمها الخاص، وهذه أمثلة مما عرفت من المدن الكبرى: إن روح نيويورك التبجح، فكأنها تقول: كل ما عندي هو مثل ناطحات السحاب هذه، كل شيء ضخم علي عظيم!
وروح لندن الأناقة ـ كل ما عندي مشمول بالتدبير والترتيب والتنظيم ـ وروح باريس الزهو والمرح ـومن مثلي حسنا وبشرا وازدهارا؟ وروح برلين المهماز وخوذة الفولاذ ـ برلين فوق الجميع! إلا أن في ألمانيا مدينة واعدة جميلة هي ميونيخ، وإن لها من الفنون روحا شاقية وليس بين المدن الإسبانية مثل اشبيلية المركبة روحها من نقيضين: القداسة والقمار.
أما في الشرق العربي فكل مدينة من المدن الكبرى أضحت اثنتين: القديمة وهي ذات روح تعرف وترى، والجديدة لا روح لها تعرف وترى (...) فما هي روح بغداد؟ لا تقسم بغداد اليوم إلى قسمين ظاهرين بالمعنى الذي ذكرت فهي لا تزال مدينة شرقية واحدة، يتخلل بعض أحيائها شيء من اختلاط الشرق بالغرب إنما قديمها كثير الأشكال والألوان، فيصبح أن نرمز إليه بإله من آلهة الهندوس، روحه تبدو ولا تتوحد، في رؤوسه وفي أيديه المتعددة.
لإذن روح بغداد أعجوبة من الأعاجيب. فهي الحوقلة والاستسلام، وهي الشغب والتمرد، وهي الورع والتقوى، وهي التخنث والرقص والغناء، وهي في هذا الزمان النفط! وقد يصير النفط في المستقبل روحها الكيماوية العظمى، روحها المركبة في بوتقة هذا الزمان البراق الخناق.(...) لقد سبق أن ألمحت إلى بعض صفات المدينة، في ما وصفت من أحيائها، ومن شارعها الأكبر الجديد، شارع الرشيد، وسأزيد القارئ علما بما هو عريق في القدم، عميق في الجدة.
إلى جانب شارع الرشيد، بينه وبين دجلة، شارع هادئ وادع، جدير بالطواف والاستكشاف، هو شارع المستنصر الذي ينشأ عند رأس الجسر، فيمتد شمالا في خط شبه قويم، وينتهي عند شارع المأمون، ذلك الشارع القصير العريض الذي يرضى بقسمته من المدينة، فيصل شارع الرشيد بالجسر الثاني ويفتح قلبه للسوق المسقوف شمالا منه، الذي يدعى سوق السراي.
وإذا ما وقفت في هذا الشارع القصير العريض ترى نفسك في ظل السلطات المادية، أي الحكومة والتجارة: أمامك السراي، ووراءك الجمرك وبيوت التجارة والشركات والبنوك. وهناك إلى يمينك مهد للفن صغير هو التحف العراقية، وفي السوق المسقوف سوق السراي، مرجة للأدب خضراء صفراء، هي الدكاكين التي تباع فيها الكتب والمجلات.
هو ذا مركز أعصاب المدينة. وإنك لتجد هنا فوق ما ذكرت ـ بين الجسرين ـ أشتاتا من روح بغداد الاجتماعية والدينية. فإن شارع المستنصر يبدأ بالمقاهي وينتهي بالمساجد. وبين هذه وتلك وحولها طواحين التجارة والدعارة. إن بين الجسرين محط رحال قافلة الروح البغدادية، إن بين الجسرين بيت قصيد المدينة.
«أظل أرعه نجوم الليل بسماي/ ولي ناظر يهلل دمع بسماي ألج بسمه وعببن يلج بسماي/ أون عليه ليه مي ون عليه» (أي: أظل أرى نجوم الليل في السماء، ولي ناظر يقطر دمعا. الهج باسمه وعيب علي أن يلهج باسمي. ائن عليه فلماذا لا يئن علي؟») وهذه التي ترعى نجوم الليل وتلهج باسم الحبيب وتئن عليه هي إحدى مغنيات بغداد الشهيرات، وأكثرهن يهوديات،
تجلس كل ليلة على عرضها في المقهى الذي في الطابق الأعلى، على زاوية شارع المستنصر ـ بين الرصافة والجسر ـ وتصيح بأعلى صوتها صيحات فظيعات «أظل أرعى نجوم الليل بسماي!» فتسمعها نجوم الليل في السماء، فتئن منها، ويسمعها أهل بغداد فيئنون معها ويتأوهون. مسكينات تلك النجوم!
