يمتلك كل من الإسلام والمسيحية أفضل الإمكانات في العصر الحاضر لفهم مشكلات العالم الحديث، والإسهام بدور فاعل في إيجاد الحلول المناسبة لها.
وذلك لأنهما يناديان من حيث المبدأ بالتصدي لمشكلات مشتركة مثل مشكلة الانهيار الحضاري التي ترتبط بها مشكلات أخرى عديدة مثل: أعمال العنف وانتهاك حقوق الإنسان وتخريب البيئة.
فعقيدة كل منهما تحتم عليهما الاهتداء فيما يقومان به بقيم الرحمة والمودة والمحبة، والسعي إلى تحقيق العدالة وبخاصة للفقراء والمظلومين في عالمنا.
حول هذا الموضوع يقدم لنا الدكتور محمود حمدي زقزوق وزير الأوقاف المصري، كتابه الجديد: «الإسلام والمسيحية إمكانات التفاهم والتعاون بين الجانبين».
في البداية يؤكد المؤلف أن الإسلام يدعو المسلمين إلى الدخول في حوار جامع مع أتباع الأديان الأخرى وبالتعايش السلمي معهم، ومع المسيحيين على وجه خاص، كما جاء في القرآن الكريم،«ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون».
ولقد شعر المسلمون منذ البداية بهذه القرابة الروحية كما يقص القرآن الكريم خبر تعاطفهم مع روم الشرق المسيحيين، فقد حزن المسلمون حزنا شديدا عندما انهزم الروم المسيحيون أمام الفرس الوثنيين آنذاك، وواستهم آيات من الوحي القرآني، متنبئة لهم بأن الروم سينتصرون على الفرس في معركة مقبلة، وقد كان للفرس الهيمنة على الشرق الأدنى حينذاك.
وقد تحققت نبوءة القرآن التي حدثت حوالي عام 616م، بانتصارات متتالية للروم عام 622م، وقد تعاطف المسلمون حينذاك مع روم الشرق المسيحيين على عكس مشركي مكة الذين تحزبوا ضدهم وانحازوا للفرس الوثنيين.
والإسلام هو أول دين دعا بصريح العبارة إلى الحوار الديني وإلى اتخاذ موقف عادل تجاه أتباع الديانات الأخرى، والشيء الذي يجعل هذا الحوار ممكنا ينبني على حقيقة واقعة يشير إليها القرآن الكريم تتمثل في أن الأديان السماوية كلها تدعو إلى عبادة الله وحده ونبذ الشرك، وفي ذلك يقول القرآن الكريم: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله.
ويطالب المؤلف كل من يريد أن يفهم تاريخ العلاقات الإسلامية المسيحية فهما صحيحا أن يضع نصب عينيه حقيقة أن المسلمين يعتبرون النبي محمد صلى الله عليه وسلم قدوتهم ومثلهم الأعلى.
وقد قدم السلطان صلاح الدين الأيوبي الذي يعرفه الأوروبيون حق المعرفة مثلا مشهورا على اقتدائه بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم بعد ظهور الإسلام بقرون عديدة ـ فبعد أن استعاد القدس من الصليبيين عام 1187 م تعامل معهم بتسامح ايجابي منقطع النظير، استلهم فيه مبدأ الرحمة «والرحمة في نظر الإسلام هي المكمل الضروري للعدل».
ولم يتبع مبدأ الشرعية المجردة، ولم يكتف صلاح الدين بالعفو عنهم ومنحهم الحرية في العودة إلى بلادهم، بل زادوا الفقراء منهم بما يكفيهم من المؤونة في طريق عودتهم، ولم يمس أماكنهم المقدسة بسوء على الرغم من أن بعض المسلمين طالبوه بمعاملة الصليبيين بمثل ما عاملوا به المسلمين عندما استولوا على القدس عام 1099، ولكن صلاح الدين نهرهم ومنعهم المساس بالأماكن المقدسة المسيحية وأمر باحترامها والتزام روح التسامح تجاه المسيحيين.
وتذكرنا معاملة صلاح الدين الأيوبي للصليبيين بمعاملة النبي محمد صلى الله عليه وسلم لأهل مكة عندما فتحها، فقد عامل صلى الله عليه وسلم أهل مكة كافة وفيها أعتى أعدائه، معاملة كريمة ومنحهم جميعا عفواً عاماً.
