اللغة العربية هي لغة الحضارة الإسلامية وقد فرضت نفسها على مدار عشرة قرون على العالم كله لتصبح لغة الثقافة والعلم خاصة بعد أن ترجمت ونقلت إليها علوم السابقين.
ومع ضعف وتراجع هذه الحضارة تراجعت اللغة العربية أيضاً وأصبحت لغة محاصرة ومحسورة داخل البلاد العربية وتستخدم في الطقوس الدينية وقراءة القرآن الكريم في البلاد الإسلامية ويرى بعض الباحثين انه لولا القرآن لأصبحت اللغة العربية في عداد اللغات غير الحية.
ومن أشد الاتهامات التي توجه إلى اللغة العربية وأقساها حدة تلك التي تشكك في كونها لغة علم وحضارة وتصفها بأنها عاجزة عن استيعاب المصطلحات الحديثة.
ومن أهم العوامل التي ساهمت في ضعف اللغة العربية إنشاء المدارس والجامعات الأجنبية في البلاد العربية بل وتدريس اللغات الأجنبية بدءاً من الصف الأول الابتدائي وإنشاء أقسام في الجامعات للتدريس باللغات الأجنبية مما يهدد هويتنا العربية وخصوصيتنا الثقافية والحضارية.
في هذا الحوار مع الدكتور علي أبوالمكارم العميد السابق لكلية دار العلوم نتعرف على أسباب تراجع اللغة العربية بوصفها لغة الحضارة الإسلامية وكيفية النهوض بها من جديد.
* تحوّلت اللغة العربية في فترة وجيزة من مجرد لغة لمجموعة من القبائل المتفرقة في الجزيرة العربية إلى لغة عالمية يتحدث بها معظم شعوب العالم وتتلقى العلم والثقافة من خلالها كيف تحقق ذلك؟
ـ من المؤكد تاريخياً أن اللغة العربية استطاعت خلال فترة زمنية وجيزة أن تنتقل من مرحلة كانت فيها وسيلة الاتصال بين جماعات محدودة محصورة في إطار شبه الجزيرة العربية إلى أن أصبحت وسيلة اتصال بين مجموعات من الشعوب انتشرت في بقاع فسيحة من العالم تمتد من آسيا إلى افريقيا .
وشملت بذلك كل ما يسمى الآن شبه الجزيرة الهندية وآسيا الوسطى وبلاد فارس ومنطقة شبه الجزيرة العربية ثم الشمال الافريقي بالكامل كما أتيح لها أن تنطلق في مرحلة من المراحل .
بحيث تصبح لغة الشعوب في منطقة شبه جزيرة ايبريا وأوشكت أن تكون لغة الاتصال بين المثقفين في أوروبا على أن النقلة الهائلة للعربية لم تكن محصورة في نطاق الشعوب التي تكلمت بها وجعلتها أداة اتصالها فحسب وإنما أصبحت العربية لغة الثقافة والعلم والفكر وصارت هي اللغة التي تكتب بها مختلف العلوم مع تعددها واختلافها وصارت لغة الأدب والفلسفة والتاريخ والجغرافيا والطب والهندسة كما صارت لغة علوم الأرض والإنسان.
وما وراء الأرض والإنسان من علوم أخرى أي أن العربية في إطار فترة زمنية وجيزة صارت اللغة العالمية الأولى ولغة الثقافة والفكر الأولى ولغة التسجيل العلمي الأولى وهذه كلها أمور لم تحدث لغيرها من اللغات الأخرى إلى يومنا هذا.
* ما العوامل التي مكنت اللغة العربية من تحقيق هذه المكانة وتحقيق هذا الانتشار غير المسبوق؟
ـ هناك أسباب كثيرة وراء هذه الطفرة الهائلة للعربية ولعل في طليعة هذه الأسباب أنها كانت لغة الدين الجديد الذي انتشر في أصقاع الأرض المختلفة وبفضل هذا الانتشار انتشرت به ومعه العربية كما أن هذا الدين الجديد مكّن أهالي البلاد المفتوحة أن يسهموا بصورة ايجابية في بناء التفكير الإنساني وتطويره .
ومن ثم كانت العربية هي الأداة التي استخدمت في التعبير عن هذا كله وبذلك جسدت القيم الدينية من ناحية والقيم الفكرية من ناحية أخرى الأمر الذي أصبحت معه أنموذجا رفيعا للتعبير عن الحقائق في مختلف العلوم وساعد على هذا كله أن العربية كان يحملها أقوام يؤمنون بها إذ لم تنحصر في شعب دون آخر فلم يكن سدنتها هم العرب جنسا وحدهم .
وإنما صار من ابرز حماتها والذين يحملون لواءها المثقفون على اختلاف أجناسهم وفئاتهم وطبقاتهم وانتماءاتهم العنصرية وجسدوا بذلك المثل الإنساني الأعلى للفكر والثقافة واللغة القادرة عن التعبير عن هذا الفكر وهذه الثقافة ومن الثابت أيضاً أن اللغة تقوى بقوة أبنائها وتضمحل باضمحلالهم وان الشعوب دائما تميل إلى تقليد الغالبين ومحاكاتهم وهكذا تضافرت عوامل كثيرة على أن تجعل العربية هي لغة الفكر والثقافة والحضارة طوال فترة تاريخية طويلة.
* فئات خاصة
* لكن كيف كانت بداية الاتجاه العكسي أي ضعف اللغة العربية وتراجعها؟
ـ أصحاب اللغة مرت بهم ظروف عبر مراحل تاريخية تناقصت فيها قدراتهم واضمحلت فيها مكانتهم وأصبحوا هم الذين يقلدون غيرهم من الغالبين وهكذا بدلا من أن تصبح الثقافة عربية وأن يصبح العرب المثل الأعلى للشعوب الأخرى صارت الثقافة غير عربية اللسان وصار العرب حريصين على تقليد غيرهم من الشعوب .
ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل أن العرب سرعان ما تولى أمورهم حكام لم يتسموا بالحرص على لغتهم ووجدوا أن من السهل عليهم أن يخاطبوا الناس في الداخل باللهجات العامية حتى لا تكون العربية بالنسبة إليهم وسيلة اتصال محدودة التأثير ويخاطبوا الناس في الخارج بلغاتهم الأجنبية ومن ثم زاد اضمحلال اللغة وتقلص الاهتمام بها ولم تعد تحتل مكانة لإهمال أبنائها لها ونأى قادتها عنها .
وهكذا أصبح من المؤكد أن العربية تزوي وتضمحل وأن يصبح الاهتمام بها محصورا في فئات خاصة يواجهها من يواجهها برفضها والسخرية منها وأصبح الناس في العالم العربي يتمادحون بفساد اللغة ويتباهون بعدم قدرتهم على فهمها.
* هل هذا ينطبق على اللغة العربية في عصرنا الحاضر أيضا؟
ـ العربية تعاني اليوم من جهل أبنائها واضمحلال مكانتها عند أهلها ومن الطبيعي أن يجسد هذا كله وضعا للعربية مهينا وان تصبح العربية بهذا الشكل مريضة بأمراض شتى سواء في الأصوات أو في المفردات أو في التراكيب أو في الدلالات أو في الاقتباس من اللغات الأخرى.
وتطعيم العربية بهذه المقتبسات بحيث تصبح أمشاجا مختلطات بلا لون ولا طعم ولا رائحة ومن الحق أن نقرر أن هذا كله ليس بعيدا عن تخطيط القوى المعادية للعربية والإسلام فالقوى المعادية للإسلام تحاول تمزيق العربية وتشويهها والابتعاد بها عن أن تكون لغة الحياة ومن المؤكد أن الحملة الحالية ضد العربية ليست موجهة ضد العرب وحدهم .
وإنما هي موجهة في جوهرها ضد القيم الدينية والفكرية والروابط التاريخية والثقافية التي تمثلها هذه اللغة فالذي يقرأ بالعربية يستطيع أن يتواصل تواصلا مباشرا مع التراث الإنساني من خلال المأثور من تراث العربية ويستطيع أيضا أن يفهم العلوم الدينية على اختلافها من تفسير وحديث وفقه وأصول وتوحيد وغيرها من العلوم فإذا فقد القدرة على الاتصال بالعربية فقد القدرة على الاتصال بهذه العلوم .
وهذا هو الهدف الأول من أهداف هذه الحملة التبشيرية الصليبية التي أعلنها بعض القادة في بلاد الغرب من دون أن يجدوا حرجا في إعلانها والتي لم يوفق الله واحدا من قادتنا حيث يمكن أن يرد عليها أو ينكر صدورها والهجمة على العربية هجمة على الإسلام والدفاع عن العربية هو خط الدفاع الأول عن الإسلام.
* بعض العلماء المتخصصين يشككون في صلاحية اللغة العربية لأن تكون لغة علم وحضارة أو أن تستوعب المصطلحات والمفردات الجديدة التي نتجت عن التقدم العلمي والتكنولوجي رغم أن هذا لم يكن يمثل مشكلة في الماضي فهل تتفقون مع وجهة النظر هذه؟
ـ هذا لم يكن يمثل مشكلة في الماضي ولا يمثل مشكلة في الحاضر والذين يتصورون أن العربية غير قادرة على استيعاب المتغيرات والتعبير عن المصطلحات المستجدة هم في حقيقة الأمر لا يقفون بشكل علمي على الحقائق ويتسرعون في إصدار الأحكام عليها لأن المصطلحات في العلوم المختلفة ليست أكثر من رموز للدلالة على معانيها.
واستخدام المصطلح لا يعني بحال استخدام اللغة الأجنبية أن من الممكن أن نستخدم ما شئنا من مصطلحات في إطار العربية لان لغة التعبير شيء مختلف عن المصطلحات وابسط الأدلة على ذلك أن الطالب الذي يدرس العلوم أو الطب باللغة الانجليزية لا يحسن تحصيل ما درس لأنه مضطر إلى أن يترجم ما يسمع إلى لغته الأم حتى يمكن أن يفهم ما يقال فإذا شاء أن يستفسر أو أن يسأل اضطر أيضا أن يترجم سؤاله إلى الانجليزية حتى يمكن أن ينقل فكرته إلى أستاذه.
ومن خلال الترجمة الأولى تقع أخطاء كثيرة مردها إلى عدم التمكن من اللغة وتتجاوز هذه الأخطاء المدى حين تكون الترجمة الثانية لأنها قد لا تعبر بدقة عن الغموض الذي يريد السؤال عنه وقد تتضمن قضايا غير دقيقة يوحي بها هذا الغموض فيفهم الأستاذ شيئا مختلفا عما يسأل عنه الطالب وهكذا نقع بصفة دائمة في سوء فهم في مراحل مختلفة فهناك سوء فهم من الطالب لما قيل.
وهنالك سوء تعبير من الطالب عما فهم وعما لم يفهم وهناك سوء فهم من الأستاذ لما قال الطالب وفي هذه الدائرة المفرغة من سوء الفهم يفقد الطالب كثيرا من علمه ويفقد الأستاذ كثيرا من التواصل بينه وبين الطالب نحن في حاجة إلى أن تكون اللغة الموصلة جيدة التوصيل وهذه المسألة لا تحتاج لأكثر من أن نستخدم اللغة الأم التي يعرفها الطالب .
وان نترجم له مجموعة المصطلحات التي يستخدمها حتى لو لم نطرقها وتركنا الأستاذ يقولها كان من الميسور تحديد دلالتها وان نصل إلى ما يجب أن نصل إليه من معانيها ليس التعليم بغير العربية وسيلة لرفع مستوى التعليم فهذه فرية كاذبة، التعليم بالعربية وحده هو الكفيل برفع مستوى التعليم.
