شهر رمضان: هو شهر الله، وشهر الإسلام، وشهر الصيام، وشهر السلام، الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، واختصه سبحانه وتعالى بليلة كريمة هي ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر هي خير من ألف شهر، تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر.
و«الشهر»: هو وحدة زمنية تبلغ مدتها 30 يوماً عادة، المحسوبة ضمن السنة الواحدة البالغة اثنا عشر شهراً في غالبية التقاويم سواء منها القمرية أو الشمسية.. قديماً وحديثاً. وكلمة «الشهر» ـ في اللغة ـ تعني الهلال. وكلمة «الشهر» و«الهلال» هي ألفاظ تترادف على معنى واحد، يُراد به الابتداء أو الظهور أو البروز أو الطلوع.
ومن المعروف أن «الشهر» يُعتبر أقدم وحدة زمنية تعرفت عليها البشرية من بعد «اليوم» واقترن بـ «القمر»، حيث تم التوصل إلى اكتشافه من خلال الملاحظات الفطرية للتغيرات الحاصلة لأوجه القمر، من خروجه من المحاق كهلال.. إلى هلال آخر.. نتيجة دورانه حول الأرض. فالمدة التي تمضي بين هلال وهلال جديد هي:
«شهر». فلهذا نجد أن هذه الوحدة الزمنية لا تقف عند التوصل إلى اكتشافها عن طريق دورة القمر فحسب، بل حتى في العلاقة اللغوية بينها وبين كلمة «قمر» وذلك لأن كلمة الشهر هي أحد أسماء القمر. والتي نجدها ليس في اللغة العربية وحسب بل في جميع لغات العالم قديماً وحديثاً..
مثال ذلك: كلمة «month» الإنجليزية التي تعني شهراً، مأخوذة من كلمة القمر الإنجليزية «moon» مما يدل على أصالة اكتشاف هذه الوحدة الزمنية عن طريقه. فلهذا يقول «وِل ديورانت» في كتابه «قصة الحضارة» ما نصّه: «ذلك لأن الناس قاسوا الزمن بدورات القمر قبل قياسه بالأعوام بزمن طويل».
ولما فرض الصيام على المسلمين كافة لمدة «30 يوماً» حدّد لهم تعيين هذه المدة ووقتها ـ ابتداءً ونهاية ـ عن طريق دورة القمر، وذلك لاقتران تعيين هذه المدة عن طريقه، وكذلك نظراً لدقة إيقاع حركتها ودورتها وظهورها الواضح للراصد لها في أي بقعة من الأرض، لحساب وتعيين الأوقات وضبط الأزمنة بكل سهولة ويسر.
ورمضان ـ في اللغة ـ: من الرّمَضُ والرّمضاءُ: وهو اشتداد الحر. حيث من المعروف أن الأشهر الإسلامية حسب التقويم القمري غير ثابتة، أي تتحرك مما يجعلها تتنقل في الفصول، لكن في بداية وضع تسميتها وافقت بعض الأشهر الأزمنة التي حلّت فيها فسموها بها. فوافق رمضان أيام رَمَض الحرّ أي شدته فسُمِّي به.
نظير ذلك ما حصل لشهري (الربيعان) اللذان سُميا بذلك لوقوع الأول في موسم الربيع والثاني في الخريف ـ حيث كانوا يسمّون الخريف ربيعاً ـ ومثله (الجمادان) وقعا في وقت تجمّد الماء في الشتاء عند تسميتهما.
وشهر رمضان مأخوذ من رَمَضَ الصائم يَرمضُ إذا حرّ جوفه من شدة العطش.. وهو الشهر التاسع من السنة القمرية ويقع ما بين شعبان وشوال.
وشهر رمضان ـ في الشرع ـ: هو الشهر المبارك الذي فرض الله تعالى فيه الصيام على المسلمين كافة، وحدد وقته الشرعي ـ ابتداء ونهاية ـ بالرؤية الصحيحة لهلاله عند خروجه من المحاق.
وقد حددت الشريعة الإسلامية طرقاً عدة لمعرفة أول يوم، وآخر يوم من شهر الصيام.. لئلا يختلف المسلمون، أو تتفرق كلمتهم.. لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته وإن غمّ عليكم فاكملوا عدة شعبان ثلاثين ثم صوموا».
* أوجب تثبيت يوم بدء شهر رمضان برؤية هلاله، كما يثبت يوم العيد برؤية هلال شوال.
* إذا تعذرت رؤية هلال شهر رمضان لسبب من الأسباب الطبيعية.. كالغيوم والضباب وغيره، فيجب إكمال عدة شعبان ثلاثين يوماً، ثم الابتداء بشهر رمضان.
* يثبت يوم العيد برؤية هلال شوال، فإن تعذرت رؤيته، وجب إكمال عدة شهر رمضان ثلاثين يوماً.
* في رحاب رمضان
لهذا الشهر المبارك ميزات وفضائل خاصة اختصها الله له دون سائر الشهور فهو شهر الله، شهر القرآن، شهر التوبة، شهر الإنابة، شهر تُمحى فيه السيئات، وفي هذا الشهر ليلة هي عند الله من أعظم الليالي.. ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر، ليلة القدر خير من ألف شهر.