إن الحقيقة الإلهية في التصور الإسلامي تتمثل بصفة خاصة في الرحمة، مثلما تتمثل في التصور المسيحي في المحبة، ومن هنا كان سلوك النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل مكة، ومن بعده سلوك صلاح الدين مع الصليبيين، ويرتبط ذلك بطبيعة الحال بقيم العدل والحق والإنصاف والعفو عند المقدرة، وإلى ذلك يشير القرآن الكريم: {وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون}.
ويتحدث المؤلف عن عصر الازدهار الإسلامي موضحا أنه دام حول ثمانية قرون، وكان له تأثير تحريري تنويري على أوروبا في العصر الوسيط، فقد أتيح للمسيحيين واليهود أثناء الحكم الإسلامي في الأندلس التعاون المثمر مع المسلمين وتحققت لهم بذلك نهضة ثقافية عظيمة.
ولم تبدأ الدراسة الموضوعية للثقافة الإسلامية في أوروبا إلا منذ عصر التنوير، فقد جلبت الحروب الصليبية لأوروبا ـ كما يقول المستشرق الألماني إندريس ـ التعرف على حضارة متفوقة أرفع قدرا من حضارتها.
وهى الحضارة الإسلامية، ونقلت الاتصالات بالمسلمين في الأندلس وفي صقلية إلى أوروبا المسيحية التراث العربي والتطوير العربي لتراث الإغريق العلمي، وأحدثت الترجمات منذ نهاية القرن الحادي عشر تأثيرا مثمرا في الدراسات العلمية والطبية والفلسفية في أوروبا.
ولقد بدأ ازدهار الحضارة الإسلامية منذ أن سعى المسلمون في العصر العباسي إلى توسيع علمهم عن طريق الاتصال والحوار مع حضارات وثقافات أخرى، وهذا هو الفيلسوف العربي ابن رشد الذي عرفه الغرب باسم «أفيرويس» يشدد على أن دراسة كتب القدماء تعد واجبا إسلاميا، يقول ابن رشد: بفما كان منها موافقا للحق قبلناه منهم وسرنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم».
إن الحضارات ليست حجارة صماء، إنها تنمو وتصون بقاءها عن طريق جسور متنوعة من الاتصال والتبادل والتعاون مع الحضارات الأخرى، أي عن طريق الحوار، ولقد أدرك المرء هذه الحقيقة من جديد في العصر الحاضر بعد أن علت الأصوات محذرة من تنامي عولمة أحادية الجانب.
ويشير المؤلف في النهاية إلى أن ثقة المسلمين اهتزت في الحوار مع الغرب لأسباب ليس آخرها المحاولات التي أظهرت عدد الهيمنة على البلاد الإسلامية وفرض القيم الغربية عليها فرضا، ولهذا يدافع المسلمون عن حريتهم.
وهم على يقين مما بينه لهم القرآن الكريم من أن الله سبحانه وتعالى لا يغير مصير قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، أي يغيروا هم بإرادتهم أنفسهم من داخلها، والتشديد هنا على قيام الأمة بتغير نفسها بنفسها، أي بقرارها الحر، وبعلمها المستقل، بالتقاليد إن الأمة بحاجة إلى الحرية التي لابد من أن تمكن منها.
وعلى الرغم من المشكلات والصعوبات السياسية فمازال المسلمون يتمسكون بضرورة حل المشكلات الراهنة السياسية بطرق سلمية طبقا لمفهوم الإسلام عن طريق الحوار لا الحرب.
ويرى المسلمون أن من الأهمية بمكان أن يتم البحث بالتحليل الموضوعي من الأسباب الحقيقية للإرهاب والإرهاب المضاد في عصرنا الحاضر حتى يمكن القضاء على هذه الظاهرة قضاء مبرما.
وقد لاحظت عالمة الاجتماع الإسبانية الخبيرة بشؤون الإسلام «خيما مارتن مونوث»، أن الإرهاب سيجد المزيد من التربة الخصبة التي تتسع فيها دائرته إذا استمر تيار التخويف من الإسلام «في الغرب»، في انتشاره المنظم في الوقت الراهن، وإذا لم تحل مشكلات الشرق الأوسط والعسكرية الملحة بأكبر سرعة ممكنة.وتضيف مونوث قائلة: إن نظرية ما يسمى بصدام الحضارات قد استغلت لتقرير الهيمنة على الشرق الأوسط.
