شكلت الزخرفة بشقيها الهندسي والنباتي، أهم الوسائل التي اعتمدها الفنان العربي المسلم في تزيين وتزويق وتجميل الكتاب والعمارة والفنون التطبيقية والحرف والمشغولات اليدوية، إضافة إلى الخط العربي الذي طالما رافقته هذه الزخرفة، وكرست جمالياته.
بشكل عام، اتسمت الزخرفة العربية الإسلامية بطابع عقلاني رياضي محسوب بدقة. فالعناصر النباتية والهندسية، بخطوطها المختلفة، وتشكيلاتها المتنوعة، تنم عن نظام هندسي دقيق. كما أن تنوع الخطوط العربية واعتمادها المقاييس الدقيقة، إنما هي تعبير عن طبيعة العقل الذي من صفاته التفكير والنظام واعتماد القياس والدقة المتناهية.لقد كان فن الكتابة العربية وما زال، من أهم وأبرز الفنون العربية الإسلامية. وقد قاد الاهتمام بهذا الفن إلى تطوير الخط العربي وتحسينه وتجميل حروفه وزخرفتها بالأزهار والأوراق النباتية، والأشكال الهندسية.
وكان الخط، كما يرى غالبية الدارسين والباحثين، أكثر الفنون عروبة، ومرد ذلك إلى أن القرآن الكريم، أنزل باللغة العربية، وكتبت به الشريعة الإسلامية، وكل ما يتعلق بها من فقه وأصول الدين وغير ذلك.
ومع انتشار الإسلام في العديد من أصقاع العالم، بدءاً من الهند وفارس وتركيا، وانتهاء بإسبانيا، أصبحت لغة هذه الشعوب والأمم التي اعتنقت الإسلام، تكتب بالخط العربي.
كما أصبح على الإنسان المسلم في هذه البلدان، قراءة القرآن ما يحتم عليه تعلم اللغة العربية واتقانها، هذه العوامل مجتمعة، أدت إلى انتشار الخط العربي، وتالياً اللغة العربية، بل لقد أصبحت اللغة العربية، اللغة الرسمية للعديد من البلدان المسلمة، وما زالت كذلك لدى بعضها حتى اليوم، كما في إيران وباكستان.
من هنا، ولأهمية الخط العربي، وما يتمتع به من قدرات تشكيلية تؤهله للتجاوب مع إبداعات وابتكارات الفنان المسلم، في جميع مجالات الفنون البصرية والتطبيقية، فقد انكب الخطاطون العرب والمسلمون، على حشد كل مهاراتهم للاستفادة من هذه الخواص الفريدة والبديعة للخط العربي، بحثاً عن الجماليات المتميزة التي يتفرد بها وتأكيداً لها، ومن تطويرها وابتكار طرز جديدة منها، تتماشى وتنسجم مع ضروب الفنون كافة، إضافة إلى الكتابة، وهي المهمة الرئيسة للخط العربي.
في البداية، عانى الخطاط العربي والمسلم من مواد وخامات الكتابة، فكتب في بداية رحلة الكتابة، على ورق البردي السريع العطب وغير القابل للمحي. ثم انتقل إلى «الرق» الذي عانى معه من عدم قدرته على امتصاص الحبر. وهكذا طال بحث الخطاط العربي والمسلم، عن وسائل الكتابة المثلى للخط العربي، إلى أن جاء الورق من الصين في منتصف القرن الثالث الهجري، أي التاسع الميلادي، ليحدث تحولاً كبيراً في فنون الخط العربي.
وليوضع بين أيدي الخطاطين إمكانيات كبيرة للإبداع والابتكار والتطوير، ما ساهم بولادة عدد كبير منهم، ليس في بلداننا العربية فحسب، بل في جميع البلدان المسلمة التي تتعاطى مع الخط العربي قراءة وكتابة، بل طاول الاهتمام بالخط العربي، فنانين أوروبيين مشهورين أمثال: ماتيس، وبول كلي، وبيكاسو.. وغيرهم.
بالتدريج، بدأت تظهر قواعد وضوابط وأسس للخط العربي، ومعها بدأت تظهر جماليات جديدة له، تفنن العاملون في حقله، في ابتكارها وتوظيفها في أكثر من مجال ومنحنى، تجاوز التدوين إلى فنون الكتاب والعمارة والحرف والفنون التطبيقية المختلفة، كما حاول العديد من الخطاطين، الرسم وتشخيص الهيئات الإنسانية والحيوانية والنباتية له.
صنع قلم التخطيط من القصب، في بداية رحلة الكتابة، وكان يتراوح طوله ما بين 25 إلى 30 سم، وهذا القلم هو وسيلة الخطاط لكتابة الخط، ثم استخدمت الريشة. أما الأحبار فكان الخطاط هو الذي يحضرها من مواد طبيعية مختلفة،.
وهكذا تطورت مسيرة الخط العربي، بتطور وسائل إنجازه والوظائف المنوطة به، وبدأت طرزه وأنواعه وضروبه بالظهور، فكان الخط الكوفي، والثلث، والنسخ، والديواني، والفارسي، والفاطمي، والمغربي، والتعليق، والرقعة... الخ.
مع تطور الحضارة العربية الإسلامية، تأسست مدارس لتعليمه وتطويره وتحسينه وتجويده، كما بدأ يتأقلم مع الشعوب والبلدان التي دخلت الإسلام من غير العرب، ويعتبر (ابن مقلة) الذي ظهر ما بين عامي 886 و940 ميلادي المؤسس الأول لقواعد الخط العربي.
استوزره العباسيون ثلاث مرات في بغداد، ثم ظهر (ابن البواب) حوالي العام 1022 ميلادي ليهذب طريقة ابن مقلة وينقحها ويكسوها طراوة وبهاء، ثما جاء (ياقوت المستعصي) أواخر عهد العباسيين، ليقوم بتجويد الخط وضبط حروفه وإرساء قواعده، وقد ساعد على عملية نهوض جماليات الخط العربي، وتكريسها في تشكيلاته، قابليته لذلك، من جهة، والقدسية التي أحاطت به، من جهة ثانية.
محمود شاهين