كم ينقصها من العلم لتحسن تقدير هذا الغناء البغدادي القديم؟! (...) وتعال ندخل هذا النزل الانجليزي الاسم، ونجلس في البستان المشرف على دجلة، تحت شجرة النبق الكبيرة، المعلقة فيها أنوار الكهرباء. هذه المائدة قريبة من الساحة المسحورة، وبعيدة من جولة الطبالين والزمارين. فاجلس ها هنا تسمع قليلا وترى كثيرا.
ولا تسل عن أبناء الليل هؤلاء المعجبين بهذه الشقراء النمساوية، أو بتلك السمراء الفرنسية، أو بالشقيقتين الصغيرتين اللتين يطويان البطن والساق طيات عجيبات، تحملق لها العيون وتتضاعف الشجون (...) مسكينات تلك الحمامات اللواتي يترجرجن تحت النبقات. مسكينات تلك الواهمات أن الفن كل الفن في هذا. وهذا لعمري ما يحسبه البغداديون فنا جديدا. وما هو غير الفن الرجرج، بل هو مثل ذلك القبيح من الغناء القديم ـ وأقبح منه.
على أن في شارع المستنصر، بالقرب من الجسر، غير هذا العري الفضاح وذلك الصوت الصباح، إن هناك بضعة نزل انجليزية الاسم وانجليزية النزعة تخيم عليها السكينة والطمأنينة، تنعم في الليل لأصحاب الذوق الرفيع والسهر المنيع، فتجرد فيه الصياحة من صياحها، والرجراجة من ترجرجها. فتجري الأمور على هدى تطمئن له القيادة العامة والخاصة في عالم اللذات.
سقيا لزمن كانت الدور في هذا الشارع من أشرف ما ببغداد وأشرفها مبنى ومعنى . إنما بعد الحرب العظمى تتحول بعضها إلى نزل، وبعضها إلى مخازن ومكاتب للتجارة والمال. بيد أنه لا يزال بين الاثنين اثر لذلك الماضي الشريف، يتمثل هنا وهناك في بيت عامر بالفضل والكرم. تنبئك الأبواب المفتوحة إذا ما وقفت فيها تشرف على الصحن اللألاء بالآجر الأبيض والأحمر، وبالقيشاني الساكن الحواشي، الصافي الجو، تنبئك بما كان من لطيف العيش الهادئ الأمين على ضفة دجلة في الزمن الغابر.
أما بعد الحرب، فقد أسمى الانجليز هذا الشارع شارع النهر، وفرشته أمانة العاصمة بالاسفلت، ثم غيرت اسمه فصار شارع المستنصر، وما غيرت كثيرا مما آلت إليه الحال في ظلال هذه المدينة الغربية الشرقية التي تقوم فيها المتناقضات جنبا إلى جنب.
وهاك قرب النزل الكبير، ذي الاسم الشهير، دكاكين صغيرة حقيرة لقوم وصفوا بالوداعة وعرفوا بحسن الصناعة، وامتازوا بالمحافظة على ماضيهم القديم وأصلهم الكريم. فهي، في دكاكينهم وفي كل منها النار والمنفخ والسندان، مثال القناعة والنزاهة والنشاط، تراهم على الدوام يدأبون، ومن الصناعة الواحدة لا يخرجون.
إن هؤلاء الصابئة، وصناعتهم الواحدة الفضة، وبراعتهم فيها والوداعة في سلوكهم والاستقامة في نجارتهم ـ إنهم في كل ذلك لأشرف مظهر من مظاهر الحياة في شارع المستنصر، ولمن أجمل ما رأيت من أقوام في بغداد.