وقد عظم المسلمون الأوائل قدسية هذا الشهر، وأحاطوه بما يناسب دوره في حياة المسلمين من قدسية، وعناية، واستعداد، فهو شهر الصيام.. وهو شهر العبادة والدعاء.. وهو شهر العفو والمغفرة.. وهو شهر الحب والسلام.. وهو شهر العفو والتسامح.. وهو ربيع الحياة.. وخصب النفوس.. ومغتسل الروح والجسد من الأحقاد والكراهية والضغينة والخبث.
الصيام ركن في كل دين فرضه الله تعالى على عباده منذ عهد آدم عليه السلام، فهو عبادة روحية قديمة عرفها الإنسان المؤمن في كل مكان وزمان، بل الصوم عبادة مأثورة عن غير أنبياء الله والمؤمنين والمليين كما ينقل عن العراق القديم ومصر القديمة واليونانيين والرومانيين وبقية شعوب العالم، والوثنيون من الهند وغيرهم يصومون حتى اليوم، من هنا كان الصوم فريضة على كل الأمم.
. وهو فريضة وعبادة في كل دعوات الأنبياء لأنه الطريق إلى الله.. ولأنه الرياض التي تنمو وتزدهر، وتثمر، فيها ملكات الخير، ونوازع الكمال البشري. إذ يقول سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: «يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون».
فالصوم عبادة روحية قديمة من قرينة «كما كُتب على الذين من قبلكم» لتحقيق غاياتها المثلى وأبعادها الإيجابية في حياة الإنسان.. غير أنه مع مرور الزمن تعرضت الرسالات السماوية لضروب شتى من التشويه، فتأثرت بالمتغيرات السياسية والاقتصادية.
وتأثرت بعض المجتمعات في فهمها للدين من خلال فقدان حلقة الاتصال بينها وبين الممثلين الحقيقيين لصوت الوحي والسماء. ومن تلك المفاهيم التي تعرضت لعبث العابثين، وأهواء المتكلمين باسم الدين، وأحقاد أعدائه (مفهوم الصوم).
حيث تحوّل إلى طقس وثني وممارسة وثنية، يصومون لإرضاء آلهتهم أو شركهم أو ضيق أفقهم الديني المبني على أهوائهم العنصرية والعرقية والطبقية.. ونتيجة حتمية لهذا الواقع السيئ، بدأ الصوم تدريجياً يفقد دوافعه ومنطلقاته الدينية والفطرية السليمة، ورحمة هدايته وإنسانيته في ما ينفع الإنسان والمجتمع.
ولم يبق من روح رسالته سوى بعض الملامح العامة التي تداخلت هي الأخرى في مظاهر وصور أبعد ما تكون عن جوهر الدين. ومع بزوغ الفجر الإسلامي.. كان لا بد من تصحيح هذه العبادة المقدسة التي أصيبت بمختلف ضروب الجهل والسلبية في التفكير، وانقطاع الروابط السليمة التي تصلها بالأهداف الكبرى في الوجود.
* في رياض الصوم
والصيام، الصَوْمُ ـ في اللغة ـ: مصدران بمعنى الكفّ عن الفعل، كترك الطعام والشراب والنكاح والكلام وغير ذلك. الحقيقة هذا المصطلح (الصيام) له جذور قديمة جداً في اللغات الجزيرية ـ المسماة خطأ بالسامية ـ حيث نجد هناك كلمة مستعملة منذ الألف الثاني قبل الميلاد أو أكثر من ذلك ألا وهي كلمة «صاموو» الأكدية التي تُعتبر من أقدم اللغات وأقربها إلى اللغة الجزيرية أو السامية الأم (العربية).
والتي كانت تُطلق على من يمتنع عن الشراب، وكذلك من معانيها «يعطش» باللغات الجزيرية (السامية) القديمة والتي تقترب بمعناها إذا حرّ جوف الصائم من شدة العطش. ولا بد أن تكون من الآثار الباقية في ذاكرة الإنسان منذ أول الخليقة من بني آدم وبني نوح عليه السلام بعد الطوفان، مما يدل على قدم هذه الشعيرة الطاهرة وكما بينها سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز. والصيام، الصَوْم ـ في الشرع ـ:
هو صوم أيام شهر رمضان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بالإمساك عن الطعام والشراب والجماع، بنية خالصة لله وحده عزّ وجل لا شريك له، وكف النفس عن كل محرم، وترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وهو فرض واجب على كل مسلم بالغ عاقل من غير حرج مانع يمنعه وهو أحد أركان الإسلام الخمسة.
ما شرع الإسلام عبادة من عباداته إلا وكان لها أثرها العملي، ونتاجها الديني والتربوي والاجتماعي في حياة الإنسان كنتيجة عرضية، وكظاهرة حياتية تساهم في خير الإنسان وسعادته. وهكذا يتضح لنا دور الصيام في التربية والتوجيه الروحي والأخلاقي والاجتماعي والحفاظ على الصحة البدنية والنفسية.
ـ باحث وكاتب في الفكر الإسلامي والدراسات التاريخية
إعداد: عبدالخالق الجاسم ـ
