"صريح وجريء" هو الوصف الذي يمكن إطلاقه بكل بساطة على الحوار الذي دار بين الحضور الإعلامي وضيوف المجلس الرمضاني الثاني الذي دعا إليه نادي دبي للصحافة عشية يوم الخميس الماضي تحت عنوان "شؤون إعلامية"، في مقره الجديد بمبنى "الثريا" في مدينة دبي للإعلام.
أما الضيوف فهم: علي الحديثي مشرف عام تلفزيون الشرق الأوسط MBC، عبداللطيف الصايغ المدير التنفيذي للمجموعة الإعلامية العربية وعبداللطيف القرقاوي مدير قناة "سما دبي".
تقديم ومداخلة سريعة من المدير التنفيذي لنادي دبي للصحافة محمد المنصوري، وبعدها تشعبت محاور الحوار لتشمل أبرز هموم الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع:
1 - مفهوم النهوض بالإعلام في دبي ليواكب النهضة الإنمائية التي تشهدها الإمارة.
2 ـ تدخل الإعلان في الإعلام والتداخل بينهما عبر وسطاء أو مؤسسات العلاقات العامة.
3 ـ العلاقات التي تحكم المؤسسات الإعلامية.
4 - الإنتاج السينمائي والتلفزيوني والإذاعي ودور مدينة دبي للإنتاج.
5 ــ الرقابة على الإعلام أو الرقيب الداخلي الذي يفرض سقفاً للحرية الإعلامية يطال الإعلام الناطق بالعربية دون الناطق بالانجليزية.
لابد من الاعتراف مقدماً، أنها ليست المرة الأولى التي تطرح فيها هذه العناوين في لقاء إعلامي، فلطالما تناولت مثل هذه اللقاءات سقف حرية التعبير وشعور الإعلامي بعدم الأمان المهني، وهو الموضوع الذي طغى على سائر مواضيع اللقاء، ولكنها ربما كانت المرة الأولى الذي تأخذ فيها ندوة إعلامية.
إذا صح التعبير، مثل هذا المدى من الصراحة والجرأة المتبادلة بين الطرفين، الضيوف والمحاورين، وهم في الواقع طرف واحد، ربما ساهمت بساطة الجلسة الرمضانية في إضفاء بساطة وعفوية على السؤال والجواب وعلى السائل والمجيب.
إضافة إلى أن وجود عبداللطيف الصايغ حرك "شهية" عدد من الحضور على خلفية محاولة جريدة "الإمارات اليوم" التميز في معالجة مواضيع لم يتجرأ يوماً الإعلام القائم في دبي على التطرق إليها، فيما كان الإعلام الناطق بالانجليزية يصول ويجول فيها على صفحاته الأولى والداخلية على حد سواء.
أما أبرز المحطات والمواقف التي عرض لها الحضور سؤالاً وجواباً، فيمكن إجمالها كالآتي:
* الإنتاج التلفزيوني
أجاب علي الحديثي مشرف عام الـ MBC بإسهاب حول موضوع تركيز كل اهتمام المحطات التلفزيونية المتنافسة على شهر رمضان المبارك لتقديم إنتاجها الجاد من المسلسلات، واعترف باعتماد جميع المحطات هذا الشهر ليكون منطلقاً.
وقال إن هذه الصيغة التي فرضت نفسها على المنتجين والمحطات والمعلنين وحتى الجمهور، هي صيغة خاطئة لابد من الخروج منها، ووعد بالمبادرة في هذا الإطار مشيراً إلى أن حضور المسلسلات القوية سوف يستمر بعد رمضان.
أما عبداللطيف الصايغ المدير التنفيذي لـ "إي. إم. جي" (AHOB MEDIA GROUP) فقد رأى رداً على سؤال حول تراجع المستوى لمسلسلات هذا العام، أن المسلسلات التاريخية تمنح قوة حضور ولكن كلفة إنتاجها عالية جداً والقوة الشرائية لها غير موجودة لأن الخسارة غير مرغوبة.
بدوره كان عبداللطيف القرقاوي مدير قناة »سما دبي« أكثر حسماً فرأى توجهاً مطلوباً من قبل الجمهور نحو المسلسلات الاجتماعية الخفيفة، مشيراً إلى أن "سما دبي" ترصد صدى هذه المسلسلات وتبني عليه توجهها.
وإن كان أيد وجهة نظر الصايغ حين أخذ من مسلسل يحيى الفخراني في العام الماضي مثلاً ليقول إن ما كانت كلفته العام الماضي مليون درهم أصبح هذا العام عشرة ملايين درهم، متهما المنتج أو شركات الإنتاج بالتحكم بالمحطات، ومستنتجاً بأن الموسم الحالي لم يشهد مسلسلات ضاربة كما موسم العام الماضي.
