تحت عنوان «حفريات في الذاكرة»: من بعيد أصدر المفكر المغربي المعروف محمد عابد الجابري، قبل سنوات كتابا يتضمن بعض فصول سيرته الذاتية، أو مذكراته.
ولعل من أجمل فصول هذا الكتاب الممتع وأكثرها طرافة، تلك التي يحدثنا فيها صاحب «نقد العقل العربي» عن بدايات اكتشافه لبعض مناطق «بلاد الشام» ولا سيما الإسكندرية في مصر التي رآها «شديدة القذارة ومخيبة» لينصرف بعدها إلى بيروت، فيمر بها صعودا الى الجبل، ومن هناك الى دمشق التي درس فيها لمدة عام، كان عام صخب في حياتها، واكتشافات في حياته.
وصلت الباخرة الى بيروت مع غروب الشمس، وقد وجد صاحبنا ورفاقه طلابا مغاربة ينتظرونهم في الميناء، وكانوا قد أخبروهم بتاريخ وصولهم. ومع نزولهم من ميناء بيروت والمرور عبر شوارعها الواسعة المضيئة في اتجاه الجبل حيث كان أولئك الطلاب يقضون جزءا من عطلة الصيف، أخذت الصورة ـ صورة المشرق ـ تتغير وتتحسن في منظار صاحبنا.
ها هي بيروت أو ما شاهدوه منها في طريقهم إلى الجبل، تختلف اختلافا جذريا عن تلك الأحياء التي كانت تمثل في مخيلته الإسكندرية كلها،ومصر كلها بل والمشرق أيضا. وشيئا فشيئا تغيرت الصورة في ذهنه تماما.
انه الآن يستحضر الأحياء العصرية في الدار البيضاء، والطريق من فاس إلى الفرات: عالم آخر. لقد تأكد الآن من صدق ما قاله له احد الطلاب الذين استقبلهم في ميناء بيروت، حينما شكا إليه انطباعه من الإسكندرية.
لقد قال له: «الإسكندرية مدينة جميلة، من أجمل مدن المشرق. ومن سوء حظكم أنكم أخطأتم الطريق إلى احيائها العصرية» ثم أضاف:» وعلى العموم فالمشرق مثل المغرب، هناك أحياء شعبية وأخرى عصرية في كل مدنهما الكبرى».
كان الطلاب المغاربة الذين يقضون عطلاتهم في الجبل يسكنون في الطابق العلوي من منزل كان أصحابه يسكنون في الطابق السفلي، كان ربوة يطل على سلسلة من الأضواء الليلية التي تلامس الأفق من كل جانب. وإذا كان صاحبنا لا يتذكر أي مشاهد واضحة عن القرية وما حولها- لعلها بحمدون- فانه لا يزال يحتفظ في ذاكرته عن هذه الليلة التي قضاها هناك بأمرين اثنين كانا يبدوان له آنذاك على قدر كبير من الغرابة.
والذاكرة تهمل المألوف المعتاد من الأمور وتحتفظ بالجديد والغريب والعجيب. لقد اندهش صاحبنا أمام جاط العنب الذي قدمه لهم مضيفوهم بعد العشاء: كانت كبيرة في حجم المشمش. ومع انه كان في بستانهم «ضجيج» أنواع من العنب المعروفة بحلاوتها، إضافة إلى انه كان فوق في وجدة على أنواع أخرى، فلقد كانت كلها من الحجم العادي، أما هذا الذي رآه في «بحمدون» في تلك الليلة فلم يكن قد شاهد قبل ذلك ما في حجمه.
والمهم في الأمر هو ان اكتشافه في لبنان لهذا النوع الكبير من العنب قد ساهم بشكل أساسي في إعادة صورة المشرق في ذهنه الى وضعها الطبيعي الذي كان لها قبل تجربة الأحياء الشعبية في الإسكندرية.
وقد ساهم في تعزيز هذا الوضع «الطبيعي» الوضع الذي كان عليه المشرق في نفوس المغاربة، بوصفه النموذج والمثال، عنصر آخر بقي في مخيلته لا يفارقها. والحق ان دهشته كانت أشد من تلك التي أثارها ذلك العجب في نفسه، كما أن تعجبه كان أقوى وأفعل في نفسه، حينما علم ان الشاب اللبناني الذي كان جالسا معهم في تلك الليلة .
ويسكن بجوارهم ويشتغل راعيا.. كان يحمل الشهادة الثانوية. لقد كان حملة الشهادة الثانوية في المغرب آنذاك وكان قد مر على استقلاله سنة ونصف يعملون موظفين كبارا في الإدارة والشرطة والتعليم، وقد يعينون في وظيفة مدير ديوان وزير أو كاتب عام وزارة.
حامل الشهادة الثانوية يرعى غنما؟ إذن لبنان متقدم جدا، ولا بد ان يكون الموظفون فيه من حملة الدكتوراه. ولماذا لا يأتي هذا الشاب وأمثاله للعمل في المغرب والحلول محل الفرنسيين ومساعدة أهله في تحقيق ما يصبون إليه من نهضة وتقدم؟ ذلك هو نوع التساؤلات التي شغلت فكره وهو مستلق على الفراش يطلب النوم ويستعجل الليل ليسافر في الصباح الى دمشق، قبلته وغايته.
