يعتبر الفنان التشكيلي الفرنسي إتيان دينيه أشهر من أسلم في الجزائر من الشخصيات الثقافية ذات البعد العالمي. فهو من أحسن فناني القرن الماضي، وجابت معارضه كل أنحاء العالم.

وقد تميزت أعماله بنقل البيئة الجزائرية البسيطة خاصة الصحراوية منها إلى كل مكان عبر لوحات زيتية غاية في الجمال. وقد عاشر دينيه أهل بلدة «بوسعادة» الواقعة على بوابة الصحراء على نحو 250 كلم جنوب شرق الجزائر، وعاش معهم سنوات وتمكن من نسج علاقات حولته إلى أحد سكان المنطقة. ومن شدة تأثره بالبيئة الجزائرية قرر أن يتحول في جميع تفاصيله إلى واحد من الأهالي. فنطق بالشهادتين في عام 1927 وسمى نفسه » ناصر الدين دينيه» وحول ريشته إلى اختيار الموضوعات ذات الدلالة الدينية ليعبر عنها فأنجز رائعته «طالب الجامع» أي معلم القرآن في المسجد. وفي 1929 أدى فريضة الحج ليكمل الأركان الخمسة، وأنجز بعد ذلك لوحات صورت الحجيج والبقاع المقدسة.

أما الشخصية الثانية فكان روجي غارودي المفكر الفرنسي الكبير الذي كان عضوا قياديا في الحزب الشيوعي الفرنسي ومن أهم منظريه. واعترف بأن تردده على الجزائر ومعايشته لعدد كبير من مثقفي الجزائر كان الدافع الأساسي الذي جعله يبحث في تفاصيل الدين الإسلامي وتعاليمه السمحة.

وقال في مرات عديدة بأن الجزائر وحياة أهلها جعلته يبحث عن فهم جديد للعالم فكان الإسلام. وقد أسلم غارودي أمام دهشة النخبة المثقفة ليس في فرنسا فحسب ولكن في كل العالم، على اعتبار أن إسلامه كان فريدا من نوعه/ فهو يتصل برجل في قيادة التيار اليساري البعيد كل البعد عن جوانب الإيمان بالأديان مهما كانت.

وهو رجل بنى فكره لسنوات طويلة على كون العالم يتغير بفعل آليات تتولد في المجتمع جراء تناقضاته وتطوراته من نمط حياة لآخر. وجاء إسلامه في بداية الثمانينات من القرن الماضي وقت كان فيه هذا الفكر في أوج ازدهاره، فأحدث فيه روجي غارودي انكسارا غير مسبوق، وأعلن للعالم أجمع أن النور في الإسلام وأن العدل في الإسلام.

ويكفي اكتشاف الإنسان لهذا المخزون الذي لا يفنى من الرحمة والحق ليكسب العالم خطوة جديدة نحو الفضيلة. روجي غارودي زار الجزائر مرات كثيرة قبل إسلامه وبعده... زارها سياسيا مسؤولا حيث كان قياديا في الحزب الشيوعي ونائبا في البرلمان، وزارها محاضرا باحثا في الشؤون الإسلامية.

وبعد ناصر الدين دينيه وروجي غارودي أسلم عشرات بل مئات من المثقفين ورجال العلم من مختلف بلاد العالم على أرض الجزائر، كما اعتنق الكثيرون قضايا العرب والمسلمين وإن لم ينطقوا بالشهادتين من أمثال المفكر الكبير جاك بيرك ابن بلدة فرندة غرب الجزائر. من ناحية أخرى قدرت إحصائيات عدد الأجانب الذين يقدمون على اعتناق الإسلام في الجزائر العام 2004 بأزيد من500 شخص منهم من طلب وثائق ثبوتية ومنهم من صار مسلما وكفى ولم يخبر الجهات الإدارية.

وقد منحت مصالح وزارة الشؤون الدينية والأوقاف لنحو نصف «المسلمين الجدد» وثائق بسيطة سجل عليها الاسم القديم والجنسية وتاريخ ومكان الميلاد وكذا الاسم الجديد ومكان النطق بالشهادتين والإمام المشرف والشهود. وقد تضاعف عدد المنضمين إلى الإسلام خلال عامين. فقد أشارت إحصائيات رسمية أن عدد من تحصلوا على وثائق وزارة الشؤون الدينية والأوقاف بلغ 120 شخصا عام 2002 .

وقد يكون مجموع من تحولوا إلى الإسلام في حدود 200 إلى 230 على اعتبار أن نسبة مهمة يفضلون تجنب إقحام الإدارة في مسألة إسلامهم، وارتفع العدد إلى 504 عام 2004 حسب المعلومات والإحصائيات المبنية على إعلانات الصحافة وتقارير نظارات الشؤون الدينية في الولايات الجزائرية المختلفة.

ويتوقع المتتبعون أن يكون العدد هذا العام أكبر نظرا لوجود مقبلين جدد على الإسلام وهم الصينيون الذين توافد آلاف منهم للعمل في الجزائر في ورش البناء على الخصوص، وقد سبق لعدد منهم أن أسلموا العام الماضي في عدة مدن جزائرية وتفيد المعلومات المدونة في الإدارة وتلك التي تتناقلها الصحف يوميا بأن الذين يدخلون الإسلام يتوزعون على أعمار تتراوح بين الخامسة والعشرين.

