كثيراً ما يحن الأفراد إلى الماضي بكل ما كان يحمله من أفراح وعادات وتقاليد وممارسات قديمة كانت تتميز بها دول الخليج عامة والإمارات خاصة خلال شهر رمضان .
حيث كانت العادات جميلة تعكس مدى التراحم والمودة والتكافل بين المسلمين من غير تكلف أو تباه فعلى الرغم من محدودية دخل الأسر إلا أنها كانت تعيش أجمل اللحظات، ففي رمضان كانت الأسر تجتمع حول المائدة الرمضانية لتناول بعض الأكلات الشعبية المعروفة.
وممارسة بعض المظاهر الرمضانية إلى جانب ترديد أغنيات في هذه المناسبات، إلا أنه في الوقت الحالي تبدلت الأمور وباتت المظاهر الرمضانية أقل عما كانت عليه في السابق.
إلا أن مجتمع الإمارات لا يزال محافظا على الكثير من الطقوس الرمضانية التي مورست عن طريق الأجداد إلى يومنا هذا برغم غياب البعض منها التي كان لها وقع خاص في النفوس وعلى الأجيال التي تعاقبت. وهنا نلقي الضوء على بعض العادات والأكلات القديمة في رمضان لنرى إلى أين وصل بها الحال في هذا الزمن.
* المسحراتية
وهم الأشخاص الذين يطوفون بين الأحياء في كل ليلة ويضربون الطبول لإيقاظ الناس للسحور وفي الأيام الأخيرة يمر هؤلاء المسحراتية على البيوت بعد العصر ويتبعهم الأطفال لتدفع لهم أجورهم الرمزية، لكن للأسف نجد أن هذه العادة اندثرت في دولتنا و مجتمعاتنا الخليجية على الرغم من أهمية وجود المسحراتية الذين يرسمون البهجة عند الأطفال والكبار.
ويخلقون أجواء رمضانية واضحة لكن لاتزال بعض العادات العميقة عندنا منها اجتماعات أهل الحي الواحد (الفريج) للإفطار الجماعي وتناول الأكلات المشهورة منها البلاليط واللقيمات والفريد والعصيدة والمحلي، إلى جانب إقامة الخيم الرمضانية التي يتم من خلالها تنظيم الفعاليات الثقافية والاجتماعية.
* الشعر ورمضان
في الماضي كانت الجلسة بعد صلاة التراويح لا تحلو إلا بالشعر حيث يفتح كبار الدولة وأعيانها قاعات خاصة للإفطار الجماعي ومن خلالها يتم دعوة الأدباء والشعراء لأن الشعر بمثابة المادة الخصبة التي تبعث إليهم الآمال والحياة.
* القريش أو «الجريش»
القريش تصغير لكلمة «قرش» لتدل على صغر الوجبة أو قيمتها المادية، فالقريش هو آخر وجبة يتناولها أهل البيت قبل بداية رمضان وهي وجبة مكونة من بقايا الأكل الموجود بالمنزل والذي لا يصلح للتناول في رمضان مثل السمك المجفف والتمر القديم والأرز.
فقديما كان الأب والأم والأولاد وزوجات أولادهم والأحفاد يعيشون في بيت واحد فكانت كل أسرة تجمع ما تبقى لديها من فائض طعام أو الذي لا يصلح في رمضان وتتجمع لأكله في آخر وجبة غداء قبل رمضان.
وكانت هذه العادة تعد من أكثر العادات التي تعكس مدى التراحم والتقارب بين الأسر والمشاركة في تجميعهم في الوقت نفسه، أما في وقتنا الحالي فأصبح القريش تقليدا تعد له الولائم وتمد فيه الموائد الحافلة بكل أصناف الطعام فالعائلة الميسورة تعد الموائد الخاصة بها في أحد الفنادق والمطاعم الفاخرة حتي باتت هذه العادة مصدراً للمفاخرة والتنافس من حيث أفخر مائدة لذلك لا نعلم أين تذهب بواقي طعام هذه الموائد الفاخرة !.
* النقصة (النجصة)
في القديم كانت الظروف الاقتصادية صعبة والدخل محدوداً فكانت العائلة تعتمد في رمضان على الأكل «البايت» الذي يحفظ في الثلاجة لمدة ثلاثة أو أربعة أيام وتكون هذه الأكلات من الوجبات الرئيسية عند أبناء دول الخليج العربي وأهمها الهريس أو المضروبة أو المرق أو المرقوق فكانت العائلة تستقطع جزءاً من هذه الوجبة .
وتهديها للجيران بهدف مشاركتهم الخير ولكي تعم البركة فيه كنوع من التكافل والاهتمام بالجار الذي أوصى عليه الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم»، وبالتالي فان الأفراد يأكلون اللحم أوالسمك بشكل شبه يومي .
أما اليوم فلا تزال العادة موجودة بنفس مظاهرها من حيث التبادل مع الجيران إلا أن الزيادة الحاصلة في أن المأكولات التقليدية خلال رمضان تحضر بصورة يومية أو كل يومين ويتم إرسالها إلى الجيران بواسطة القدور ذات الأنواع المميزة التي لا تتغير أو تتلف من الحرارة وذلك لإعادتها إليهم في حالتها السليمة.
كلمة قريقعان مشتقة من كلمة قرقعة، حيث كان الأطفال في بعض الدول الخليجية كدولة «الكويت» يدورون في الشوارع في ليالي رمضان حاملين طبلة صغيرة أشبه بطلبة المسحراتي ويحملون أكياساً من القماش توضع على الرقبة ويرتدون الثياب التراثية ثم يقفون عند البيوت مع ترديد بعض من الأغاني الخاصة بهذه العادة منها :
قريقعان وقريقيعان
بيت قصير ورمضان
عادت عليكم صيام كل سنة وكل عام
سلم ولدهم يا الله
خله لأمه يا الله.
ثم يسمون أصغر أبناء البيت ويذكرونه في أغنيتهم كما أن أغاني البنات تختلف عن أغاني الأولاد وكانت هذه العادة تتحول إلى ما يشبه الكرنفال في شوارع المدينة كلما زاد عدد الأطفال وارتفع صوت غنائهم وزينوا ملابسهم.
أما اليوم فلم يعد الأطفال على ما كانوا عليه في الماضي يجوبون الشوارع إلا في الأحياء الخالية من السكان الأجانب، وأصبحت المصانع والشركات تتفنن في أشكال وأحجام أكياس القريقعان وسلاله فيما أصبح معظم الناس يشترون ويتنافسون في جمال وقيمة هذه السلال بأشكالها المبهرة والمبتكرة المليئة بالحلوى ويهدونها لأصدقائهم وجيرانهم.
فمع التغيرات التي طرأت على مجتمعاتنا مقارنة بين الماضي واليوم بقيت الأسماء والعادات كما هي وتغيرت الغايات والأساليب من البساطة والسهولة إلى التباهي والتفاخر والتكلف، لذلك فالجميع يرى بأن حلاوة هذه العادات ولذتها في الماضي تعد أكثر مما هي عليه في الوقت الحالي فكان الناس يشعرون بالمتعة ومدى التقارب مع الآخرين، بخلاف الوقت الحالي الذي بات الالتقاء مع الجيران والأصدقاء في المناسبات والأعياد فقط.
منال خالد
ا