وإذا كان لا يتذكر بالضبط نوع الأجوبة التي خطرت في ذهنه آنذاك، فانه يستطيع ان يؤكد أنه منذ ذلك الوقت بدأ يتكون لديه شعور، أخذ يتعمق بعد ذلك شيئا فشيئا بضرورة اخذ الاحتياط الكامل من تأثير المقارنات والمماثلات والحذر كل الحذر من «الشجرة التي تخفي الغابة». انه يتذكر كيف انه انتابه في تلك الليلة نوع من الندم ولوم الذات لكونه تسرع وحكم على الإسكندرية بسبب منظر سيطر على نفسه الى درجة جعلته ينسى مناظر مماثلة كان قد ألفها في الدار البيضاء.
ويتذكر كذلك أنه بدأ منذ تلك الليلة يراجع صورة المشرق في ذهنه محاولا التخفيف من البطانة الوجدانية التي كانت تلفها والتي كانت تجعل منها صورة ممجدة الى ابعد مدى. ولعل هذا النوع من المراجعة هو ما جعل انطباعاته في دمشق تتسم بقدر كبير من الواقعية. ولعل هذا أيضا ما جعل رد فعله يقتصر على ابتسامة عندما سأله أحد الطلاب العرب في دمشق: هل عندكم ماء في المغرب؟ لقد فهم في ذلك الحين ان الطالب قادم من بلد عربي قليل الماء.. بلد من صحراء العرب..).
بعد بيروت كانت دمشق، وهناك اشترى صاحبنا غرفة مفروشة مستقلة مع إحدى العائلات شأن الطلاب الجامعيين عموما. وعلى كل فإن ذاكرته لا تحتفظ له بأي شيء يستحق الذكر عن وضعيته المعيشية والسكنية. كان يسكن بحي المزرعة وكان يتردد على المطاعم التي يرتادها الطلاب الجامعيون ولم يكن يعاني من ضائقة مالية ليس لكثرة ما كان لديه من نقود بل لأنه يفضل كجميع زملائه من أهل مدينته ان يعيش على الكفاف.
اكتشف صاحبنا في دمشق منذ الأيام الأولى له فيها صورة أخرى للمشرق غير التي هيمنت على مخيلته بعد «صدمة» الأحياء الشعبية في الإسكندرية. لقد وجد دمشق مدينة دافئة ونظيفة، ووجد سكانها في غاية الهدوء والسكينة واللطف، يعتبرون كل عربي واحدا منهم فيشعر الوافد عليها من العرب فعلا انه وسط أهله وذويه: في دمشق لا يشعر العربي بالغربة أبدا أو على الأقل هكذا كان الشأن يومئذ.
لم تسجل ذاكرة صاحبنا عن السنة الوحيدة التي قضاها في سوريا 1957-1958 أي شيء من الأشياء الغريبة والمزعجة التي تحتفظ بها الشحنة الوجدانية المرافقة لها بموقع في الذاكرة، ما يجعلها تقاوم الفناء والنسيان وتجعل في الإمكان الحفر فيها واستنطاقها فيما بعد.
اجل كانت السنة التي عاشها في دمشق مليئة بالأحداث السياسية والقومية: أحزاب سياسية متعارضة ومتنافسة، ومناقشات برلمانية صاخبة، وصحافة حرة تذخر بمقالات سياسية وفكرية وأدبية... وأيضا تجنيد للرأي العام في النزاع الذي كان يبدو خطيرا بين سوريا وتركيا، واستقبال حاشد للرئيس جمال عبد الناصر، وسفر قسم كبير من شعب لبنان الى دمشق لتحية الزعيم العربي. ثم مناقشات ومفاوضات ومزايدات تبعها الإعلان عن الوحدة بين مصر وسوريا وقيام الجمهورية العربية المتحدة.
كل هذه المظاهر والوقائع عاشها صاحبنا في دمشق متتبعا ملاحظا وأحيانا منخرطا ولا ننسى هنا أنه جاء أيضا دمشق لكي يقوم بمهمة مراسل صحيفة «العلم» المغربية إضافة إلى مهمته كطالب ولكنها جميعا تنتمي عنده إلى ذاكرة أخرى وهي ذاكرته السياسية، ومهما يكن فان واحدا من المظاهر التي أثارت استفزاز صاحبنا واستغرابه عبارة التحية التي يتبادلها الناس في المشرق العربي وهي «مرحبا» .
وجوابها «مرحبتين» أو «مرحبا». لقد اعتاد في المغرب عبارة «السلام عليكم» ولقد فسر صاحبنا فيما بعد شيوع عبارة «مرحبا» بدل السلام عليكم في الشام يكون أهل البلد منهم مسيحيون. ولا بد من الإشارة الى ان المغاربة عموما لم يكونوا يتصورون في ذلك الوقت وجود عربي غير مسلم. فالعروبة والإسلام كانا في وعيهم تعنيا الشيء ذاته العروبة والإسلام عند سكان المغرب العربي كانا وما زالا معا علامة على الهوية الوطنية والانتماء الحضاري.
