عرفت دبي منذ مطلع القرن العشرين كميناء نشط يضج بالحياة والحركة والنشاط التجاري الذي كان علامة فارقة ميزت دبي عن غيرها من موانئ الخليج العربي.

فالرحالة والقادمون الغربيون إلى دبي منذ أوائل القرن العشرين كانوا يبهرون بما تملكه دبي من نشاط تجاري متنوع وحركة اقتصادية سريعة تدل على مهارة تجار دبي في استقطاب الحركة التجارية إلى هذا الميناء الواعد. فقد كانت التجارة تدخل إلى الميناء عبر السفن البحرية لتقوم بعدها سبل المواصلات الأخرى بنقل تلك التجارة وتوزيعها على المناطق الداخلية من الإمارات. فكانت الجمال وظهور الدواب عاملا مساعدا ساهم في سرعة حركة التجارة بين ميناء دبي والداخل.

كانت كل إمارة من إمارات الساحل السبع تملك، في مطلع القرن العشرين، «استراحة للجمال» تكمن أهميتها كما يدل اسمها على كونها استراحة أو نقطة التقاء للجمال التي كانت تجلب بضائع الداخل لبيعها في دبي وشراء احتياجات الداخل من دبي وتوزيعها بعد ذلك على المناطق الداخلية. ولذا كانت استراحة الجمال نقطة وصل مهمة على الطريق التجاري الداخلي ليس لمدينة دبي فقط ولكن لكل أمارة من إمارات الساحل المتصالح.

كانت استراحة الجمال في دبي نقطة نشاط تجاري مهم. فما كان يميز استراحة الجمال في دبي هو ذلك النشاط الذي لا يهدأ ليلا أو نهارا . فقد كانت القوافل تأتي في رحلات يومية تقريبا من العين والمنطقة الشرقية وداخل عمان وبقية الإمارات الأخرى في رحلة قد تستغرق أسابيع لكي تبيع بضائعها في دبي وتشتري في المقابل ما تعرضه أسواق دبي من منتجات غذائية.

فقد كان هؤلاء البدو يأتون إلى دبي لشراء البن والشاي والطحين والأرز بينما يجلبون إلى دبي بضائعهم من اللومي المجفف وأوراق التبغ (التنباك) وأخشاب الغاف المستعمل للوقود والهامبا (المانجو المحلي ) من مسافي. وحالما تصل الجمال القادمة من المناطق الداخلية حتى يحيط بها تجار بر دبي يفاوضون أصحابها على حمولة جمالهم أو يقايضونهم بالبضائع التي يملكونها.

وتستمر المساومة بين أخذ ورد، وأحيانا كثيرة تتدخل عدة أطراف لإتمام الصفقة التجارية. خلال عمليات البيع أو المساومة يسارع البدو إلى ربط سيقان جمالهم بالحبال وأحيانا كثيرة يتركونها في الاستراحة ليتجهوا مع أقرانهم إلى محطة العبرات (القوارب) إلى بر ديره للتعرف على ما قد تعرضه أسواقها من بضائع أخرى متنوعة.

وتعتبر ديره قلب دبي النابض حيث تعج أسواقها بالخليط من الأجناس والأعراق حيث تتزاحم في أسواقها، المسقفة بالخشب وألواح الصاج والتي تنبعث منها روائح التوابل والهيل والزهور المجففة وأصناف الحبوب المختلفة والتي ترد إلى أسواق دبي من الهند وإيران وأفريقيا. ولذا اعتبرت ديره منذ القدم المركز المالي والاقتصادي للأمارة.

وعلى الرغم من التطور الهائل الذي شهدته دبي في النصف الثاني من القرن العشرين ألا أن استراحة الجمال ظلت معلما اقتصاديا من معالم دبي. فقد ظل هذا المعلم نشطا حتى الستينات من القرن العشرين. فقد كانت استراحة الجمال تنافس في نشاطها الأسواق التجارية الجديدة التي بدأت في الظهور والمحلات التجارية المتخصصة والتي أخذت في عرض البضائع الحديثة من أقمشة وحلي وغيرها من مستلزمات الحياة العصرية.

* العملة المستخدمة

عرفت دبي الكثير من العملات التي استخدمت حتى قيام الاتحاد. بالإضافة إلى الروبية الهندية والتي استخدمت حتى مطلع الستينات (والروبية مقسمة إلى 16 أنه) وهي العملة الأكثر شهرة في دبي، عرفت منطقة الساحل العديد من العملات الأخرى. ففي القرن التاسع عشر كانت العملة المستخدمة هي ريالات الملكة ماريا تيريزا .

فقد كان هذا الريال شائعا في الإمارات وعمان . وكان سعر صرفه روبيتين ونصف . وكان الأهالي يفضلونه لسهولة صهره واستخراج الفضة منه لاستعمالها في صنع الحلي النسائية الفضية ومقابض الخناجر التقليدية المعروفة باسم «الجنبية».