بعده عاد الحديثي ليعلق على موضوع تعدد المحطات التلفزيونية واشتداد المنافسة فيما بينها، فشدد على أهمية أن يكون سقف المنافسة مفتوحاً، نافياً تسبب التعددية في المحطات بأي مشكلة لأن البقاء سينعقد بالنتيجة للأفضل.
بعد موضوع الإعلام المرئي والإنتاج التلفزيوني راح الحوار في اتجاه النقطتين المركزيتين: تدخل الإعلان في الإعلام، وسقف حرية التعبير.
* الرقيب وحرية التعبير
وكان الصايغ قد أشار في مستهل الجلسة، رداً على سؤال إلى ان إمارة دبي بدأت منذ سنة ونصف تقريبا تخطو خطوات واسعة باتجاه تطوير إعلامها ليواكب الخطوات الواسعة التي خطتها الإمارة على الصعيدين الإنمائي والاقتصادي.
ومن هنا انطلق الحديث حول رفع سقف حرية التعبير، حيث شدد الصايغ على عدم وجود سقف بهذا المعنى مؤكداً ان الحرية الإعلامية موجودة وان كان المفترض ان تقترن دائما بالمسؤولية، وحين سئل عن تسمية اسم صحافي أو إعلامي مسجون، كان الرد من بعض الحضور ان هناك ما يردع الإعلامي عن الخوض بمواضيع محددة .
أو ان هناك تردداً لديه في النشر يفرضه الرقيب الذاتي أو الداخلي، رغم إدراكه ان الصحف المحلية التي تصدر باللغة الانجليزية سوف تتناول بالنشر المواضيع التي يحظر بها هو على نفسه حتى لا يتم "تفنيشه" لأنه لا يشعر بالأمن والأمان المهنيين فيما لو تخطى حدودا معينة، مع الإيماء بأن هذا السقف القائم هو بنتيجة الأعراف الداخلية التي يتم اعتمادها خلال العمل ومن خلال اجتماعات التحرير، والتي قد توحي بها مواقف رئاسة التحرير.
وهنا كان الصايغ واضحا وحاسما بأن هذا الرقيب الذاتي أو الداخلي ليس هناك جهة تفرضه سواء قانونية أو رسمية أو شخصية ولذلك فإن رفع هذا الرقيب لابد ان يتم بالحوار والنقاش بين الصحافيين أو المحررين ورئيس التحرير، أي بالحوار الداخلي، خالصا إلى نتيجة ان من "يفنش" إعلامياً لأنه قال الحقيقة يحكم على مؤسسته برمتها بــ "التفنيش".
واذا كان الصايغ قد أصاب عين الحقيقة بالدعوة إلى الحوار الداخلي في المؤسسات الإعلامية، فإن ما لم يقله هو أن هذا الحوار يستدعي بالضرورة حوارا على مستويات إعلامية أعلى لتحديد مفاهيم المسؤولية في الحرية الإعلامية وبما يساعد رؤساء التحرير ليسهموا فعليا في رفع الرقيب الذاتي من داخل نفوس الإعلاميين.
بين الإعلان والإعلام
النقطة المركزية الأخيرة التي تناولها المجلس الرمضاني كانت سطوة مؤسسات العلاقة العلاقات التي تفتح طريقا سهلاً أمام الإعلان ليتدخل في الإعلام، النشر مقابل الإعلانات.
وهذا الشرط يطال حتى الصحافي، وهنا كان الصايغ جريئا في إثارته لموضوع تبعية بعض الإعلام للميدان الجغرافي الذي يعمل من فوقه، أو بكل وضوح للإمارة التي يصدر من على أرضها.
وكان أكثر وضوحاً حين دعا إلى لقاءات وحوارات مفتوحة بين رؤساء التحرير للتوصل إلى صيغة تحد من تدخل مؤسسات العلاقات العامة والمعلن بالعمل الإعلامي المهني وإرساء قواعد مهنية سليمة أساسها البعد عن الإقليمية وعدم تغييب الحقيقة وعمودها الفقري الحرية الإعلامية.
وحسنا فعل المنصوري حين تدخل لينهي الجلسة التي طالت إلى ما قبل منتصف الليل بقليل مؤكداً بأن الحوار سيبقى مفتوحا، والشأن الإعلامي هو حتما شأن مفتوح دائما للحوار والنقاش لأن عماده هو الكلمة الحرة والمسؤولة.
كتب: غسان الحبال
