لله درّ العلماء ما تركوا باباً من أبواب العلم إلا ولجوه، فكيف به إن كان فيه حديث وأثر؟ لعمر الله إنه لضالتهم التي ينشدون.والحيوان مخلوق لله، بعضه فيه الهلاك والعطب، وبعضه فيه الشفاء والسبب، وكله لحكمة أرادها خالقنا، علمها من علم، وجهلها من جهل.

وقد ورد ذكر بعضها في الآيات البينات، وحوت السنة النبوية عنها روايات، فسعى أهل العلم إلى جمع ما تفرق منها ونسجها، فكانت مصنفات ومصنفات...

ومن تلك المصنفات (بهجة الإنسان في مهجة الحيوان) لمؤلفه فهو علي بن (سلطان) محمد، نور الدين، المشهور بالملا علي القاري، فقيه حنفي، من صدور أهل العلم في عصره، ولد في هراة، وسكن مكة وتوفي بها سنة 1014ه.

له مؤلفات في فنون شتى، كالتفسير، والقراءات، والحديث، والفقه، والأصول، واللغة، وغيرها: منها: تفسير القرآن، وضوء المعالي، وشرح مشكاة المصابيح، وشرح مشكلات الموطأ، وبداية السالك في المناسك، وتوضيح المباني (شرح المنار في الأصول)، والناموس في تلخيص مواد القاموس...

أما كتابه (بهجة الإنسان في مهجة الحيوان)، الذي فرغ من تأليفه سنة 1003ه، فهو كتاب حديث وأثر، وفقه وخبر، وحكايات وعبر، وأدب، وأمثال، وأقوال، بالإضافة إلى موضوعه الأساس الذي هو علم الحيوان، كل هذه العلوم طويت في صفحات هذا السفر الجليل، بأسلوب مصنف خبير...

منهجه:

المادة العلمية التي اتخذها المؤلف أساساً لكتابه هي أسماء الحيوانات، وقد رتبها على حسب حروف المعجم، مبتدئاً بباب الهمزة خاتماً بباب الياء.

وفي كلّ حرف من هذه الحروف يذكر ما بلغه من أسماء الحيوانات مرتبة أيضاً حسب حروف المعجم.

وفي كل اسم من هذه الأسماء يذكر ما حضره من وصفه، وإن كان مشهوراً استغنى بالشهرة عن الوصف، ثم يتبعه بالآثار الواردة فيه إن وجدت، وبعدها يبين الحكم الشرعي من حيث جواز أكله أو عدمه مدعوماً بالأدلة وأقوال الأئمة، وينشر بين هذا وذاك ما ورد فيه من أمثال وأقوال وحكايات.

نموذج من المخطوط:

«باب الثاء: ... الثعلب»:

معروف، وكنيته أبو الحصين، والأنثى ثعلبة، والجمع أثعل، رؤى ابن قانع في معجمه عن وابصة بن معبد، قال: النبي «صلى الله عليه وسلم» يقول: شرُّ السباع هذه الأثعل، يعني: الثعالب، وجمع الذكر يُعْلُبَان، وأنشد الكسائي عليه:

آَرَبٌّ بيولُ الثعلبان برأْسِهِ

لَقَد ذَلَّ مَنْ بالَتْ عَلَيْهِ الثَّعالِبُ

وهكذا أنشده جماعة وهم،، فقد رواه أبو حاتم الرزاي: الثَّعلبانِ بالفتح على أنّه ثنية ثعلب، وذكر أنّ بني ثعلب كان لهم صنم يعبدونه، فبينما هم ذات يوم إذ أقبل ثعلبان يشتدان فرفع كلُّ واحد منهما رجله وبال على الصنم، وكان للصنم سادن، يقال له: غاوي ابن ظالم، فقال البيت، ثمَّ كسر الصنم، وأتى النبي «صلى الله عليه وسلم»، فقال له: ما اسمك؟ قال: غاوي بن ظالم، فقال: أنت راشد بن عبدالله، والحديث مذكور في معجم النبوي، وابن شاهين وغيره، وحديثه مشروع في دلائل النبوة لأبي نعيم الأصبهاني...

روى أحمد عن أبي هريرة أن النبي «صلى الله عليه وسلم»: نهى في الصلاة عن ثلاث: نقرة كنقرة الديك، وإقعاء كإقعاء الكلب، والتفات كالتفات الثعلب، ...

والإمام الثعلبي منسوب لخياطة جلود الثعالب وعملها، لأنه كان فراء، مات سنة ثلاثة وأربعمئة.

الحكم: كره أبو حنيفة ومالك أكله، وأكثر الروايات عن أحمد تحريمه، لأنه سبع، ونصّ الشافعي على حل أكله.

وقال ابن الصلاح: ليس في حلّة عن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» حديث، وفي تحريمه حديثان في إسنادهما ضعف، واعتمد الشافعي في ذلك على عادة العرب في أكله، فيندرج في عموم قوله تعالى: «قل أحلَّ لكم الطيبات».

الأمثال: قالوا:

أروغ من ثعلب،

قال الشاعر:

كلُّ خليلٍ كُنْتُ خَالَلْتُهُ

لا ترَكَ الله لهُ فاضِحَه

وكلُّهُم أَرْوَعُ مِنْ ثَعْلَبٍ

مَا أَشْبَهَ الليْلَةَ بالبارحَه

وفي المجالسة للدينوري: أن عمر بن الخطاب، قال وهو على المنبر: إنّ الذين قالوا ربّنا الله ثم استقاموا، ولم يروغوا رواغان الثعلب...».

حوت خزائن مركز جمعة الماجد من هذا المخطوط النفيس نسختين مصورتين:

الأولى: نسخة محفوظة في المركز برقم (832,10)، وهي مصورة عن نسخة أصلية محفوظة في مكتبة أحمد الحبيب الجلوتي في تونس، وعدد أوراقها (121) ورقة، وفي كل ورقة (25) سطراً. وهي نسخة واضحة كاملة مكتوبة بخط فارسي جميل. والثانية نسخة محفوظة في المركز برقم (13114)، وهي نسخة مصورة في نسخة أصلية محفوظة في دار الكتب المصرية برقم (729 طبيعية)، وعدد أورقها (115) ورقة، في كل ورقة (27) سطراً. وهي نسخة واضحة مقروءة مصححة، مكتوبة بخط النسخ.

ختاماً نقول: قد بدا من هذا البحر الزاخر بعض درره، وأسفرت هذه الحديقة الغنّاء عن بعض كنوزها، فعسى أن تقع هذه الكلمات في مسمع عالم محبّ لآثار سلفه، فيسعى جاهداً لتحقيق هذا الكنز ونشره بين أهل العلم.

د. هادي أحمد الشجيري

مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث