إن الحمد لله الواحد الأحد الفرد الصمد، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، عبده وحبيبه وخليله، المكرم بالقرآن الكريم المعجز، المستمر على مر السنين... أما بعد..

أنعم الله علينا بأكرم الكتب وأفضلها كلاماً، وجمع فيه قصص الأولين والآخرين، وفيه الحكم والمواعظ والحجج والآيات العظيمات بأسلوب سلس ومعجز في الوقت نفسه، فلا يملك من يقرأه أياً كان معتقده .

ومستواه التعليمي والفكري إلا أن يشعر بأنه رسالة الله لمن في الأرض... ذلك هو القرآن الكريم، الذي ما فتئ العلماء في الماضي والحاضر يتدارسونه ويفسرونه ويعتنون به ويضعون لقرائه آداباً خاصة للتعامل معه..

ولا عجب فهو الكتاب المبين الذي يكرم بكرمه من أكرمه، فقارئ القرآن وحافظه والمعتني به أفضل الناس عند الله، لقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ : خيركم من تعلم القرآن وعلمه (أخرجه البخاري)، وقال ـ عليه الصلاة والسلام السلام ـ الذي يقرآ القرآن وهو ماهر به مع السفرة الكرام البررة (أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما).

وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ : اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه (رواه مسلم). وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذلك: إن الله تعالى يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين (رواه مسلم). جعلنا الله ممن يرفعهم بالقرآن ويزيدهم منزلة وأجراً.

وعن فضل القرآن الكريم قال تعالى: (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) «الإسراء 9»، وقال صلى الله عليه وسلم: (اقرؤوا القرآن، فإن الله تعالى لا يعذب قلباً وعى القرآن، وإن هذا القرآن هو مأدبة الله فمن دخل فيه فهو آمن، ومن أحب القرآن فليبشر) «أخرجه الدارمي».

ولعظيم شأن هذا الكتاب المبارك وضع العلماء مجموعة من الآداب لحملته، وأوصافاً لحفظته وطلبته، وهي عديدة لا يمكن حصرها، ولكن سنحاول أن نوجزها في النقاط التالية وسنسميها (آداب الواردين لمائدة الرحمن):

أولا: آداب عامة لابد منها:

إخلاص النية لله تعالى: أي يقصد بقراءته للقرآن الكريم وحفظه رضا الله تعالى وحده، فالإنسان يرزق ويعطى على قدر نيته، فلا يقصد التباهي أو يطلب المدح بذلك، والإخلاص كما عرفه العلماء هو: أن تستوي أفعال العبد في الظاهر والباطن، وقال الفضيل بن عياض «رضي الله عنه»: ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما.

الخلق الحسن: ينبغي للمتعلم أن يتخلق بأحسن الأخلاق والفضائل والخلال الحميدة، لحمله أفضل العلوم على الإطلاق، فيتخلق بالسخاء والجود وعدم المبالاة بالدنيا ومكاسبها، والصبر والحلم وملازمة الخشوع والوقار والتواضع، والترفع عن اللغو واللهو واجتناب كثرة الضحك والمزاح، والحذر كل الحذر من الكبر والعجب واحتقار الغير وإن كانوا دونه.

التواضع واحترام معلمه: قال بعض العلماء: على المتعلم أن يطيب القلب لمعلمه كما تطيب الأرض للزراعة، وعليه أن يتواضع ويتأدب لمعلمه .

وإن كان أصغر منه سناً أو أقل نسباً، فيتأدب له ويقبل قوله، قال الإمام علي ـ كرم الله وجهه: من حق العالم عليك أن تسلم على الناس عامة وتخصه دونهم بالسلام، وأن تجلس أمامه، ولا تشيرنَّ عنده بيدك ولا تغمزن بعينك، ولا تقولن فلان قال خلافا« لقوله ولا تغتابن عنده أحداً.

النظر في أهلية المعلم: لابد أن يتلقى المتعلم قراءة القرآن على يد معلم متمكن حاذق وذلك تأسياً برسولنا العظيم الذي كان يعرض القرآن ويتلقاه على يد جبريل «عليه السلام»، وكلك لأن بعض الكلمات في القرآن يخالف نطقها رسمها، لذا وجب أن نبحث عن المعلم الذي كملت أهليته وتحققت معرفته واشتهرت صيانته، فقد روى محمد بن سيرين ومالك «رضي الله عنهما» وغيرهما عن السلف قولهم: «هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم».

القراءة عن طهارة: والمقصود هنا الطهارة المادية والمعنوية (القلبية)، فيكون طاهراً من الحدثين الأصغر والأكبر، ويطهر قلبه من الشوائب وأمراض القلوب.

اختيار المكان المناسب: فيختار المكان النظيف الهادئ مبتعداً عن الضوضاء والإزعاج مستقبلاً القبلة لأن خير المجالس ما أستقبل القبلة دون اشتراط لوضعية معينة، لحديث عائشة «رضي الله عنها» كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (يتكئ في حجري وأنا حائض فيقرأ القرآن) رواه البخاري ومسلم، وعن أبي موسى الأشعري «رضي الله عنه» قال: إني أقرأ القرآن في صلاتي وأقرأ على فراشي.ولكن أفضل الوضعيات هي جلوس القارئ بخشوع ووقار وسكينة مستقبلاً القبلة.

إعداد: زهرة الجابري