وما فوق السبعين وأن شريحة العمر الأكثر إقبالا هي بين 30 و50 عاما بنسبة تجاوزت عام 2002 حدود 55 بالمئة. وأن المدن التي سجل بها أكبر عدد من حالات التحول إلى الإسلام هي العاصمة ووهران وهما أكبر مدينتين في البلاد بنحو 47 بالمئة في المجموع فيما توزع الباقي على 31 ولاية أخرى من بين 48 ولاية تعدها البلاد.

ويشغل المنتسبون الجدد للإسلام مهنا مختلفة فمنهم الطبيب والمهندس والتقني والعامل والطالب. وحسب الإحصائيات فإن 13 مهندسا أسلموا عام 2002 مقابل 12 العام الماضي أما عدد الطلاب فارتفع من 14 إلى 31 في الفترة نفسها.

وبلغ عدد من انتسبوا للإسلام بعد سن التقاعد 23 عام 2004 مقابل 12 عام 2002 ويمارس آخرون مهنا مختلفة أخرى كالطب والفلاحة والتجارة والسياقة والأشغال الكبرى والبناء.وسجلت النساء إقبالا أكبر من الرجال بنسبة 56 إلى 44 بالمئة. فيما شكل المسيحيون الكاثوليك فأكثر من 75 بالمئة من مجموع المصرح بهم على لوائح الانتساب للإسلام.

وسجل عدد البوذيين تطورا ملحوظا بفعل تزايد الجاليات الآسيوية في السنوات الأخيرة من صينيين وهنود وكوريين ويابانيين جراء اتساع رقعة التعاون بين الجزائر وهذه البلدان. وبالنسبة لجنسيات الوافدين الجدد على الإسلام يتقدم القائمة الفرنسيون ثم البلجيكيون والإيطاليون والصينيون والألمان والروس والكوريون...

وتختلف الدوافع التي جعلت عدداً من الوافدين يقدمون على إشهار إسلامهم لكن معظم التصريحات التي أدلوا بها سواء للصحافة أو خلال جلسات النطق بالشهادتين في المساجد أشارت إلى تأثير السلوك القويم للجزائريين في نفوسهم...

وذكر عدد كبير منهم أنهم سألوا عن سر هذا السلوك وعن المعاملات المثالية للغريب والتعاون والتضامن والعطف الفياض لدى الجزائريين، فكان الرد دائما أن هذه المعاملات أوصت بها تعاليم الدين الإسلامي الحنيف. وأن الجزائريين يستمدون أسس معاملة غيرهم من الإسلام عملا بالحديث الشريف «الدين المعاملة».

وشهد الكثير منهم أن هذه التعاليم لا يوجد مثيل لها في غير الإسلام، فالبداية كانت إعجابا بسلوك قوم ثم الاستفسار عن مصدر هذا السلوك ثم القناعة بها دافعا كافيا للانتماء للإسلام. وروى صينيان يشتغلان في قطاع البناء بالعاصمة الجزائر أنهما ينحدران من عائلتين بوذيتين وقد عاشا في الجزائر عامين وكان السبب المباشر لإسلامهما حضورهما مأتما لأحد زملائهما في الشغل ولاحظا كيف يواسي الجزائريون العائلة .

وكيف وقف معها الجيران والعاملين في الشركة التي يشتعل بها الفقيد، فوجدا أنهما في مجتمع يختلف عن ذلك الذي عاشا فيه طوال من قبل، وطرحا أكثر من مئتي سؤال حول دوافع هذا التآخي والتآزر فكان الرد في كل مرة «هذه تعاليم الإسلام» فقررا هكذا الانضمام إلى العائلة الكبيرة للرحمة والتعاون والأخوة الإنسانية، فنطقا بالشهادتين في مسجد الأبيار أمام جمع من المصلين وتحت رعاية إمام المسجد، وقالا «إنه ميلاد جديد وواع».

ودخل عدد كبير من المسيحيين والمسيحيات في الإسلام جراء زواج مختلط. فمن بين من أسلموا العام الماضي عشرة رجال على الأقل من النمسا وفرنسا والمجر وإيطاليا وألمانيا تزوجوا بجزائريات، فهداهم الله إلى طريق الحق. كما التحقت بالركب عدة نساء تزوجن هن كذلك بجزائريين فأصبحن على قول «لا إله إلا الله محمد رسول الله».

وحسب وزارة الشؤون الدينية والأوقاف فإن الزواج المختلف يوجد على رأس الدوافع للإسلام. وأبرز معظم من أسلموا في تصريحاتهم للصحافة ولمسؤولي مصالح الشؤون الدينية في الولايات بأنهم طرحوا أسئلة كثيرة قبل الانضمام للإسلام، وأن إسلامهم جاء نتيجة قناعة بأنه دين الحق والخير .

وهو يعني بالنسبة لهم الحياة المثالية التي تجعل الإنسان ينعم بالأمل لأنه يدرك أن الدار الآخرة هي خير وأبقى، وأن في ذلك أملاً لا ينقطع للإنسان لفعل الخير ونشر الود والإخاء في كل الأرجاء. وقال الأستاذ عبد الرحمن شيبان رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين «إن إسلام الأجانب في الجزائر في درجة عالية من النقاء والوعي...

فهم لم يدخلوا الإسلام للحصول على منافع كون الدولة الجزائرية لا توفر أي حافز مادي وهي تعامل من أسلموا مثل غيرهم من الأجانب، ولا تفضلهم، فالتعامل مع الأجنبي لا يأخذ في الحسبان دينه... لذلك فإنهم حين يسلمون إنما يسلمون من أجل الإسلام ولإدراكهم بأنه الحياة الراقية للبشر .. لذا يحرصون عليها».

الجزائر ـ «البيان»: