هو أبو الثناء شهاب الدين السيد محمود ابن عبدالله الآلوسي البغدادي الحنفي، مفتي بغداد وعالمها في القرن الثالث عشر الهجري، ولد ببغداد في منتصف شعبان سنة 1802 وكان والده رئيساً للمدرسين في بغداد، وهم طائفة من علماء الدين يشتهرون بالتحصيل العلمي في فروع الفقه والتفسير والحديث.
وما تجب معرفته من علوم اللسان العربي: نحواً وبلاغة واشتقاقاً وعروضاً، ولهم أساتذة يعترفون بنبوغهم، ويشيرون على ذوي الأمر بصلاحيتهم للإمامة والخطابة والتدريس بالمساجد فيستجيبون.
كان عبدالله الآلوسي ـ والد المفسر ـ رئيس هؤلاء المدرسين، وكان منزله ببغداد كعبة القاصدين منهم للاستفادة والتوجيه، وقد تفتحت عينا الناشئ الصغير، لترى الوالد في مكان القدوة العلمية، ولتسمع من النقاش العلمي ما يرسم مثلاً عالياً يجتذب الناشئ ويغريه، ومن الطبيعي ان يكون والد أبي الثناء ـ المفسر ـ حريصاً على تربية ولده.
وتنشئته التنشئة العلمية ذات اليقظة البصيرة، والتحفز المتوثب..! ومن أجل ذلك حفظ المتون العلمية التي هي أسس العلوم ـ وهي المتون نفسها المقررة على طلاب الأزهر تقريباً ـ التي تعاقب عليها المدرسون والأساتذة جيلاً بعد جيل، كألفية ابن مالك، والرحبية والخريدة ونور الإيضاح والعقائد النسفية، وغيرها..!
حفظها الصبي وعمره لم يبلغ الرابعة عشرة، ولم يقتصر في تلمذته على والده وحده، بل اتجه إلى جلة العلماء في عصره، ومنهم علي السويدي، وأمين الحلّي، وخالد النقشبندي، وعبدالعزيز الشواف، وكان لكل عالم من هؤلاء حلقة خاصة بمنزله يؤمها الطلاب عن طوع في أوقات معينة من النهار والليل.
إذ يرون في التدريس وحده وسيلة لإذاعة العلم دون التأليف، بل يرون في تلاميذهم مؤلفات حية تتحدث وتتكلم وتذيع، فهم يرحبون بالنابغين منهم أتم ترحيب، وقد يحرصون على الاستئثار بمن يرونه ذا مقدرة عالية في الفهم، ليرجع إليهم فضل تكوينه العلمي، ويصبح التلميذ دليلاً واقعياً على قدرة أستاذه.
وحين وجد الوالد العطوف هِمّة نجله ترمي به إلى استيعاب ما يقدر على الإحاطة به من دروس الزملاء، شجعه على مواصلة الزيادة والاستفادة، وكان يقرّ عينا به حين يرجع إليه بعد انتهاء اليوم الحافل، فيحدثه بما ألم به من علم، وما دار في حلبة الدرس من نقاش.
وقد نال إعجاب أساتذته جميعاً، فمنحوه إجازتهم العلمية عن تقدير، ولم يكتف الناشئ الطامح بعلماء بغداد، بل حرص على السياحة العلمية، وذهب إلى مجالس العلم في بيروت ودمشق، ورجع بإجازاتهم كذلك، والإجازة هي الإقرار بالسبق والتبريز وفوق ذلك بالتأهيل للتدريس..!
ومن ثم شارك الآلوسي في التوجيه السياسي للعراق، فشارك داود باشا والي العراق في عصره، ولما عزل الوالي وجاء خلفه اضطهد الآلوسي، فسجن وعذِّب، فقابل المحنة بصبر، شأنه شأن العلماء.
ولم تطل محنة الشيخ، فقد استمع الوالي الجديد رضا باشا إلى هواتف الخير من نفسه، إذ جاءت أنباء النابغة السجين، فطلب بعض مؤلفاته ليقرأها وكان على حظ من المعرفة فنالت قبوله، وأصدر أمره بالإفراج عنه، وعينه خطيباً بأحد المساجد، وجعل يهرع إلى استماعه، ونهض الرجل بأعبائها.
وكانت هذه الوظائف لا تشغله عن مدارسة العلم للطلاب نهاراً، ومباشرة التصنيف ليلاً، وكان من المعتاد ان تأتي الأسئلة الدينية من مختلف الجهات إلى الوالي ليشير بالإجابة عنها. وقد جاءته من إيران (بلاد فارس) ـ كما كانت تسمى ـ أسئلة دقيقة في أصول المذهب لدى أهل السنة، فتصدر محمود الآلوسي للإجابة بكل براعة واقتدار.
وحاول غيره الإجابة، فقعد الوالي مجلساً لقراءة الإجابات المختلفة ليختار منها ما يصلح للرد الحاسم، وكانت إجابة الآلوسي من القوة بحيث كسفت شمسها ما حولها من النجوم، وقد جمعت إلى صواب الدليل وسلامة النتيجة، وقوة الاستشهاد عفة ونزاهة، وتشجيعاً للسائل، وتقديراً لدقة غوصه، وبعد مرماه..!
وكانت وظيفة الإفتاء تُعَدُّ أكبر وظيفة علمية ببغداد، ولن يتسنم ذروتها غير شيخ عالم كبير له تلاميذ كبار، وتلاميذ يأخذون عنهم، هذا هو المعتاد والمتبع، غير ان أشياخ بغداد لهذا العهد قد ألقوا السلم في طوق هذا الشاب الفقيه، فتقلد رتبة الإفتاء ولم يتجاوز الثلاثين إلا بأيام..!
وكانت المسؤولية عظيمة ومحرجة لاسيما من الناحية المذهبية، لأن محمود الآلوسي كان شافعي المذهب كأبيه، ولابد لمن يتقلد منصب الإفتاء في ديار الخلافة العثمانية جميعها، ان يكون حنفي المذهب، وهو اشتراط لم يعق الشاب المتفتح والطامح إلى ذروة القيادة العلمية، ففي فترة قصيرة درس المذهب الحنفي في أوسع كتبه، وألم بقضاياه الفقهية، مقارنة بقضايا المذهب الشافعي، وكان حر العقل في اختياراته.
لا يختار إلا ما يرتاح إليه، إذ كان يقرأ بوعي تام في المذهبين عن يقظة، ثم يصدر الفتوى مؤيدة بالدليل العقلي والنقلي، وليس بين المذهبين ما يبعث على التعصب الأعمى الذي يسيطر على نفوس الجهلاء أو المغرضين، وإنما هي وجهات نظر قد تتقارب وقد تتباعد، كما تختلف وجهات النظر بين علماء المذهب الواحد..!
وقد ظهرت نعمة الله على المفتي، فاشترى داراً واسعة، جعل جانباً كبيراً منها لملاقاة التلاميذ، وللترحيب بالطلبة الغرباء، مسكناً ومطعماً ومأوى، وكان شعراء بغداد يقصدونها كل ليلة بعد الغروب ليتطارحوا الأشعار في حضرة المفتي على مسمع من تلاميذه، ولكن الوالي نجيب باشا، الذي جاء بعد رضا باشا قد أكثر من المظالم ونهب حقوق الناس، فجاهره الآلوسي بسخط الناس عليه.
ووقف أمامه وقفة الشجاع الصادع بكلمة الحق، فعزله عن الإفتاء، وبذلك قطع عيش الرجل، وحورب في رزقه محاربة عارمة، والشيخ حينئذ صاحب مدرسة علمية، يقوم على رعايتها بيت عامر، والمدرسة يقطنها عشرات الطلاب، ويحتاجون إلى النفقة وجريان الأرزاق ليتفرغوا للعلم.
ولم يشأ ان يعلن عن كل شيء كما هو، وكان يسلي نفسه بالتدريس والتأليف، مترقباً ان تزول الغمة عن قريب، ولكن الليل قد طال فشد الرحال إلى الأستانة، ومعه تفسيره الكبير، ليكون دليل علمه وشفيع مقدمه، فاستطاع ان ينال رضا الخليفة وان يعود منتصراً بعد ان برئت ساحته، وعاد إلى بغداد فأجري له استقبال عظيم، وخرجت بغداد للترحيب به، وقد نعم برضا الخليفة، وعزل نجيب باشا وجاء في إثره من رعى مكان الشيخ وأعاد له جاهه المفتقد..!
وقد ترك الآلوسي مؤلفات كثرة، إذ كان ذا قلم سيال، وخاطراً سريعاً، وموهبته على التأليف معطاءة، فأبدع وصف رحلته إلى الأستانة في كتاب حافل، سجل فيه ما نزل به من مدن ومنازل ومن قابل أو مر به من الناس من كافة الطبقات، وعاداتهم وأعرافهم، فهو تحفة في دنيا الرحلات..
ولأن رغبته في الإصلاح كانت ملحة، فقد درس أحوال الأمة وما هي عليه من ضعف وخور واستحلال الدول الغربية لخيراتها ومتاعها، فألف رسالة داعية إلى اليقظة والنهوض من الموات، سماها:
(سفرة الزاد لسفرة الجهاد)..!
ورأى الآلوسي وهو محق ان النهضة الإسلامية لن تقوم إلا على أساس متين من دراسة كتاب الله وتوضيح آياته وتفسير أحكامه، فأفرغ وسعه وبذل مجهوده حتى أخرجه للناس كتاباً جامعاً لآراء السلف رواية ودراية، ومشتملاً على أقوال الخلف أيضاً بكل أمانة وعناية فهو جامع لخلاصة ما سبقه من التفاسير فتراه ينقل لك عن تفسير ابن عطية وتفسير أبي حيان.
وتفسير الكشاف، وتفسير أبي السعود وتفسير البيضاوي، وتفسير الفخر الرازي، وغيرها من كتب التفسير المعتمدة، وهو إذا نقل عن تفسير أبي السعود يقول: قال شيخ الإسلام، وإذا نقل عن البيضاوي قال: قال القاضي، وإذا نقل عن الفخر الرازي قال: قال الإمام، والفخر الرازي إمام بحكم سبقه واتساع تفسيره ليشمل الكثير والكثير من الفنون..!
وهو في نقوله لا يكتفي بأن يكون ناقلاً أميناً فقط، وانما ينصب نفسه حكماً عدلاً بينها، وينقد ويدقق ويبدي رأياً حراً فيما نقل. فتراه كثيراً ما يعترض على ما ينقله عن أبي السعود، أو عن البيضاوي أو عن أبي حيان أو عن غيرهم وتراه يتعقب الفخر الرازي في كثير من المسائل، ويرد عليه وعلى الخصوص في بعض المسائل الفقهية انتصاراً منه لمذهب أبي حنيفة، ثم انه إذا استصوب رأياً لبعض من ينقل عنهم انتصر له ورجحه على ما عداه..
غير أن بتفسير الآلوسي (روح المعاني) فضل آخر، يقول عنه الدكتور محمد بن محمد أبو شهبة: وتفسير (روح المعاني) خير تفسير وأجمعه وأوفاه، وقد جمع فيه خلاصة من كتب التفاسير قبله وحواشيها، ولاسيما حاشية: تفسير الكشاف، وحاشية الشهاب الخفاجي، على تفسير البيضاوي، وقد حلَّ بعض رموزها، وعباراتها الخفية التي استعصى فهم المراد منها على العلماء، وله استدراكات قيمة، وتعقيبات دقيقة لمن سبقه من العلماء.
ولما كان الإمام الآلوسي من المتأخرين، وكانت له مشاركة علمية في كثير من العلوم وسعة اطلاع على كلام من سبقوه، ولاسيما علماء الحديث، وأئمته العارفين بمتونه وأسانيده ـ فمن ثم لم يقع فيما وقع فيه بعض المفسرين السابقين له: من ذكر الأحاديث الموضوعة في الفضائل، وغيرها.
وكذلك خلا تفسيره من الاغترار بالإسرائيليات وهو وان ذكرها فإنما ذكرها لينبه إلى اختلاقها وبطلانها وتحذير المسلمين ولاسيما طلبة العلم وأهله من التصديق بها، أو ان لها أصلاً في الإسلام، ولم أعلم أحداً من المفسرين، بعد العلامة ابن كثير في تفسيره، حارب الإسرائيليات، والموضوعات، مثل ما فعل الإمام الآلوسي في تفسيره، فقد أفاض في رد هذه الإسرائيليات والمختلقات، كما صنع في قصة إسماعيل وإسحاق، وأيهما الذبيح؟!
وبيان ان كونه إسحاق رأى باطلاً، اندس على الرواية الإسلامية، وفي قصة يوسف، وداود، وسليمان وأيوب ونحوها وقصة الغرانيق.. وقد مكث هذا الإمام في تأليف كتابه خمس عشرة سنة، بحث ونقب وقرأ واختصر، وسهر فيه الليالي الطوال، وكان كثيراً ما ينشد، وحق له ذلك:
سهري لتنقيح العلوم ألذُّ لي
وتمايلي طربا لحل عويصة أشهى
وألذُّ من نقر الفتاة لدفها نقري
من وصل غانية وطيب عناق
وأحس من مدام الساقي
لدفع الرمل عن أوراقي
ويقول الدكتور محمد رجب البيومي: (وأكاد أزعم ان دارس التفسير في روح المعاني يستغني به عن كل ما كتبه سابقوه لأن الرجل الكبير قد قرأ كل ما وقع تحت يده من كتب هؤلاء، وأطال النظر في مضامينها ووازن وقارن ورجح وعلل، ثم صاغ من خلاصتها الصحيحة في رأيه سبيكة خالصة من معدن الذهب.
ومن يدرس تفسير الآلوسي يلمح أن لديه اهتماماً خاصاً بمسائل النحو، وهي عدوى أبي حيان الغرناطي، إذ نهج في تفسيره (البحر المحيط) نهجاً نحوياً ذا شعاب شتى، وأبو حيّان عالم صناعته النحو، ومهاجم شأنه الانتقاص والمؤاخذة، وما أبعد روحه عن روح أبي الثناء، فلم حاذاه؟
وأرى الإمام الآلوسي بحق في اهتمامه بالنحو واللغة، لأنهما أساسان في فهم القرآن العربي المبين، ومحاذاته لأبي حيان تدل على قناعته بسبقه في النحو، ثم هو معتدل في ايراده للآراء الفقهية لا يتعصب لرأيه وهواه، ولا يبحث إلا عن الحقيقة المجردة، واعتدل كذلك في شرحه للآيات الكونية ولم يتورط في التفسير العلمي المتكلف، وهكذا حفظ للقرآن مهابته وقدسيته. غفر الله له ورحمه رحمة واسعة.
* علي عيد