وفي عام 1959 أبدلت حكومة الهند لون الروبية الورقية وجعلت الروبية الخضراء للاستعمال داخل الهند فقط والروبية الحمراء لاستعمال أهل الخليج. وكان هدف الحكومة الهندية من هذا الاجراء وقف عمليات اخراج الروبية الهندية من الهند.

ولكن نظرا للتبادل التجاري الهائل لصالح مناطق الخليج فسرعان ما فشلت حكومة الهند في التحكم في خروج الروبية، اذ سرعان ما خرجت العملة الفضية الهندية من الهند عوضا عن الورقية الخضراء. وأنصب ذلك السيل من الأموال إلى دبي التي سرعان ما وجدت نفسها غارقة وسط ملايين القطع من الروبيات الفضية.

واختفت العملة الورقية من الأسواق تماما وتراكمت أطنان من العملة الفضية . وأصبح تجار دبي أمام خيار ثقيل وهو دفع قيمة مشترياتهم بالعملة الفضية الثقيلة حتى أنه يروي أن التجار كانوا يدخلون البنوك ومعهم أحد الحمالين لحمل مدفوعاتهم بالعملة المعدنية.

وعجزت الخزائن الكبيرة عن استيعاب هذه الكمية من العملات المعدنية. وأمام هذا التحدي الكبير تدخلت حكومة دبي وأصدرت اعلانا سريعا نشر في الجريدة الرسمية مفاده: أنه واعتبارا من شهر أبريل 1962 ستكون العملة المعدنية عملة قانونية في دبي وتوابعها حتى مبلغ عشر روبيات فقط».

لقد كان ذلك الاجراء يهدف في المقام الأول إلى حماية التجارة وتسهيل الأمور التجارية على كل من البائع والمشترى. فقد كان الأجراء يعنى أن لا أحد ملزم بقبول أكثر مما يعادل العشر روبيات بالمسكوكات النقدية لتسديد الديون أو لدفع قيمة البضائع.

وعلى الرغم من هذا الإعلان الا أن البنك البريطاني للشرق الأوسط استمر في قبوله لأي مبلغ بالعملة المعدنية إذا ما اقتنع بأن التجار قد حصلوا عليها من خلال أعمالهم المشروعة . أما في حالة عدم اقتناع البنك ، فإنه مخول بتحصيل عشرة بالمئة من المبلغ كأجور تسليم واستلام.

ويبدو أن هذه الفوضى النقدية أدت إلى تنبه الهند وتحركها السريع لاتخاذ اجراء حاسم لحماية عملتها. فقد دفعها خوفها من انهيار عملتها إلى سحبها لعملتها الفضية من التداول في أسواق الخليج وإيقاف التداول بها.

وفي عام 1966 أعلنت حكومة الهند فجأة عن تخفيض قيمة عملتها (الروبية) مقابل الجنيه الإسترليني. وهكذا انخفضت الروبية الهندية من 13 روبية للجنيه الواحد إلى 21 روبية الأمر الذي أثر تأثيرا سلبيا كبيرا على تجار دبي.

فقد وقع خبر هذا الخفض كالصاعقة على تجار دبي. فالعملة الهندية هي العملة الرسمية المتداولة والتي يتم بها تسوية كافة الأمور والمعاملات التجارية وتخفيضها المفاجئ دون سابق إنذار سوف يكبد التجار خسائر فادحة هذا غير عن الفوضى الاقتصادية التي سوف يخلفها هذا القرار المفاجئ. لقد كان هذا التغيير هو أول تخفيض رسمي للعملة في تاريخ المنطقة بأسرها.

* إنقاذ الاقتصاد

كان على الحكام الخليج جميعا أن يتحركوا سريعا لاتخاذ اجراء يحمي الوضع الاقتصادي في بلدانهم من جراء هذا التذبذب. وهكذا احتضنت دبي في شهر يوليو 1965 اجتماع حكام إمارات الخليج العربي صادقوا فيه على اتفاقية لإصدار «ريال الخليج» ليصبح العملة الموحدة والقانونية المتداولة في إمارات الخليج الواقعة حتى تلك الفترة تحت الحماية البريطانية.

ولكن على الرغم من الجهود المكثفة لتطبيق ذلك الاتفاق الا أن ظهور بعض العوائق الاقتصادية أدت إلى ابقاء ذلك الاتفاق حبرا على ورق. ولم يتقيد أحد به الأمر الذي كاد من شأنه أن يعرض اقتصاديات الامارات الصغيرة النامية إلى الكثير من المتاعب.

ولم تجد حكومة دبي بدا غير الاتفاق مع إمارة قطر لإصدار ريال «قطر ودبي» ليكون العملة الخاصة بهما. وفعلا بدأ تداول الريال الجديد اعتبارا من 15 يوليو 1966 . وحظيت هذه العملة بقبول كبير بين أهالي الإمارات.

إلا أن إمارة أبوظبي قررت التحول من الروبية الهندية إلى الدينار البحريني كعملة يتم التداول بها في مناطق الامارة. وقد أستمر ريال قطر ودبي في التداول في الإمارات حتى بعد قيام الاتحاد وصدور أول عملة رسمية لدولة الإمارات العربية المتحدة.