* الإحساس بالدونية
* إذا كان التعليم باللغات الأجنبية لا يرفع مستوى التعليم فلماذا لجأنا إلى إنشاء أقسام وجامعات ومدارس تعلم باللغات الأجنبية؟
ـ هذه المسألة نتاج الإحساس بالدونية وليس هناك دافع علمي لذلك ومن الثابت علميا أن أي تعليم بلغة غير اللغة الأم في السنوات العشر الأولى من حياة الطفل يترتب عليه عدم استيعاب الطفل للغته الأصلية أي أن مثل هذا النمط من التعليم كفيل بتدمير اللغة الأصلية.
وهذه حقائق معروفة عند علماء التربية وعلماء النفس وعلماء الاجتماع لكن للأسف الإحساس بالدونية هو الذي يحمل أولئك المتدنين على التجاوز عن الحقائق العلمية ورفع شعارات العولمة واللغة المناسبة للعصر إلى آخر هذه الشعارات ، ليس هناك مبرر علمي واحد لتعليم اللغات الأجنبية في المرحلة الابتدائية .
ونتاج هذا التعليم مدمر بالنسبة للغة القومية وهذه الحقيقة تفترض أن نتخذ موقفا صلبا إزاء هذه الظاهرة لكن القضية تمضي نتيجة لهذا الإحساس بالدونية في اتجاه واحد وهو دعم هذا النمط من التعليم وهكذا لم تعد القضية قضية مستوى التعليم وإنما قضية المظهر الشكلي للتعليم وكان مما يكمل هذا المظهر وجود جامعات أجنبية.
أو فروع لهذه الجامعات تتولى التدريس باللغات المختلفة وهكذا أصبح لدينا الآن جامعات تدرس بالانجليزية والفرنسية والألمانية وغدا سيكون لدينا جامعات تدرس بالاسبانية والايطالية وهذه كلها ليست بسبب الحاجة العلمية فلا حاجة علمية لمثل هذه الأمور وإنما هي ببساطة شديدة مرتبطة بالإحساس العميق بالدونية عندنا والإحساس العميق بضرورة التخطيط للقضاء على العربية عندهم.
* كيف ننهض باللغة العربية حتى تستعيد مكانتها كما كانت في الماضي؟
ـ نقطة البدء في هذا المجال الاهتمام بشكل كامل بالتعليم وباللغة في إطار هذا التعليم وهذا يتطلب إلغاء اللغات الأجنبية في المرحلة الابتدائية ثم وضع خطة طويلة الأمد يتم فيها اللجوء لأساليب تعليم متطورة لا يكتفي فيها بالكتاب والسبورة .
ووجود مدرسين ليسوا مؤهلين بشكل كاف وإنما لابد من استخدام أدوات العصر وفي طليعتها أجهزة الكاسيت والكمبيوتر ووضع البرامج المناسبة للأعمار المختلفة بما في ذلك وضع المعاجم اللغوية المناسبة لكل فئة عمرية على حدة واستخدام هذه المحصلات اللغوية في الكتب الدراسية مع العناية الكاملة بالنشاط اللغوي في المدارس من كتابة وقراءة .
وممارسة كتابة القصة والشعر والرواية والتلخيص وممارسة النشاطات المختلفة في المدرسة كالمسرح والخطابة إلى آخره واللغة بنت المعايشة والدربة ولا مجال مطلقا لنمو اللغة من دون أن يكون هنالك تدريب كافٍ ولدينا في هذا المجال سند رائع وأساس لا مجال للشك فيه .
وهو القرآن الكريم لو أحسنا الانتفاع بهذا كله لوصلنا إلى مرحلة يمكن فيها استخدام اللغة للتعبير عن المتغيرات خصوصا إذا وضعنا في الاعتبار أن المستجدات العلمية من الممكن ترجمتها خلال فترة زمنية قصيرة حتى يكون القارئ بالعربية ملما بأحدث الاتجاهات العلمية من دون أن تكون العربية عائقا ضد هذا الإلمام.
القاهرة ـ ضياء الدين أحمد:
