شهر رمضان له منزلة خاصة لدى الفنان نور الشريف، كما يشكل جزءا كبيرا من ذاكرته حيث شهد الشهر الكريم نجاحه وتحولاته على المستوى الفني والإنساني، وهو ما نرصده معه خلال الحوار التالي:
* ما الذي يمثله رمضان بالنسبة إليك؟
ـ شهر رمضان له نكهة خاصة تجعله مختلفاً عن باقي شهور العام، فهو فضلاً عن أنه شهر للعبادة فإنه يمنحنا من نفحاته الكثير من الهدوء والاطمئنان وراحة البال والبهجة، والأهم أنه يكون فرصة لترقيق القلوب وللصفاء الحقيقي الذي ينتج عن التقرب إلى الله.
وبالنسبة لي فإن الروحانيات التي نطوف معها في هذا الشهر بقدر ماتجعله أعظم شهور السنة بقدر ما تدفعني إلى العمل أكثر ولا تجعلني كسولاً كما يفعل كثيرون يستسلمون للكسل بحجة الصيام وعدم التركيز، فهذه حجة واهية لأن أجمل ما في رمضان أنه يرتبط بالعمل والعبادة وترويح النفس.
* بعيدا عن العمل، هل لك عادات خاصة في رمضان؟
ـ أبدا، عاداتي وبرنامجي اليومي لا يختلف كثيراً عن الأيام العادية، باستثناء أنني لا أحب الخروج كثيراً من المنزل، فأكون أكثر تعلقاً وتواجداً في المنزل، وأكثر ميلا للهدوء.
كما يزداد حرصي على القراءة التي أكثر منها في هذا الشهر، وربما يعود ذلك إلى أنني إنسان غير اجتماعي أو بمعنى أدق لا أحب الحياة الاجتماعية المفتوحة التي تشعرني بالاعتداء على الخصوصية، ولعل ذلك سبب في أنني وبعد هذا العمر ليس لي سوى عدد قليل من الأصدقاء، ولكن هذا لا يمنع قبولي دعوات بعض الأصدقاء والأقارب على الإفطار أو السحور.
* إذن فأنت من الذين يفضلون الإفطار في المنزل؟
ـ بالتأكيد، فالحياة تبدو أكثر هدوءا بعكس الخروج في الشوارع المزدحمة قبل الإفطار والتي تجعل الناس في حالة غير طبيعية وأكثر ميلاً للعصبية، فهذا سبب من الأسباب المهمة التي تجعلني لا أحبذ الخروج للإفطار بعيداً عن الجو المنزلي الذي يغلب عليه الحميمية والدفء والبساطة والصدق أكثر من الأجواء الأخرى بالخارج.
* وهل هناك طعام معين تفضله؟
ـ أبداً، فنظامي في الطعام يظل عادياً ولا يتغير، وهذا لا يعني أنني شخصية غير محبة للأكل ولكن عاداتي فيه لا تتغير، فأشرب القهوة وأكل الفول والجبنة ووجبتي العادية مثل كل الأيام.
وأندهش جداً من بعض الناس الذين يقولون أنهم يفطرون تمر ولبن سنة عن الرسول عليه الصلاة والسلام. ثم يظلون يأكلون بشكل متواصل حتى الفجر، وطبعاً هذا شيء من المؤكد غير طبيعي ولم تقل السنة أو الفرض ذلك. لأنه «لا يكلف الله نفساً إلا وسعها».
* لو عدنا إلى الوراء كثيراً، حيث الطفولة وأيام الصبا الأولى، فما هي أهم ذكرياتك الرمضانية؟
ـ ذكرياتي الرمضانية عامرة، فأنا ابن السيدة زينب الذي نشأت في شوارعها وحواريها. عشت أجمل أيام عمري هناك وانغمست في قلب مصر الحقيقي بناسه الطيبين الذين يتسمون بالشهامة والنبل و«الجدعنة»، وكان شهر رمضان يأتي ليكشف هذه الصفات بسهولة ويشعرنا بالسعادة والفرحة الغامرة سواء الكبار أو الصغار، فمعالم الحياة بالفعل كانت تتغير.
. الفوانيس والزينة التي تعلق في الشوارع والمسحراتي و«الكنافة والقطائف والطرشي» وحركة الشارع نفسها الني تتغير وتشعرك بتواصل حميمي مع كل تفاصيله وناسه، وبالنسبة لي فقد كنت أنتظر ثبوت الرؤية بفارغ الصبر. وكأنني سأبدأ حياتي من جديد أو سيتحول طريقي إلى منعطف حاد ومهم.
* وما هو أكثر شيء تعلقت به من كل هذه الأشياء؟
ـ بصراحة، تعلقت بكل شيء. فهذه أشياء ثمينة لا يمكن استرجاعها أو حتى شراؤها، فالمظاهر الاحتفالية لهذا الشهر كنا نجدها أكثر في الأحياء الشعبية، وكان مزاجي الانطوائي حينذاك يجعلني أجلس أحيانا في ركن ما وأراقب كل شيء بحرص وأتابع بشغف مايحدث وكأن الشخوص والأحداث تتحرك علي شاشة كبيرة أمامي، فأكون منفصلا عنها.
وكأنني خارج الحدث وأصابني الذهول من هذا التحرك المنظم الذي أعاد ترتيب الشارع حسب طقوس وتقاليد الشهر الفضيل، ثم فجأة أجد نفسي داخل الحدث وأنا أشارك في تعليق الزينة أو ألعب مع الأصدقاء بالفانوس أو نسير وراء المسحراتي الذي يجوب الشارع بـ «طبلته» الصغيرة.
ونحن نردد وراءه الأسماء التي يقولها والتي نعرفها كلنا كأبناء حي واحد، كما كنت مع رفاق الحي نسهر حتى الفجر نتجول في السيدة كلها من قلعة الكبش إلى شارع السد وشارع قدري ومقام السيدة. وبقدر ما كنا منطلقين ونشعر بالأمان والسعادة كنا نشعر أن الشوارع هي الأخرى سعيدة بنا وبرمضان الذي نفخ من روحه فيها.
* وهل تتذكر أول فانوس حصلت عليه؟
ـ طبعاً وظل معي كثيراً، فقد حرصت عليه حتى لا ينكسر. وكانت ألوانه مبهجة وبداخله شمعة، فلم يكن وقتها هنا فوانيس بالبطاريات كما يوجد الآن. وبصراحة أنا أحببت الفانوس القديم أكثر.
* يبدو أن هذه المظاهر الشعبية كانت سندك في تجاوز مايمكن أن نسميه بآلام صادفتها في طفولتك؟
ـ ربما، ولكن لا أحب أن أبالغ في وصف الأشياء. فقد عشت طفولة طبيعية مثل زملائي ولم أشعر بوحدة. حتى عندما التحقت بالمدرسة لأنها كانت بالحي نفسه وكنت أعرف أغلب التلاميذ وعددا من المدرسين، ولكن كانت صدمتي عندما عرفت أن اسمي الحقيقي هو محمد جابر وليس نور إسماعيل كما كانوا ينادونني.
وأن إسماعيل الذي رباني وأحبني وميزني عن كل أطفال المنزل هو عمي وليس أبي، فقد عرفت وقتها أن أبي مات وأمي تعيش في منزل أهلها وأن عمتي تركت زوجها لتتولى تربيتي أنا وأختي عواطف، وأن جدي هو الذي أطلق علي اسم نور حين ولدت، ففي الأحياء الشعبية لا توجد أية مشكلة في أن يكون للشخص الواحد اسمان، يناديه الأهل بأحدهما فيما يكون الآخر هو المدون في الأوراق الرسمية، وهي سمة عادية بالضبط كالسمة الاحتفالية برمضان التي تخص هذه الأحياء وحدها.
؟ ولكن هل اقتصرت مشاركتك الاحتفالية برمضان على هذه المظاهر فقط؟
ـ المشاركة تغيرت بالتقدم في العمر، ففي مرحلة الصبا مثلاً تغيرت اهتماماتي، فقد كان البيت الذي أسكنه يتكون من فناء واسع تحيط به مجموعة من الغرف الصغيرة.
وإلى جوارها مخزن لمحل البقالة الذي كان يمتلكه والدي، البيت من طابقين أولهما للمخزن والخدمات وكان تسكنه ابنة عمتي، أما الطابق الثاني فكان يضم سبع غرف نوم وصالة كبيرة اعتدت أن ألعب فيها كرة القدم منذ صغري، فقد كنت مفتوناً بالكرة وكنت أنتظر خروج عمي لألعب في الصالة، ثم أخرج إلى الحارة لأمارس هواية «التنطيط» بالكرة.
وهي لعبة فردية تفوقت فيها منذ صغري واشتهرت بها وكنت أفرح جدا حين يشجعني الجيران وألمح نظرات الإعجاب في عيونهم. وكان شهر رمضان حين يهل علينا يمنحني رخصة لألعب الكرة دون مساءلة حقيقية عن تضييع الوقت أو ماشابه ذلك.
* كيف؟
ـ كنت ألتقي مع رفاقي بعد الإفطارلنلعب بالكرة الشراب، تلك اللعبة التي كانت منتشرة في ذلك الوقت في الأحياء الشعبية، وكنا نلعب في «الوسعاية» القريبة من الحارة خلف سينما الهلال، وأول مرة لعبنا في فريق شكلناه تحت اسم «التأليف في الكرة». حيث كانت هناك فرق كثيرة لها مسميات غريبة وطريفة مثل الشياطين الحمر والعمالقة والكتكوت المفترس وغيرها.
*وهل ترى أن المظاهر الاحتفالية في رمضان اختلفت كثيراً عن ذلك العهد؟
ـ بالتأكيد، فهذه سنة الحياة أن تتغير الأشياء ولا تبقى على حالتها حسب تطور الزمن وتغير متطلباته وأحلامه، وبالنسبة لي فأنا دائماً أشعر بالامتنان تجاه هذه الشهر الكريم الذي منحني من روحه الطيبة كثيراً، والذي شهد نجاح الكثير من الأعمال التلفزيونية التي عرضت خلاله.
