تعتبر آسيا جبار (التي نالت مؤخراً واحدة من أرفع الجوائز الأدبية الفرنسية) واحدة من أبرز الأدباء الجزائريين الكاتبين بالفرنسية، ورواياتها معروفة وتُقرأ على نطاق واسع، وبعضها فقط تُرجم إلى العربية.

في العام 1980، طلبت صحيفة «لو موند» من آسيا جبار أن تكتب نصاًّ عن مدينة وهران، فكتبته ولكن في لعبة مرايا مدهشة: كتبته انطلاقاً من مجموعة فوتوغرافية كان التقطها للمدينة في العام 1906 مصور مجهول. وهنا جزء من النتيجة.

في هذه المدينة يشعر المرء بنفسه دائماً وكأنه عابر في ارتحال متواصل، حين يكون المرء في وهران يكون دائماً ناظراً بعينيه وعقله نحو مكان آخر: نحو اسبانيا مثلاً أو نحو الغرب(تطوان أو وجدة)، نحو تلمسان أو نحو الجزائر العاصمة.

فمن كل أفق من الآفاق تدفق ذات يوم جنود وتجار، مغامرون وعاطلون عن العمل، غير أن تلك الموجات البشرية لم تلق أبداً من يجابهها، كما أن أياًّ منها لم يذب في مجتمع المدينة، وهران ليست مصهراً يذوب فيه الناس والأشياء.

هي بالأحرى موطن فراغات تنطبع فوق بعضها البعض، وحتى اليوم، على رغم الصخب اليومي الذي يثيره الباعة والأسواق، لا يبدو أي من الذين في وهران وكأنه مقيم هنا إلى الأبد، تماماً كما لو أن الكل، عاطلاً عن العمل كان أو عاملاً، لا يمكنه أن يرى نفسه إلا في حال انتقال دائم.

والحال أن الوصول إلى وهران لا يدفع المرء بأبدية الأماكن، ولا إلى التساؤل حول حيّز المكان أو حتى حول غباره المنتشر. هنا في حيادية الديكور ثمة نوع من التفتت يطال أية استمرارية داخلية، هنا لا يمكن المرء إلا أن يشرد في هذه المدينة التي، حين كانت اسبانية تصدت للعرب.

وحين صارت فرنسية عاشت وكأنها اسبانية، وتبدو اليوم وكأنها تحاول العثور على جذورها، حيناً في تلمسان ذات التقاليد الواضحة، وحيناً في الأندلس الأصيلة الغابرة، أو..لم ليس في موجات الهجرة المتعاقبة،لقد بذل التاريخ في وهران كل ما في مقدوره حتى يحل التثاؤب محل الحركة.

..وهران ـ 1906، في جزائر بداية القرن العشرين تلك، ظل أندريه جيد أكثر تآلفاً مع مسكرة، أما ايزابيل أبرهاردت، فقد أمضت وقتها تتجول في كثبان الجنوب الوهراني بحثاً عن مواد لتحقيقاتها الصحافية، هذا فيما كان الكولونيل ليوتي المتحرك بين عين صفرا ووهران، لا ينظر بعينيه إلا شطر المغرب.

عند نهاية خريف العام 1906، أو عند بداية الشفاء على الأرجح، حط الرحال في وهران مصور جعل صنع البطاقات البريدية مهنته، لا أعرف اسمه، فهو الشاهد المجهول الذي جال في المكان يصور ويخلد إلى أبد الأبد في صور الجادات الزاخرة بالمارة، والأحياء الشعبية والأماكن الحديثة حين تؤم نخبة وهران الاجتماعية حفلات الموسيقى، كما صورة القرية الزنجية التي تضج بالموسيقى يوم العيد.

وها أنا الآن أشاهد بواسطة المكبر، نحو مائتين من صور جديدة التقطت مشاهد من وهران القديمة، نظرة تغوص ثلاثة أرباع القرن في الزمن، نظرة تجمد الزمن كله: مجتمع إنساني بكامله يبزغ كأنه واجهة زجاجية.. مجتمع يقطن برانية هذه المدينة العابرة ويحط رحاله فيبدو وكأنه باق الى الأبد.

ها هي ذي جادة سيغان(التي ستصبح فيما بعد جادة كليمنصو والآن جادة الأمير عبد القادر ) ثمة في أعلى حانة «تورتيل دي تاتونفيل» على شرفة الطابق الثاني، سيدة أنيقة جالسة تمتد بجذعها لتنظر حركة الرجال أسفل المكان. الوقت صباحاً، في الطابق الأول كل النوافذ مغلقة، وهناك بائع «بوظة» جوال ينتظر الزبائن في ظل أشجار النخيل في الساحة المحاذية.

وفي زحام الأوروبيين المعتمرين القبعات المرتدين البذلات الأنيقة، ثمة واحد يبدو عليه أنه من الأعيان المحليين، بكوفيته البيضاء والسوداء التي تفرض الاحترام، وفي عمق المشهد شابان يبيعان الصحف دون أن يزيحا أعينهما عن الكاميرا التي تلتقط المشهد كله.

يعبر المصور الجادة المزدحمة ليتوقف في مواجهة «أوتيل دي سنتر» يقف ها هنا ماسح أحذية في نحو الثانية عشر من عمره، وقفته مفتعلة إذ يحس بوجود الكاميرا، وصندوق الأصباغ، غير بعيد عنه.

ثمة امرأة ورجل من المستوطنين يبدوان في الخمسين ويعبران المكان في سيارة مكشوفة بدت في الصورة واقفة إلى الأبد، هناك عربات أخرى تروح وتجيء وفلاح في ثيابه التقليدية يسير على قدميه إلى جانب حماره الذي يجر عربة، وهناك إلى هذا كله سيدتان برجوازيتان تحمل أحداهما لفافة تحت ذراعها تقفان جانباً، أما عمق الصورة فثمة عربة مسافرين تتقدم خلف ثلاثة أحصنة تجرها.

ساحة كليبر (التي صار اسمها اليوم ساحة حسين بوديل): مجموعة أطفال يلعبون قرب نافورة ماء، اثنان منهم يرتديان سروالي غولف وقبعتين، والاثنان الآخران جزائريان في غندورتهما البيضاء وأقدامهما الحافية، ليس هناك أية صبية جزائرية في أية صورة، في أية ساحة أو في أي زقاق. أما الشمس فتغمر صيدلية «كارافان» القريبة من فندق «بريستول» الذي أقام فيه نابوليون الثالث يوماً.

شارع آرزو (الذي سيصبح اسمه يوماً شارع الجنرال لوكليرك، ثم شارع العربي بن مهيدي): هنا عدد النساء كبير يتجمعن بشكل خاص أمام مكتبة «فوغ» (غرفة القراءة) وغير بعيد عنهنّ بائع الأحذية، إنها مثلاً الرابعة بعد الظهر، وفي المكان مراهق يتبختر بسروال أبيض أنيق، إنها ساعة المناورات العسكرية فوق هضبة آرجنتا:

ثمة عدد من المتسكعين عند المنحدر، عائلة من البيض ومجموعة من مراهقين يرتدون أسمالاً بالية بعض الشيء، غير مهم، الرماة هنا هم أهم شيء، انهم يقومون برقصة الباليه العسكرية، معروضة كما يبدو لتراها المدينة كلها.. المدينة وقد بدت ممتدة تحت أقدامهم، تماماً كما لو أن ثمة ألوف العيون غير المرئية تشرئب ناظرة في اتجاههم.

في شكل عام يبدو الأمر لي وكأن لا شيء تغير في وتيرة الحياة الوهرانية، لا قبل العام 1906 بقرون، ولا بعده بثلاثة أرباع القرن: المشهد وهو خارجي بشكل أساسي، يحافظ على ديمومته، أما الناظر إليه ـ أو من يرقبه من خارج مجال الصورة، أو حتى من خلف الشبابيك المغلقة المطلة على الخارج - فهو شخص يناضل ضد فكرة أن ينتهي به الأمر إلى التحلل والتفتت.

وإنني لأتخيل ذلك البعض الذي، في العام 1906، نجح في أن ينقل إلينا شيئاً من حضوره، أتخيله وهو يدخل وهران، في الليل، صامتاً، لكن غيره أكثر شهرة منه، دخلوا وهران دخول الظافرين.

ففي العام 1509، استقبل الكاردينال الرهيب خيمينيس استقبال الأبطال في وهران بعد معركة ضارية قتل فيها أربعة آلاف مسلم وأسر ثمانية آلاف، كان الاستقبال إمبراطورياً «أطلقت المدافع في القلعة قنابلها تحية له، ووصل هو إلى مركز البحرية حين كان ينتظره، إلى جانب الجنرال القائد، كل المستوطنين معتلين صهوات جيادهم المجللة».

بعد ذلك بثلاثة قرون، أي في العام 1792، وصل إلى وهران القائد العسكري محمد الكبير، كانت المدينة شبه مهجورة، أما هو فكان أكثر تواضعاً وورعاً من الكاردينال: دخل مكللاً هو الآخر بالمجد ولكن لم يكن في صحبته سوى بغل حمل بالنصوص المقدسة، يتبعه العلماء والطلاب، فيما كان الجنود يسيرون مع قادتهم آخر الموكب».

مهما يكن فإن المثل يقول» يدخل المرء إلى وهران مستعجلاً ويتركها هارباً»، فهل لنا أن نقول يا ترى، أن وهران تختصر في كل سيرة ذاتية إلى هذه الجملة العابرة، تماماً كما لو أن العيش فيها والتوقف عندها أخيراً يجبر المرء على أن يكون دائم الارتجال، مع أن المرء لا يرتجل عادة إلا الكلام؟.